الديمقراطية الغربية بعد الحرب علي العراق

 

 

 

بقلم :د. يوسف نور عوض

 

خلال الحرب الباردة كانت صورة العالم أكثر بساطة ووضوحا مما هي عليه الآن، فقد كان العالم في الأساس مقسما إلي معسكرين، أحدهما يري أنه يمثل نهاية ثورة البروليتاريا وتمليك وسائل الإنتاج للشعوب وبالتالي إعطاء هذه الشعوب حريتها، والثاني يري في هذا المعسكر تجسيدا لصورة الدكتاتورية وانتهاك حقوق الإنسان. وبين هذين المعسكرين كانت هناك دول تلعب علي أفكار الانحياز وعدم الانحياز من اجل تحقيق مكاسب لا علاقة لها بالمباديء السياسية بقدر ارتباطها بالمصالح التي يحققها الانحياز أوعدم الانحياز.

وكان سقوط الاتحاد السوفييتي الذي يمثل المعسكر الأول فرصة لكي يقدم الكثيرون قراءة غير صحيحة للتاريخ وكان في مقدم هؤلاء فوكاياما الذي كتب كتابه الشهير نهاية التاريخ والذي حاول أن يوضح فيه أن سقوط الاتحاد السوفييتي دليل علي أن الفكر الماركسي وما ارتبط به من أفكار اشتراكية أو شمولية لم يعد مناسبا لمرحلتنا الحضارية والبديل هو الفلسفة الأخري التي عمل الفكر الماركسي علي محاربتها لأنها هي التي تكرس حرية الإنسان وعيشه في مجتمعات ديمقراطية. ولم يمض طويل وقت حتي ظهر هنتنغتون بكتابه الذي أثار جدلا واسعا حول صدام الحضارات، إذ أنه لم يعترف بأن العالم قد وصل إلي مرحلته النهائية لأنه مازال هناك الإسلام الذي لا يمكن له أن يتصالح مع العالم الغربي أو لعل العالم الغربي هو الذي لا يريد أن يتصالح مع الإسلام كما دلت علي ذلك تطورات الأحداث بعد الحادي عشر من سبتمبر في امريكا. ولا شك أن ماحدث في الولايات المتحدة كان مأساة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معني ولكن ما تبع ذلك كان مأساة أكبر مما حدث في الولايات المتحدة، ذلك أن تجاهل قيم الديمقراطية في معظم دول العالم الغربي كان أكبر مما حدث في الولايات المتحدة من وجهة نظري. ويمكننا أن نلمح ذلك في مجموعة من الوقائع والأحداث:

أولا: بمجرد أن وقعت الاعتداءات علي الولايات المتحدة خرج علينا الرئيس الأمريكي ليقول إنه أعلن حربا علي الإرهاب وكان ذلك مقبولا بالنسبة لما حدث في الولايات المتحدة ولكن الرئيس الأمريكي لم ينتظر نتائج البحث والتحقيق في ما جري وأعلن مباشرة أن الذين قاموا بالاعتداءات من الإسلاميين وأنه سيوجه حربا صليبية ضدهم، وعلي الرغم من أنه عدل مدلول هذه الكلمة لتتناسب مع استخداماتها الطبيعية في العالم الغربي فقد جاءت تصرفاته اللاحقة كلها مؤشرا علي أنه عني المفهوم التقليدي للكلمة ذلك أنه قاد حربين واحدة ضد أفغانستان والثانية ضد العراق وقد صحبت هاتين الحربين كثير من المخالفات التي يري الكثيرون أنها لا تتناسب مع قيم الديمقراطية والعدالة التي ينادي بها الرئيس الامريكي.

ثانيا : قامت الولايات المتحدة باعتقال عدد كبير من المشتبه في أن لهم علاقة بالتفجيرات ووضعتهم في معتقل غوانتناموا في كوبا تحت ظروف غير إنسانية. ولاشك أن اختيار غوانتنامو كان مقصودا حتي لا يخضع أي من المعتقلين لما يخضع له المواطنون الأمريكيون من حكم القانون بل إن الولايات المتحدة رفضت أن تخضع المواطنين الأمريكيين المتهمين بالإرهاب لنفس ظروف المعتقلين في غوانتنامو وهو ما ينال من صدقية الحكومة الأمريكية في ممارسة قيم العدالة والحق بل إن الولايات المتحدة دخلت في كثير من الاتفاقيات مع دول العالم حتي لا يحاكم المواطنون الأمريكيون بتهم الإرهاب والاعتداء علي حقوق الإنسان في أي بلد خارج الولايات المتحدة، فما الذي يسوغ للولايات المتحدة أن تحاكم مواطني الدول الأخري بينما مواطنوها في مأمن من أي محاكمة.

