موقف القانون الدولي من قيام حكومة في العراق
المحتل:
بقلم : د. عزيز القاضي
اثار موضوع اقامة حكومة في العراق المحتل ولا
زال، ردود فعل وطنية وعربية ودولية، وتساؤلات مشروعة، عما اذا كان النظام القانوني
للاحتلال يأذن بتدبير كهذا، وما اذا كان ظهور حكومة علي هذا النحو يعد ظهورا
شرعيا. وتحاول هذه السطور ان تجيب علي تلك التساؤلات، بالتعريف بالاحتلال وطبيعته
القانونية، ومدي شرعيته في الدائرة المعاصرة للقانون الدولي، وان تبسط الشروط
اللازمة لظهور الحكومات علي نحو يستوي والاحكام القانونية التي تقضي بوجوب تمثيل
الحكومات لشعوبها تمثيلا حقيقيا يؤهلها للاعتراف بها من قبل الجماعة الدولية.
ما هية الاحتلال وطبيعته القانونية. ويقصد
بالاحتلال في نطاق القانون الدولي التقليدي، تمكن قوات محاربة من دخول اقليم محارب
آخر في نزاع مسلح، والسيطرة عليه بالفعل، كليا او جزئيا. ويترتب علي الاحتلال ـ
بالضرورة وقف ممارسة حكومة اقاليم المحتل سيادتها مؤقتا، دون ان تنتقل هذه السيادة
الي الدولة التي تضطلع بالاحتلال. وقد اقتضي هذا التوقف المقترن بعدم الانتقال،
اناطة مهمات مؤقتة بقوات الاحتلال، وتزويدها بالسلطات اللازمة لادائها وتكفلت
ببيان ذلك المواد (27 ـ 34 و47 ـ 78) من لائحة جنيف، والمواد (42 ـ 56) من لائحة
لاهاي اللتين بسطتا الاحكام المتعلقة بمسؤولية الاحتلال عن ضمان الامن في الاقليم
المحتل، وحماية ارواح الناس ومعتقداتهم وممتلكاتهم، واطراد سير الادارة، وعدم
التصدي للبنية الدستورية للاقليم، او التعرض ـ كقاعدة عامة ـ لتشريعاته، او لاعمال
السلطات القضائية.. الخ كما استقر العمل علي ادانة كل تصرفات الاحتلال التي تنبو
عن هذه القواعد، وعلي الزام دولة الاحتلال بالتعويض عنها في حالة وقوعها.
والاحتلال بالوصف المتقدم هو جزء من التنظيم
القانوني الدولي للحرب، الذي قام ابتداء علي مبدأ مشروعية شن الحروب لتسوية
المنازعات الدولية، تأسيسا علي نظرية السيادة المطلقة، التي اصابت انتشارا في
القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين، وازدهرت في المانيا القيصرية، لتبلغ
ذروتها علي يد (النازيين) اخيرا. وقد استخدمت هذه النظرية عبر التاريخ لتبرير
السياسات الاستعمارية وقهر الشعوب.
علي ان الطابع الوحشي للحروب، المنفلت من كل
قيد، وما عانته البشرية من الام تجل عن الوصف، حمل كل المؤمنين بكرامة الانسان
وحقه في حياة حرة آمنة، علي العمل لتقييد حرية الدول في الحروب. فصدر ميثاق الامم
المتحدة، متضمنا تحريم الحرب العدوانية لأول مرة، ولم يقف عند حدود ذلك وانما حرم
ايضا التهديد باستعمال القوة او استخدامها ضد سلامة الاراضي والاستقلال السياسي
لاية دولة. كما الزم الدول بفض منازعاتها بالوسائل السلمية، ودعم هذا وذاك، باقرار
مبدأ المساواة في السيادة بين جميع اعضاء الامم المتحدة. وهكذا اصبح مبدأ حضر
استخدام القوة او التهديد بها مبدأ صريحا محددا من مبادئ القانون الدولي. واوضحت
هذا المبدأ موضع التنفيذ، اقام الميثاق نظاما للامن الجماعي، اناط بموجبه بالمنظمة
الدولية مهمة الحفاظ علي السلم والامن الدولي،. واوكل لمجلس الامن سلطة تنظيم
اجراءات منع العدوان، ووضع حد له بعمل مشترك تساهم فيه الجماعة الدولية ضد
المعتدي. وبذلك نبذ القانون الدولي المعاصر كل صور استخدام القوة، ولم يعد لاية
دولة التوسل بها الا في حالة الدفاع الشرعي متي تعرضت لاعتداء مسلح، ولحين اتخاذ
مجلس الامن التدابير اللازمة لحفظ السلم والامن الدوليين (مادة 51) ولم يعد استعمال
القوة نفسه مأذونا به الا في حالة اجراءات القسر التي يتخذها مجلس الامن.
