نهج آخر للمقاومة: تحويل حياة الاسرائيليين الي كابوس
وصف الارهاب الذي يلحق بالمقاومة الفلسطينية
يجب الا يقلق أحدا. حتي وقت قريب كان نيلسون مانديلا ارهابيا في نظر الولايات
المتحدة وبريطانيا. وما من مناضل من اجل الحرية والاستقلال الا وكان ارهابيا في
نظر اعدائه. وتمثل عودة الرئيس الفلسطيني الي حاضنة التهمة وجها آخر، إذ شاءت له
الاقدار ان تتراوح نظرة الولايات المتحدة اليه بين تمثيل تطلعات شعبه وبين الارهاب
من دون ان يتغير فيه شيء.
وبرغم الكثير من الالحاح علي الحاجة الي وضع
تعريف واضح للارهاب، الا ان الولايات المتحدة دأبت علي الافلات من هذا الالحاح من
اجل ان فرض تعريف الأمر الواقع والذي يقول، بايجاز، ان كل من يعارض سياسات
الولايات المتحدة واسرائيل هو ارهابي ، وكل دولة لا تنفذ مطالب الولايات المتحدة،
بالطريقة التي ترغب بها واشنطن، هي دولة راعية للارهاب .
واعرف ان الولايات المتحدة التي تشن حربا علي
الارهاب تواجه عدوا هو العالم بأسره. ما يجعل التهمة بردا وسلاما علي جميع
الارهابيين، بمن فيهم اؤلئك الذين يقتلون الأبرياء لغايات سياسية.
وفي الواقع، فانه أقرب للشرف ان يكون المرء
ارهابيا في نظر بوش من ان يكون رجل سلام ، طالما ان هذا الوصف يعني الوقوف في صف
واحد مع قاتل اطفال متمرس مثل اريـــيل شارون.
المسألة، اذن، ليست مسألة اتهامات وأوصاف.
فكلنا ارهابيون والحمد لله. مع ذلك، لعله من المفيد الاعتراف بان تركيز المقاومة
الفلسطينية علي قتل المدنيين، كان هو الذي قدم الايجاز الأفضل لمفهوم الارهاب. فـ
قتل المدنيين لتحقيق اغراض سياسية هو ما لا يستطيع أي احد في العالم قبوله علي انه
نضال تحرري لخدمة قضية عادلة.
صحيح ان احزاب ومنظمات المقاومة الفلسطينية
كثيرا ما بنت تصورها علي انه لا يوجد في اسرائيل مدنيون علي الاطلاق، الا ان
العالم لم يسمع بهذا التصور، واذا سمعه لم يفهمه، لنبدو في نظره كما لو اننا حفنة
مجانين نخاطب انفسنا، لنقنع انفسنا، بأعمال وحشية وغير قابلة للفهم.
وبطبيعة الحال، فنحن نعرف ان وحشية الاحتلال
أبشع وجرائمه اوسع نطاقا، ولكن ما لانعرفه هو انها تمارس من قبل دولة تملك قابليات
ضخمة علي تأويل جرائمها، مما لا نملك نحن عشر معشاره.
وهنا أيضا، يمكن ان يخاض الكثير من الجدل،
علي ان الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ليس بالضرورة صراع دعايات، وان عمليات
المقاومة يقصد منها الحاق الأذي بالعدو، وليس كسب معركة دعائية ضده.