ثالثا: عندما قررت الولايات المتحدة أن تشن حربها علي العراق كانت هناك دعوة قوية في داخل الولايات المتحدة وفي أوروبا تطالب بضرورة أن تحصل الولايات المتحدة علي قرار بالحرب من مجلس الأمن ولكن الولايات المتحدة رفضت ذلك وأعلنت أن نظام صدام حسين يمثل خطرا علي الأمن العالمي بما يملكه من أسلحة الدمار الشامل وبالتالي لم تنتظر الولايات المتحدة حتي تتخذ المنظمة الدولية قرارها، ووضعت بذلك الأمم المتحدة في موقف حرج وقوضت من نفوذها. ولم تحصل الولايات المتحدة علي دعم قوي إلا من الدول التي لها مصالح خاصة معها أو تريد أن تنشيء مصالح معها ومن هذه الدول بريطانيا واسبانيا واستراليا.

والسؤال هو كيف استطاعت هذه الدول وهي ديمقراطيات عريقة أن تجيز قرارا بالحرب هو مصدر كثير من الشكوك في الوقت الحاضر؟ هذا هو السؤال الذي يبحث له عن إجابة والتي سنحاولها.

الحقيقة هي أن حرب العراق كشفت كثيرا من نواحي الضعف في ما يسمي بالديمقراطية الغربية، ذلك أنه علي الرغم من قيم الحرية والشعارات التي يرفعها العالم الغربي فإن هناك كثيرا من جوانب الضعف في النظام الغربي تجعل أداء الديمقراطيات الغربية موضع شك. فمن ناحية نجد أن النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة يعتمد أساسا علي الإدارة التي يشكلها الرئيس وهي إدارة غير منتخبة ولكنها تحصل علي موافقة الكونغرس ويعرف خبراء الفقه الدستوري أن معظم المتنفذين في الحكم هم رجال الرئيس من الذين ساندوه في حملته الانتخابية أو من أصحاب الشركات الكبيرة الذين قدموا دعمهم خلال الحملة الانتخابية وبالتالي فإن أمثال هؤلاء الرجال لهم دون شك أهدافهم الخاصة ويصبح هؤلاء في منتهي الخطورة عندما تكون المجموعة التي تلتف حول الرئيس ذات أجندة سياسية سرية كما هو الحال الآن بكون معظم الملتفين حول الرئيس الأمريكي من الذين لهم مصلحة خاصة في دعم إسرائيل وبالتالي فهم علي استعداد للتضحية بمصالح الولايات المتحدة ذاتها إذا كان ذلك يخدم مصالح إسرائيل وفي ذلك تكمن خطورة الوضع كله. ونستطيع أن نلمح حقيقة ذلك بعد حرب العراق في توجيه الولايات المتحدة حملتها ضد كوريا وإيران وسورية والذي يجمع هذه الدول جميعها هو أنها تقوم بنشاطات تصب في غير صالح إسرائيل، فمن ناحية تقوم كوريا بتصنيع تقنية عالية وتصديرها إلي الشرق الأوسط كما هو شأن شهاب ثلاثة وأما إيران فإنها متهمة بأن لها برنامجا نوويا وهي حليف لسورية التي يري الأمريكيون أنها لم تقدم تنازلات كافية بحيث يمكن اعتبارها واحدة من دول الاعتدال في المنطقة. وأما بالنسبة لبريطانيا فإن الوضع يختلف كثيرا. إذ ربما كانت الضغوط من قبل مراكز القوي علي الحكومة أخف وطأة، وربما كانت الإدارة في معظمها من المنتخبين انتخابا مباشرا من الشعب البريطاني، ولكن ذلك لا يعني أن الديمقراطية هنا في أزهي صورها ذلك أن النظام القائم في بريطانيا يعطي قيمة كبري للأحزاب إذ لا يمتلك النائب في النهاية قرار نفسه وإلا أعتبر مارقا أو متمردا فهو بحاجة لان يعمل بروح الفريق. ولا شك أن الديمقراطية البريطانية تعمل في معظم الأحوال بأسلوب جيد عندما تكون الفروق بين الأحزاب متقاربة ولكن عندما يفوز حزب واحد لأسباب خاصة بالأغلبية المطلقة تنشأ المشكلة وهذا هو الوضع السائد الآن بحيث نري أن سلطة حزب العمال أقرب إلي الدكتاتورية منها إلي الديمقراطية بسبب أغلبيته التي تقترب من مئة وخمسين عضوا.