ولما كانت القواعد القانونية التي تحكم
الاحتلال جزءا من التنظيم الدولي لقانون الحرب، فقد ترتب علي عدم مشروعية الحرب
العدوانية ان فقد الاحتلال مشروعيته بالضرورة، بوصفه صفحة من صفحاتها، واصبح بذلك
يمثل اخطر انتهاك للقانون الدولي، موجب للمسؤولية الدولية التي تتحملها الدولة،
والمسؤولية الجنائية التي يتحملها الافراد المتهمون بارتكاب جرائم الحرب. ولم تعد
هذه المسؤولية متوقفة علي نتائج النزاع كما كان الحال في ظل قاعدة مشروعية الحرب
وما انطوت عليه من اقرار (حقوق المنتصر)، وانما اصبحت تترتب علي المبادرة للعدوان
بصرف النظر عن نتائج النزاع. ومن هنا لم يعد المعتدي طرفا في نزاع مسلح فحسب،
وانما اصبح مذنبا بالمبادرة لخرق القانون، مما يحول دون نشوء اية حقوق في صالحه.
الاحتلال وادارة العراق: وقد سلكت قوات
الاحتلال عبر التاريخ سبلا شتي لبسط سلطانها علي الاقاليم المحتلة، اتسمت رغم
تباينها بتجاوزها للنظام القانوني للاحتلال نفسه بشكل عام وكان طبيعيا ان يتوسل
الاحتلال في العراق، بهذا الاسلوب او ذاك لمواجهة الاوضاع الناجمة عن سقوط النظام
وما القاه من التزامات عليه. ويشير استقراء الوقائع الي ان الاحتلال كان قد تخبط
في هذا الصدد، فاختار قبل صدور قرار مجلس الامن 1483 (2003) في 22/5/2003 سبيلا،
لم يلبث ان تحول عنه بصدور القرار المذكور.
المرحلة السابقة علي صدور قرار مجس الامن:
وقد اختار الاحتلال في هذه الفترة ان يقيم حكومة بنفوذه، جريا علي سنة الاحتلال،
كما فعلت اليابان عام 1932 في (منشوكيو) علي الرغم من ان جمعية عصبة الامم رفضت
هذه الحكومة ودعت اعضائها لعدم الاعتراف بها او كما فعلت المانيا في الحرب
العالمية الثانية في الدنمارك، واستقر العمل والفقه علي تجريدها من الشرعية لكن
الاحتلال في العراق عمد لتبني هذا الطريق وسعي لادراكه بوسائل شتي اهمها التشبث
بسطوة الاحتلال، وتفاقم الاوضاع، ثم احكام عزلة العراق.
التشبث بسطوة الاحتلال: من الثابت ان سقوط
الحكومة العراقية الفعلي، وزوال مظاهر سيطرتها علي الاقليم، كان قد رافقه بسط قوات
الاحتلال سيطرتها الفعالة علي الارض مقترنا بقدرتها علي تنفيذ قراراتها، ولا نزاع
ان توفر هذه المعطيات كفيل بتقرير مسؤولية الاحتلال كاملة، اعتبارا من التاريخ
المذكور غير ان الاحتلال عمد بقصد التنصل من مسؤولياته هذه واطالة وجوده لسلسلة من
المناورات، استهلت بتصريح رئيس الولايات المتحدة الامريكية في 1/5/2003 الذي انهي
به العمليات العسكرية (الرئيسية)، بصيغة استهدفت تعليق الاوضاع وابقاء الخيارات
كليا بيد قوي الاحتلال. ثم اعقبه تصريحه يوم 8/5/2003، الذي تضمن الاعتراف
بالمسؤولية كقوة احتلال ولكن في اطار محدود.