والأسئلة التي تجدر بالاعتبار هنا هي: هل
تلحق تلك العمليات، حتي الأكثر وحشية منها، أذي حقيقي فعلا؟ هل تتزعزع اركان دولة
اسرائيل فعلا اذا قتل خمسون مدنيا في كل عملية انتحارية تنفذ ضده؟ الا تنطوي
المقاومة بقتل المدنيين علي فهم خاطئ لاركان القوة الاسرائيلية وركائزها؟
نعم، قد تثير عمليات تفجير الباصات الذعر في
صفوف الاسرائيليين، وقد توحي للكثير منهم بان معدل تعرضهم للحوادث اكبر من معدل
حوادث اصطدام السيارات في بقية ارجاء العالم، وقد تحض الكثيرين علي عدم الهجرة الي
اسرائيل، ولكن ماذا بعد ذلك؟ هل ينتظر لعمليات قتل المدنيين ان تشجع الاسرائيليين
في النهاية علي غلق ابواب الدكان والعودة الي نيويورك؟ وهل يستطيع المجتمع
الفلسطيني ان يتحمل أكلاف اعمال الانتقام الاسرائيلية الي ما لا نهاية اذا ما
استمرت تلك العمليات الي ما لا نهاية؟ وهل يمكن الاستمرار في هذا النوع من
المواجهات من دون عملية سياسية تتيح للطرفين المتصارعين مخرجا؟ واذا كانت هذه
العملية هي مفتاح السلام، لا اعمال القتل المتبادلة، فهل يكتفي ان تجعل من الجثث
مادتها الوحيدة للحوار؟
اسئلة من هذا النوع تقتضي تأملا في العلاقة
بين الغاية والوسيلة. ولكن الرؤية التي طالما أفلتت من اعتبار احزاب المقاومة
ومنظماتها هي انها اندفعت في صراع يتركز علي قتل المدنيين، وتجاهلت امكانية تحويل
حياة الملايين منهم الي جحيم، حتي من دون قتل أي أحد.
لننظر الي الأمر من هذه الزاوية: اذا دخل
الجنود الاسرائيليون قرية فلسطينية، فانهم يقتلعون الأشجار ويلوثون آبار المياه
ويدمرون المنازل، في حرب تستهدف ليس قتل الفلسطينيين، بالضرورة، وانما افقارهم،
تجويعهم، وابقاء مستويات حياتهم في حد ادني من أدني مستوي يعيشه الاسرائيليون.
في هذا النوع من الحرب يحقق الاسرائيليون
أشياء عدة:
أولا، انهم يحافظون علي مستوي من التفوق
الاستعلائي، بين شعبين، واحد مرفّه ومتخم، والآخر جائع ومحطم.
ثانيا، اذا كان لا يمكن ابادة الفلسطينيين
بالجملة، فان نوعا من الابادة الاقتصادية هو ما سوف يدفع الفلسطينيين، في نظر
اسرائيل، الي الزحف علي بطونهم طلبا للسلام.
ثالثا، تدمير الاقتصاد الفلسطيني سوف يحافظ
علي وضع المجتمع الفلسطيني في موضع التابع للاقتصاد الاسرائيلي، الأمر الذي يسهل
علي اسرائيل التحكم بمصائر الفلسطينيين الي الأبد.
رابعا، ابقاء الفلسطينيين في مستوي معيشة
عالم ثالثي ، يعني انهم سوف يمارسون كل شيء آخر في حياتهم بمستوي عالم ثالثي . فلا
تكون سياستهم بمستوي سياسة العالم المتحضر الذي تحتكر اسرائيل الانتساب له، ولا
ديمقراطيتهم مثل ديمقراطيتها بما انهم متخلفون وجياع.
خامسا: فقر الاقتصاد وتدهور مستويات المعيشة
سوف يحرم الفلسطينيين من كل الفرص التي قد تتيحها استثمارات ما بعد تحقيق السلام،
ما يضمن ان تذهب عائداتها الي اسرائيل أولا.
وبإيجاز، فان تدمير حياة الفلسطينيين، أفضل
من الناحية الاستراتيجية والمستقبلية من قتلهم. ويمكننا ان نفعل الشي نفسه.
الصهيوني الذي يعيش في الولايات المتحدة او
روسيا او اوروبا قد يجعل من الاعتبارات الايديولوجية مادة كافية للمغامرة بالذهاب
للعيش في اسرائيل. ولكنه لا يذهب ليعيش في بلد عالم ثالث . المستوطات الاسرائيلية،
حتي ولو كانت في غزة (وهي اكثر مكان علي وجه الأرض بؤسا)، فانها قطعة من عالم
رفاهية ورخاء لا يقارن بمستوي حياة الفلسطينيين.
