مايك تنبه إنها بغداد
نعم إنها بغداد ومن ورائها عراق، ليست هوليود
كما تظن، "سنرد عليهم بقسوة" هكذا أبلغت المراسلين الذين تجمعوا حولك
لتخبرهم عما جري لك ولفرقتك "من الأميركيين الشجعان" عندما هاجمكم
"مجهولون" ربما كانوا "من أعوان النظام السابق وفدائيي صدام"
وربما كانوا "متطوعين عرب" وربما كانوا عراقيين استفزهم وجودكم فقرروا
التخفيف من حنقهم وأعدادكم فوق أرضهم.
"سنرد عليهم بقسوة" هكذا قلت.
قبلك بساعات طالب "مستر بريزيدنت"
المقاومة العراقية بضربكم بالأحري تحداها لأنه صرخ فورا أن لديكم من القوة ما
يمكنكم من سحق أي تمرد، تماما كما في أفلام روكي حين كان يصرخ سيلفستر ستالوني في
وجه متحديه الأسود مرارا والروسي مرة "هيت مي .. كمون هيت مي" (إضربني
.. هيا اضربني) قبل أن يكيل له اللكمات ليطيح به أرضا.
سيد البيت الأبيض أكد أنكم لن تنسحبوا، مكررا
ما قاله الصديق الصدوق البريطاني جاك سترو حين أبلغ مرافقيه في طائرة أقلته
"للأرض الجديدة" أن العراقيين "لا يعرفون طريقتنا في القتال، إننا
لا ننسحب".
في أرض أحلامكم لا تحبون التاريخ كثيرا،
لكنكم وتلك مفارقة تعشقون القانون، وتفاصيله، تحبون مداخله ومخارجه وكلما غرقتم
فيه أكثر كلما شعرتم بالنشوة، فلنعد للتاريخ فالقانون ليس سوي قيد لكن التاريخ
ميدان للتحليق، وأنتم تحبون التحليق خاصة حين تقصفون، أذكر مرة أن أحد جنودكم كان
حزينا لأنه يقصف العراقيين عن بعد ثم أردف "إنه شعور ممتع أن تري الانفجارات
علي الأرض بعد أن تؤدي عملك"!
هكذا قال للصحافيين.
التاريخ يقول أن بين القوة والقسوة أكثر من
تلاعب لفظي أو حرف زائد، القسوة هي انفلات للقوة من عقالها، وهي استخدام مفرط
وجائر، صحيح أنها سلوك أبطال الكاوبوي والمغامرات منذ جون واين وحتي أرنولد
شوارزنيجر مرورا بسلسلة طويلة من أبطال هوليود، لكن الحياة علي الأرض مختلفة عما
اعتدت مشاهدته منذ صغرك في التلفزيون ودور السينما.
في الحياة لا تسير الأحداث كما في السينما،
البطل لا يخرج سالما علي الدوام، والعربي ليس مجرد كيس منتفخ الأوداج يجري وراء
الشقراوات، وإلي جانبه مضخة بترول.
ربما كان العربي يثير في نفسك الاحتقار
والتثاؤب، فهو كما عرفته من خلال عيون هوليود متوحش بربري يجيد القتل - لا إنه لا
يجيد إلا قتل النساء والأطفال والمسنين فهو ليس أكثر من جبان عاجز حين يواجه البطل
الأبيض - وهو محب للهو كسول.
ربما ( الأفضل أن نقول هنا من المؤكد) أنك
ترانا هكذا لكن ذلك ليس مهما إلا من زاوية أن تلك الصورة ستجعلك أكثر شجاعة ورغبة
بالضغط علي الزناد حين تسدد بندقيتك نحونا. لكن ذلك أيضا ليس مهما قد جاء كثيرون
قبلك وغادروا، بعضهم غادر سريعا وبعضهم أبطأ في المسير وقسم ثالث وارته رمال صحارينا
إلي الأبد.
تستطيع أن تئن تحت وطأة الدروع التي ألقيت
علي جسدك لحمايتك، وأنت تتنقل في صيف العراق الحار، وتستطيع أن تحكي لأصدقائك عن
البطولات التي تجترحها مع رفاق سلاحك، وأن تختزن الكثير من الذكريات والصور لتسلي
رفيقاتك في الوطن حين تعود، أو تتلوها علي مسامع الأصدقاء مساء حول النار في مخيم
صيفي أو رحلة بين الأحراش.
تستطيع أيضا أن تجمع تذكارات وصور مع قتلاك
تروي بطولاتك، لا تنس أن تلتقط صورة فوق مدرعة محترقة، وأخري وراء رشاش ضخم، التقط
صورة وأنت تقفز من فوق صهوة الدبابة إلي الأرض ستعجب أصدقاءك هذه الصورة بلا شك
لأن فيها حركة وأنتم فيما نعلم تحبون الحركة.
تستطيع أن تفتش الشبان العراقيين والنساء
وتقتحم البيوت علي مرمي عدسات التصوير "الصديقة" حتي لا يساء فهم مقاصدك
"النبيلة"، تستطيع أيضا أن تطلق النار علي سيارة مارة لتبديد مللك وملل
زملائك في ساعات الليل، لا تخش شيئا فلن تلاحق قانونيا.
قل إنه حاول اختراق حاجز.
سيرد عليك قائدك: لكن يا مايك لم يكن هناك
حاجز في ذلك المكان.
كلا يا سيدي لقد أقمنا حاجزا مفاجئا هناك
لنفتش عن الأسلحة.
وتنتهي القصة بسهولة تماما كما انتهت حياة
ركاب تلك السيارة، أو قل إنهم أطلقوا النار علي وحدتكم فتعاملتم معهم وفق قواعد
إطلاق النار بالجيش.
قل أي شيء فأنت مصدق، ومحمي بموجب القوانين
الدولية أيضا من الملاحقة، ألم تسمع: لقد تم استثناؤك مع رفاقك من أي ملاحقات
دولية بقرار من مجلس الأمن.
تستطيع أن تفعل كل ذلك، وأكثر.
لكنك يا مايك لا تستطيع أن تضمن عودتك حيا،
لتتمتع بأيامك وذكرياتك. فأنت في العراق ولست في أحد أفلام هوليود.