والنظرة المحققة لصيغة التصريحين وما انطويا
عليه من تحفظات وقيود، تكشف عن هدفهما في عدم اعلان انهاء حالة الحرب قانونا، وعدم
الاعتراف بالمسؤولية الشاملة لقوة الاحتلال. وقد اريد بهذه الصيغ المنتقاة تغييب
مسؤولية الاحتلال الشاملة من ناحية، واضفاء طابع الشرعية علي استمرار وجوده من
ناحية اخري.
تفاقم الاوضاع، وبتقليص الاحتلال لمسؤولياته،
اصبح تفاقم الاوضاع الداخلية يشكل عاملا مساعدا له، يتوصل به كاداة ضغط فعاله
للتعجيل باقامة حكومة وفق ارادته، والملاحظ ان الاوضاع الامنية والانسانية لم تحرز
تقدما بعد صدور الاعتراف لقوات الاحتلال بصفتها تلك ، ان لم تكن قد ازدادت تفاقما،
رغم ما قد يرتبه ذلك من تبعات قبلها، الامر الذي لا يمكن تفسيره، الا بحقيقة انها
تقبلت عن رضا مسؤولياتها المادية المتواضعة بالتعويض، بأمل ان يحصل ضغط تفاقم
الاوضاع، شعب العراق علي تلمس الخلاص ولو بحكومة تقام بتدخل الاحتلال.
احكام عزلة العراق: وقد حرص الاحتلال علي
اتخاذ خطوات متعاقبة محسوبة لاحكام عزلة الشعب العراقي وقطع صلته بالعالم تلقيا
واداء وشمل ذلك سبل الاتصال المعتادة ووسائل الانتقال الحدود وطال حتي المساعدات
الانسانية ثم حال بينه وبين اية قوة دولية تريد ممارسة حقها وواجبها قبل شعب يتعرض
لاقسي صور التدمير والهلاك، وتوج كل ذلك باقامة جدار بينه وبين الامم المتحدة لا
سبيل للنفاذ منه الا باذنه.
بيد ان اخفاق هذه الجهود قد لاحت دلالاته
متزامنة مع بدء جلسات مجلس الأمن لاصدار قراره، وهكذا تحولت قوات الاحتلال نحو
سبيل آخر شرعت بتنفيذه قبل صدور القرار وواصلته بعد صدوره وهو طريق الادارة
المباشرة.
المرحلة التالية لصدور قرار مجلس الأمن: وقد
بسط قرار مجلس الامن الاسس الجديدة لادارة العراق ورسم سبل تحقيق ذلك بتولي سلطات
الاحتلال للادارة المباشرة للاقليم، وتكوين ادارة عراقية مؤقتة بجانبها، لحين
اقامة حكومة ممثلة للشعب معترف بها دوليا، وطلب الي الامين العام للامم المتحدة
تعيين ممثل خاص في العراق، عهد اليه القرار بسلسلة من المهام، فيما يتعلق بموضوعات
تكليفه بالعمل بصورة مكثفة مع سلطة الاحتلال، ومع شعب العراق والجهات المعنية
الاخري، لتعزيز الجهود المبذولة لتيسير قيام حكومة عراقية ممثلة للشعب ومعترف بها
دوليا، وكذلك العمل مع الشعب العراقي لتكوين ادارة عراقية مؤقتة بوصفها ادارة
انتقالية يسيرها العراقيون حتي اقامة الشعب لحكومته، وبهذا وذلك يكون القرار قد
اقر ثلاثة صور للادارة، هي ادارة سلطة الاحتلال المباشر للاقليم، والادارة
العراقية المؤقتة معه، ثم الحكومة الشرعية التي تقام بارادة الشعب.
اقرار ادارة الاحتلال المباشرة للاقليم:
وبالاستناد لديباجة القرار فان مجلس الامن قد رسم كل من الولايات المتحدة
الامريكية، والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمي وايرلندا الشمالية، كدولتين قائمتين
بالاحتلال تحت قيادة موحدة اسماها السلطة ، وسلم لها بالصلاحيات والمسؤوليات
والالتزامات المحددة لها بموجب القانون الدولي بصفتها تلك، وطلب الي هذه السلطة
وغيرها لتقيد تقيدا تاما بالتزاماتها بموجب القانون الدولي بما في ذلك اتفاقيات
جنيف لعام 1949 وقواعد لاهاي عام 1907 بصفة خاصة.