وبصرف النظر عن كل ذلك فإن السؤال المهم هو كيف تستطيع الإدارة في العالم الغربي أن تقوم بدورها كاملا حتي لو كانت المعلومات التي تدلي بها مضللة أو غير صحيحة كما يثار الآن في الولايات المتحدة وبريطانيا بشأن أسباب الحرب مع العراق؟

والإجابة هي أن هناك قدرا من الثقة في المعلومات التي تدلي بها الحكومة ولا يستطيع المشرعون تعطيل أعمال الحكومة في وقت الأزمات ولكن هناك بكل تأكيد وقت للمحاسبة. ذلك أن الحكومتين البريطانية والأمريكية أعلنتا أنهما تشنان الحرب علي العراق بسبب امتلاكه أسلحة دمار شامل وأنه حاول أن يشتري يورانيوم من النيجر. حسنا ذلك سبب الحرب الذي جعل المشرعين يوافقون عليها ولكن بعد الحرب هناك سؤال آخر وهو هل وجدتم أسلحة الدمار الشامل ؟

هذا السؤال أثير بالفعل وكانت الإجابة بالنفي، لم نجد أسلحة الدمار الشامل ولا بد أن صدام تصرف فيها قبل الحرب أو نقلها إلي بلد آخر، وبكل تأكيد فإن هذا المنطق لن ينطلي علي أحد وهنا يكمن المأزق خاصة عندما ظهرت تصريحات مضادة بعد أن أعلنت المخابرات المركزية شكوكها في محاولة العراق شراء يورانيوم من النيجر وكذلك عندما أعلنت ألبي بي سي أن مصدرا موثوقا أخبرها أن تقرير توني بلير أشتمل علي معلومات غير دقيقة وأنه حدث تدخل فيه لتبرير دعوي الحرب. ومع تفجر هذه القضية رأينا النظامين يحاولان مواجهة الموقف يما هو متاح لهم، ففي الولايات المتحدة سحب رئيس المخابرات المركزية تصريحاته وبذلك تمت التسوية بينه وبين الإدارة، ولكن الموقف يختلف في بريطانيا إذ لا يستطيع رئيس الوزراء أن يتجاوز الأمور علي هذا النحو خاصة مع هيئة إعلامية محترمة مثل ألبي بي سي التي رفضت أول الأمر إعلان مصدرها ولكن مع وفاة ديفيد كيلي اضطرت للإعلان عنه ودافعت عن أن المصدر قد يكون وحيدا إذا كان علي درجة عالية من الأهمية، ولكن الغريب أن معظم الصحف البريطانية في نهاية الأسبوع توقفت عن نقد الحكومة وركزت هجومها علي ألبي بي سي وفي ذلك حرف للقضية الأساسية التي هي ليست المسؤولية عن مقتل كيلي بل ما إذا كانت الحرب شنت بطريقة مشروعة ونعرف أن الشعب في بريطانيا والولايات المتحدة هو الذي يقرر في نهاية الأمر عن طريق صناديق الاقتراع كما حدث مع الرئيس جورج بوش الأب الذي لم يشفع له انتصاره في الكويت ولكن السؤال الذي سيظل مستمرا هو هل تظل الديمقراطية الغربية تمارس هذا النوع من السلوك لمجرد أن هناك لحظة مستقبلية للمحاسبة؟ ذلك هو السؤال الذي يرتسم في عقول معظم السياسيين في مختلف دول العالم التي تطالبها الولايات المتحدة بممارسة الشفافية والديمقراطية وهو الأمر الذي تجد الولايات المتحدة نفسها صعوبة في ممارسته.