الاسرائيليون يدمرون حياة الفلسطينيين اكثر
بكثير مما يقتلون منهم. ويستطيع الفلسطينيون ان يفعلوا الشيء نفسه، من دون ان
يقتلوا أي احد.
علميات التخريب الاقتصادية هي المفتاح. يجب
ان يقال للاسرائيليين شيء من هذا القبيل: دمروا حياتنا، فندمر حياتكم. افقرونا،
فنفقركم. اسطورة اللبن والعسل ليست سوي قصة فقر وانحطاط متبادل.
وفي الواقع، فان تهديد اسرائيل بمستوي
رفاهيتها، اكثر فاعلية من اثارة الذعر في نفوس مواطنيها.
الارهاب الايرلندي ضد بريطانيا يملك
الامكانية للقيام باعمال تفجيرات، وبعضها كان يؤدي فعلا الي وقوع ضحايا مدنيين.
ولكن الكثير من تلك الاعمال كان يتم علي النحو التالي: توضع عبوة متفجرة في مكان
مهم من الناحية التجارية، ويتم ابلاغ الشرطة بوجودها، لتقوم بنزعها.
بالنسبة لطبيعة تفكيرنا، فان عملا من هذا
النوع لا بد وان يكون ارهابا فارغا. إذ ما الفائدة في تجشم عناء نقل المتفجرات
ووضعها في المكان المناسب، من دون تفجيرها؟
الجواب هو ان الارهابيين الايرلنديين يدركون
جيدا ان المؤسسة السياسية البريطانية تتعامل مع تلك العبوات علي المستوي نفسه من
الاهتمام، تفجرت ام لم تنفجر، فيستغني الطرفان عن عناء الايقاع بضحايا ابرياء،
ليكتفيا بتبادل الرسائل. ولانهما يفهمان معا ماذا يعني الارهاب بالنسبة لشارع
اوكسفورد التجاري (علي سبيل المثال) من تهديد لمستوي الاستقرار العام، فقد حرصا
علي البحث عن تسوية حتي توصلا اليها فعلا.
لا بد من الاعتراف بان المؤسسة السياسية
الاسرائيلية ليست علي المستوي نفسه من التحضر والحساسية. انها مؤسسة أوباش وقتلة
متغطرسين بالدرجة الأولي. وآخر شيء يمكن ان تفعله هو تبادل الرسائل من دون سفك
دماء.
الا ان تخلف وانحطاط العدو يجب ألا يمنع
الطرف الآخر من ممارسة ارهاب أكثر تحضرا. قد يفيد ذلك، من الناحية المبدئية، في
الحد من الاعمال الانتقامية، ليساعد الطرفين علي الخروج من الدائرة المغلقة للفعل
ورد الفعل، الا انه يمكن ان يساعد في تقديم رسالة تهديد اكثر جوهرية، وفي تقديم
صورة اخري للمقاومة تربك تعريف الارهاب.
تخريب الاقتصاد عمل أكثر فاعلية وأكثر اهمية
من الناحية الاستراتيجية من قتل المدنيين. تفجير الباصات قد يثير ذعر العامة ويخدم
المؤسسة الصهيونية، الا انه سرعان ما يتحول الي اعمال انتقام، ويدفع الاسرائيليين
الي تخريب المزيد من المنازل وقلع المزيد من الأشجار وتلويث المزيد من آبار
المياه.
ولكن ماذا لو تبنت المقاومة الفلسطينية
الذهاب في الاتجاه الآخر: اثارة ذعر المؤسسة الصهيونية وتهديد رفاهية العامة من
دون قتل أي احد.
اسرائيل في نظر الصهاينة أرض احلام لانها أرض
رفاهية ورخاء. تحويل هذا الحلم الي كابوس اقتصادي أهم مليون مرة من اعمال القتل
العشوائية التي تطال الأبرياء .