وقد سبقت الاشارة الي طبيعة اختصاصات قوات
الاحتلال، كما سبق التنويه بحقيقة ان قوات الاحتلال في العراق، كانت قد زاولت
ادارتها المباشرة للاقليم قبل صدور قرار مجلس الامن، وواصلت ذلك بعد صدوره، وقد
اصدر ممثلو الاحتلال في العراق في غضون ذلك قرارات بالغة الاثر في حياة ومستقبل
الاقليم.
وغني عن البيان ان قرار مجلس الامن بتسليمه
للدولتين بصفة الاحتلال لم يغير شيئا عن طبيعة صلاحياتهما كدولتين محتلتين طبقا
للنظام القانوني للاحتلال المقرر في دائرة القانون الدولي التقليدي، بصلاحياته
ومسؤولياته والتزاماته، القائمة اساسا علي اضطلاع قوات الاحتلال العسكري بادارة
الاقليم بشكل مؤقت كامر واقع متولد عن استعمال القوة وذلك عن طريق اصدار قرارات
ذات طبيعة ادارية لا تطال اختصاصات السيادة.
ولا نزاع ان القرار لم يغير شيئا من هذا
الطابع ولم يرخص علي ـ وجه الخصوص ـ بسلطات الاحتلال قبل تجاوز اطار الادارة
المنوه عنها، باقامة ادارة مدنية، كما حاولت ذلك قوات الاحتلال في البدء واخفقت،
علي ما بيناه، وهو ما تعمد عادة قوات الاحتلال اليه كلما وجدت سبيلا لذلك،
باعتباره يخفف من ثقل الطابع العسكري للادارة، ويجنح اليه الاحتلال حين يريد ان
يطيل بقاءه، وجدير بالذكر ان القضاء والعمل الدولي قد درجا علي تقرير عدم شرعية
الادارة المدنية التي تقام بجانب الادارة العسكرية لقوات الاحتلال، وعلي اعتبار
القرارات الصادرة عنها صادرة عن السلطة المحتلة نفسها، وذلك في العديد من الدول
التي تعرضت للغزو ابان الحرب العالمية الثانية والتي اقامت فيها سلطات الاحتلال
ادارات مدنية.
والاطار الذي وضعه قرار مجلس الامن للادارة
المباشرة لسلطة الاحتلال، هو في الواقع ادني لاحكام قوانين الحرب المعمول بها في
دولتي الاحتلال، حقيقة ان القرار صدر بمبادرة منهما، وان سلطة الاحتلال سلم بها
مجلس الامن الدول بناء علي رسالتهما المؤرخة في 8/5/2003 كما اشارت لذلك ديباجة
القرار.
ومهما يكن فان الولايات المتحدة الامريكية
تعرف الادارة العسكرية بموجب الفقرة 362 من قوانين الحرب الصادرة عام 1956، بانها
الوسيلة التي تعمد اليها السلطة المحتلة في ممارسة سلطاتها علي الاقليم المحتل
مواجهة للضرورة الناتجة عن غياب الحكومة او عجزها.
اما قوانين الحرب البريطانية فانها تمنع
سلطات الاحتلال من ادارة الاقليم بواسطة حكومة دمية PUPPET، كما تمنعها من اقامة ادارة مدنية
والعلة في كل ذلك تكمن في حقيقة ان تشكيل الحكومات والادارات المدنية، لا يجوز
صدوره الا عن سلطة تملك اختصاصات السيادة، والاحتلال بالطبع لا يملك ذلك، وعلي اية
حال فان المادة 510 من قانون الحرب الانكليزي صريحة في النص علي بقاء السيادة
للحكومة الشرعية وعدم ايلولتها الي الدولة المحتلة، كما ان المادة 511 من نفس
القوانين تحظر علي قوات الاحتلال تغيير هيكلة الحكومة والغاء الدستور.
ويتضح من كل ما تقدم ان قرار مجلس الامن قد
رسم صلاحيات ومسؤوليات والتزامات سلطة الاحتلال، استنادا لاحكام القانون الدولي
والاتفاقيات ذات الصلة، وهي طبقا لذلك، ذات طبيعة ادارية مؤقتة بعيدة عن اختصاصات
السيادة، ونظرا لقصور هذه الصلاحيات عن الوفاء بعموم حاجات الشعب من ناحية، ومن
اجل ان يطرد سير الحياة العادية، ويدرك الشعب العراقي اقامة حكومته الشرعية من
ناحية اخري، فان قرار مجلس الامن ايد قيام الشعب العراقي بتكوين ادارة مؤقتة، تنهض
جنبا الي جنب مع (سلطة) الاحتلال.
الادارة العراقية المؤقتة: ومثلما سلم قرار
مجلس الامن في ديباجته (سلطة) القيادة الموحدة للولايات المتحدة الامريكية
والمملكة المتحدة، بالصلاحيات والمسؤوليات والالتزامات المقررة عليها في القانون
الدولي والاتفاقيات الاخري، بصفتهما دولتي احتلال، فانه قد ايد في الفقرة 9 منه،
قيام شعب العراق بتكوين ادارة عراقية مؤقتة، بوصفها ادارة انتقالية يسيرها
العراقيون حتي الوقت الذي يقيم فيه شعب العراق حكومته الشرعية. وبهذا النص ونصوص
اخري سيأتي بيانها، وضع القرار المذكور اسس تكوين هذه الادارة العراقية المؤقتة
علي النحو التالي:
الشعب العراقي هو مصدر هذه (الادارة): ويتضح
هذا جليا من حقيقة ان القرار وصف هذه الادارة بأنها ادارة عراقية واوكل الي شعب
العراق امر تشكيلها حصرا، كما انه نص صراحة علي ان الذي يشكل هذه الادارة المؤقت
هم العراقيون ، وبكل ذلك يكون قرار مجلس الامن قد اكد استقلال هذه الادارة عن سلطة
الاحتلال، وعن الممثل الخاص للامين العام للامم المتحدة، وحدد علاقتها بهاتين
الجهتين، بالترخيص لها بطلب مساعدة (سلطة الاحتلال)، وبالتعاون مع الممثل الخاص
لتحقيق اهدافها، وغني عن البيان ان طلب المساعدة هذا موكول لتقدير الادارة
العراقية نفسها.
(الادارة العراقية المؤقتة) (وسلطة) الاحتلال
جهتان متقابلتان: ومثلما جعل قرار مجلس الامن من (الادارة العراقية المؤقتة) هيئة
مستقلة في الفقرة (9) فانه قد رسخ طابعها المستقل هذا بما اورده في الفقرة (13)
منه، حيث الزم (سلطة) الاحتلال، بوجوب مشاورة هذه الادارة عند صرف اية اموال من
(صندوق التنيمة) العراقي، واكد ذلك الاستقلال ايضا بما اورده في (الفقرة 16، ب،
هـ، و)، وفي فقرات اخري سيأتي بيانها.
عدم التدخل بين (الادارة العراقية المؤقتة)
و(السلطة) المحتلة: ولما كانت (الادارة العراقية المؤقتة) متولدة عن ارادة الشعب،
وتنهض علي التعبير عن مشيئته، في مقابل (السلطة) المعبرة عن ارادة الاحتلال، فانه
يجب الفصل كليا بين اختصاصات الجهتين وعدم السماح بتداخلهما بأي حال، وعدم الترخيص
باقامة أي تنظيم أو مشاركة، تنطوي علي تغييب الطابع المستقل للادارة العراقية
المؤقتة، تحت أي ظرف. وكل ذلك يقتضيه التطبيق السليم لقرار مجلس الأمن، الذي
استهدف استقلال هاتين الجهتين عن بعضهما بما اولاه لكل منهما من صلاحيات، وما
ألقاه علي كل منهما من التزامات، طبقا لقواعد القانون الدولي والاتفاقيات ذات
الصلة، وتطبيقا لمبادئ ميثاق الامم المتحدة التي صدر قرار مجلس الأمن منه مفسرا
لها.
اختصاصات (الادارة) العراقية واختصاصات
(سلطة) الاحتلال: ولما كان القرار قد حدد في ديباجته صلاحيات ومسؤوليات والتزامات
(سلطة) الاحتلال، طبقا لما هو مقرر في القانون الدولي، والزمها بوجوب التقيد التام
بها، وباتفاقيات جنيف لعام 1949 وقواعد لاهاي لعام 1907 علي وجه الخصوص، فانه يكون
قد اورد بذلك وعلي سبيل الحصر كل تلك الصلاحيات والمسؤوليات والالتزامات، تحديدا
وتقييدا، بحيث يمتنع علي (سلطة) الاحتلال، ان تتجاوزها بأي حال.
ولما كانت حكومات الاقاليم المحتلة في حال
وجودها تتوفر عادة علي ممارسة سلطاتها الاعتيادية، باستثناء تلك الموكلة لقوات
الاحتلال، فان غياب الحكومة العراقية كليا، يقتضي بالضرورة (حلول) الادارة
العراقية المؤقتة محل الحكومة العراقية الغائبة في ممارسة اختصاصاتها، باعتبار هذه
الادارة هي الهيئة الوحيدة المنبثقة عن ارادة الشعب العراقي تنفيذا لقرار شرعي
يعبر عن مشيئة دولية، وهو قرار مجلس الامن، ولأن هذه الاختصاصات اعظم خطرا علي
مستقبل الشعب والاقليم من ان تترك سدي في ظل غياب الحكومة، واستحالة ممارستها من
قبل (سلطة) الاحتلال، لوقوعها وراء ولايتها المحددة حصرا.
العمل علي قيام حكومة ممثلة للشعب: واضافة
لمزاولة (الادارة العراقية المؤقتة) للاختصاصات المتقدمة، فان (الفقرة 8/ة) من
قرار مجلس الامن طلبت الي (الممثل الخاص) للامين العام للامم المتحدة ان يعمل
بصورة (مكثفة) مع (سلطة) الاحتلال، ومع (شعب العراق) والجهات المعنية علي تيسير
العملية التي تفضي الي قيام حكومة عراقية ممثلة للشعب معترف بها دوليا.
وهذه المهمة لا مندوحة من ان تتولاها
(الادارة العراقية المؤقتة) نيابة عن (شعب العراق)، باعتبارها هيئة التمثيل
الجماعي الوحيدة القائمة علي اقليمية باسمه والمنبثقة عن ارادته. وترتيبا علي ذلك
فان هذه (الادارة العراقية المؤقتة) هي التي تتولي امر اعداد مسودة الدستور وكل
التشريعات التي تتصف بالديمومة، بينما تلك المتعلقة بالوضع الدستوري للاقليم وقوانين
الانتخابات والحريات العامة، باعتبار ان كل ذلك أمر لازم لتمكين الشعب من اقامة
حكومته الشرعية، التي توخاها القرار، وباعتبار ان الادارة العراقية المؤقتة هي
الجهة الوحيدة المؤهلة لذلك قانونا، انطلاقا من مبدأ سيادة الشعب، ومن حقيقة ان
(سلطة) الاحتلال قائمة علي الاقليم كأمر واقع علي سبيل التوقيت، يمتنع عليها
مزاولة أي من اختصاصات السيادة التي يعتبر الدستور موئلها.
السبيل الي حكومة ممثلة للشعب معترف بها
دوليا: وقد تضمنت ديباجة قرار مجلس الأمن التأكيد علي سيادة العراق وسلامته
الاقليمية، وحق الشعب العراقي في تحديد مستقبله السياسي بحرية، والسيطرة علي
موارده الطبيعية، وتمكينه من ذلك في (اقرب وقت ممكن)، بتقريب اليوم الذي يحكم فيه
العراقيون انفسهم علي وجه السرعة. كما ان القرار وفي سبيل ادراك ذلك، الزم (سلطة)
الاحتلال، ان تعمل طبقا لميثاق الامم المتحدة والقوانين الدولية الاخري ذات الصلة،
علي توفير الظروف التي تمكن الشعب العراقي ان يقرر بحرية مستقبله السياسي (فقرة 4
من القرار). كما طلب الي الامين العام للامم المتحدة تعيين ممثل خاص للعمل بصورة
(مكثفة) مع (سلطة الاحتلال) ومع (شعب العراق) والجهات المعنية الاخري لاستعادة وانشاء
مؤسساته الوطنية والمحلية اللازمة للحكم الممثل للشعب، بما في ذلك العمل الجماعي
من اجل (تيسير) العملية التي تفضي الي قيام حكومة عراقية ممثلة للشعب معترف بها
دوليا، (فقرة 8/ة)، واعاد التأكيد علي اهمية انشاء هذه الحكومة مرة اخري في الفقرة
(22) ونوه بأهمية هذا الامر في مواضع اخري.
وغني عن البيان ان كل ما ورد في قرار مجلس
الامن في صدد انشاء حكومة علي هذا النحو، ليس سوي تسليم بحق الشعب العراقي الازلي،
في تقرير مصيره، وقرار مجلس الامن ليس منشأ لهذا الحق، وانما هو كاشف عنه، والذي
يمكن تقريره باطمئنان هو ان القرار الزم (سلطة) الاحتلال بتوفير شروط ادراك هذه
الغاية، وأكد بشكل حاسم وجوب التصدي لها علي وجه السرعة وفي اقرب وقت ممكن، كما
انه قد الزم (سلطة) الاحتلال بتوفير الظروف التي تمكن الشعب من تحقيق ذلك بحرية،
ولم يترك تقدير ذلك لمحض مشيئتها، وانما اوكل الي ممثل الامين العام ان يعمل بصورة
(مكثفة) مع (سلطة الاحتلال) ومع (شعب العراق) والجهات الاخري لادراك ذلك.
ومهما يكن من امر، فان حق الشعب العراقي في
اقامة حكومته ـ كأي شعب واقع تحت الاحتلال ـ ليس متولدا عن حقه غير المنازع في
تقرير مصيره، وواجبه المقدس في الدفاع عن نفسه فحسب، وانما هو ناجم عن عجز قوات
الاحتلال عن الوفاء بمتطلبات احتياجاته في التطور وتحقيق امانيه في الحرية
والاستقلال. ذلك ان هذه القوات تستند في وجودها للأمر الواقع لا القانون، وسلطاتها
لادارة الاقليم ذات طبيعة مؤقتة تمليها الضرورة القصوي لحفظ الأمن والنظام، وتنفذ
بأوامر ادارية لا يجوز لها ان تطال اختصاصات السيادة. وكل ذلك يجعل سلطة الاحتلال
قاصرة عن الوفاء بعموم حاجات الشعب الكبري وادارة مرافقه العامة ومنشآته وضمان
تقدمه، خصوصا في بلد اقام دولته وقامت مؤسساته منذ عهد عصبة الامم.
والشعب العراقي يري حقه في اقامة حكومته هذه
تفريعا علي حقه غير المنازع في تقرير مصيره الذي جلاه ميثاق الامم المتحدة
والميثاق نفسه لم يبتدع هذا الحق وانما هو قد رسخ وجوده الذي ولده الاعتراف العام
بعدالة حروب التحرير التي خاضتها الشعوب قديما، وفي مقدمتها حروب تحرير امريكا
الشمالية نفسها عام 1759 ـ 1813 تقريرا لمصيرها.
والشعب العراقي يعني ان اضفاء طابع الشرعية
علي أية حكومة، هو رهن بارادته الحرة وحده، لا بسلطة الاحتلال، سيان توسل الاحتلال
بحكومة صنيعة له، أو أقام ادارة مدنية أو غير هذا وذاك. وان اختيار الشعب لحكومته
بارادته الحرة، هو وحده الذي يؤهلها للاعتراف بها دوليا، ويوفر احترام الجماعة
الدولية لها. وان اول ما يقتضيه ذلك هو تقويض الجدار الذي اقامه الاحتلال بينه
وبين الامم المتحدة والكف عن وضع العراقيل في طريق المنظمة الدولية وتمكينها من
تهيئة الاسباب، واتخاذ التدابير الضرورية لتيسير اختيار الشعب العراقي حكومته،
بوصف هذه المنظمة جهة مستقلة، حري ان يفزع اليها، بحكم اهليتها وجدارتها التاريخية
بذلك ومحاولة الانتقاص من دور هذه المنظمة في هذا الصدد أو الميل عنه، أو اضعافه
والافتئات عليه، ليس في حقيقته سوي مدخل للعبث بارادة الشعب، تسقط به كل مزاعم
الحرص المدعاة علي اقامة حكومة وفق مشيئته.
واخيرا فان الشعب العراقي يدرك ان تصديه
لاقامة حكومته، هو حق له وحده، مثلما هو واجب عليه، يمضي اليه بمطلق ارادته، متي
وكيفما يريد دون استئذان أو مشاركة احد، ويعلم ايضا ان العديد من دول العالم ولدت
من رحم الكفاح ضد الاحتلال، الذي يتاح دفعه استنادا لحق الشعب المقدس في الدفاع عن
النفس، والحق الأزلي في تقرير المصير، وهو حق يثبت لكل شعب، يدركه بالتفاوض وبكل
الوسائل التي تتيحها الشرعة الدولية، والشعب العراقي، عرف الاحتلال من قبل، ودماء
آبائه علي قارعة الطريق بالأمس هي زيت مشاعل دلالته علي الجادة اليوم.