القضية في العراق لا يمكن تسطيحها بشعارات
مطلبية من الاحتلال:
بقلم :حمدان حمدان
تعرضتُ لهجمات ساخرة وعلي جانب من اللؤم
باللسان والقلم، حين انصب غضب المؤمنين بالرأي الآخر! علي رأسي لانني توقعت في احد
مقالاتي السابقة وعقب نشوء ارهاصات المقاومة الوطنية العراقية المبكرة، اي بعد شهر
من سقوط بغداد الذي جعلوه عيدا وطنيا، توقعت ان ثمانين بالمئة من كامل القصف
الانكلو ـ امريكي علي العراق زهاء خمس وعشرين الف قذيفة وصاروخ ما بين المحرم
والمحلل! كلها قد انهالت بصورة خاصة فوق النطاقات الدفاعية حول بغداد وان الحرب
بالنسبة للقيادة العراقية يجب ان تنحو منحي آخر. فقد افترض المعارضون لنظام الرئيس
صدام الممتلؤون شغفا بايات الحقد والانتقام بان ما كتبته كان من قبيل (العمالة)
لنظام صدام، وانا لا اعرف عراقيا واحدا سوي المناضل في المنفي هو الآخر الأخ
الحميم عبد الجبار الكبيسي، وقد احببت من العراقيين وذلك علي السمع اوالقراءة
الدكتور الصلب الاستاذ ظافر العاني، خاصة في مقالته الاخيرة علي صفحات القدس
العربي (تفسير السقوط السريع لبغداد) وهل ينهض التمثال ثانية؟ فقد ألفيت نفسي
وكأنني انا الذي اكتب، او لعلي كنت قد كتبت شيئا مشابها من قبل.
علي ان اعجابي بالمناضلين الاخرين، الكبيسي
والعاني، لا يعترض سبيل حبي لتوأم شعبي الفلسطيني في العراق، فأنا احببت العراق،
كما احببت فلسطين ذلك ان صورة الشبه ظلت تتراءي في مخيلتي لا بدفع الشعور فحسب، بل
وبحكم المنطق ايضا فأعداء فلسطين هم انفسهم اعداء العراق ولا شك ان ذلك يؤدي مهما
كانت الالتفافات السياسية المتفذلكة بين منطقين تحرير ام احتلال، يؤدي الي ان
اعداء العرب وكل الاسلام الحقيقي هم اعداء للعراق وفلسطين.
ذلك هو جوهر الخطاب الذي يجب ان ينهض في
العراق اليوم، فالمسألة لا يمكن تسطيحها بشعارات مطلبية من الاحتلال، انها ليست في
تدبير الازمة المعيشية لثمانية وعشرين مليونا من شعب العراق، ففي امريكا نفسها ما
يربو علي عشرين مليونا من العاطلين عن العمل، والمسألة ليست في تدبر حياة نصف مليون
عراقي كان الجيش معاشهم ومعادهم، فالجيش العراقي حله المحتلون وبدلا عنه فانهم
يريدون تأسيس جيش سياحي يصلح لضبط الداخل ولا يصلح لمهمات الجيوش كما هو الحال في
كل اوطان العالم، والمسألة العراقية اليوم ليست في مجلس حكم انتقالي تكون باكورة
اعماله التليدة في قرارين عجيبين اعتبار تاريخ سقوط بغداد عيدا عراقيا وطنيا، ثم
وهذا عنوان القرار الثاني: انشاء محاكم لمحاكمة اعضاء النظام البعثي السابق،
والعمل علي استئصال شأفة البعث من الحياة السياسية في العراق وهو عنوان يصلح
لاستهلال الحياة الديمقراطية الرغيدة والسعيدة، منذ الخطوة الاولي علي طريق
البدايات. ليس في العراق الان، سوي شعار وطني واحد، مطالبة الاحتلال بالرحيل لا عن
طريق المقاومة الوطنية المسلحة فحسب، ولا عن طريق العصيانات والتمردات والمظاهرات
الشعبية فقط، بل وحتي عن طريق الاحاديث مع مراسلي الاذاعات والفضائيات وعن طريق
لصق البيانات المنددة بالاحتلال واسلوب الكتابة علي الجدران في المدينة والقرية
والشارع والزقاق والجامعة والمدرسة، بل وفي كل مكان عام، بما فيها وسائل المواصلات
علي صعيد المحافظة وما بين المحافظة والاخري.
فالاحتلال الانكلو ـ امريكي للعراق لم يكن
سقطة قيادات مريضة في واشنطن او لندن انه ليس هفوة او خريطة انتقام، بل هو مع ذلك
وفوقه اجتياح استراتيجي لا يتوقف عند افق المستقبل المنظور انه سياسات خرائط ونهب
مبرمج واستبدال حضارات وهويات، بقلب التاريخ الي جغرافيا اي بقلب تراث العروبة
والاسلام، الي حاضر (ماك) (المقصود ماكدونالد) امريكي معلوم، وفي العراق ما يستأهل
التضحيات الامريكية في سبيل الاطباق عليه وتطبيعه فهو بوابة العبور الاخيرة لوضع
التاج الاعز علي رأس الامبراطورية الجديدة في هذا العالم والعراق هو التصديق
الاخير علي وثيقة نهاية التاريخ، كما التاريخ في المخيلة التوراتية الامريكية، كما
انه آخر حضارة من حضارات هذا العالم، علما بأنه اقدمها تعلن عن سقوطها من قائمة
صراع الحضارات، كما في المخيلة التوراتية الامريكية ايضا. ان العدوان الامريكي
بملحقه البريطاني في العراق يحمل صفة مزدوجة: مصالح عليا ولاهوت نبوءات، ومع هذه الازدواجية،
تجد اسرائيل شراكتها علي الدوام، ففي مقطع المصالح اباحت حكومة اسرائيل لشركاتها
منذ اليوم وحتي قبل تشكيل حكومة شكلية عراقية بان تتعامل هذه الشركات مع اي نشاط
اقتصادي عراقي ممكن من اعادة الاعمار الي انابيب النفط الي المواد الغذائية
فمشاريع الماء والكهرباء، وهذا كما اشار بيان الحكومة الاسرائيلية بالامس، الا ان
ما وراء هذا البيان ما يمكن اعتباره مصادرة علي المقصود، فالعراق قبل ان يتشكل
كدولة في ظل قانون الاحتلال يصبح بلدا مطبعا مع اسرائيل، وتاليا فان موافقة
الحكومة العراقية ـ الامريكية في بغداد تصبح تحصيل حاصل، ولا ينقصها سوي التصديق
ولا شك ان اعادة الاعمار وتحديث آليات استثمار النفط وبناء القطاعات الصناعية
والمشاريع الزراعية والمائية والكهربائية بجميع اصولها وفروعها ستكون عرضة للنهب
الشامل، علي يد الشركات الامريكية اولا، وفي الموقع الثاني مباشرة ستكون الشركات
الاسرائيلية باعتبارها الفرع الآخر الاقليمي للشركات الامريكية دون وسيط.
لقد كانت اسرائيل، دولة تابعة تدور في فلك
المصالح الامريكية وتعمل علي حراستها، اما اليوم فانها تنتقل الي مرتبة الشريك
الاستراتيجي الاصغر في معادلة المصالح الامريكية العليا، وهذا التحول الهام يفسره
وجود ما يزيد علي خمسين مسؤولا امريكيا في الادارة يحملون التوارة بيد، ومعول هدم
حضارة العروبة والاسلام بيد اخري، وهنا يتقاطع تصالب الخطة المزدوجة بين مصالح
عليا ولاهوت نبوءات.
لم تدخل اسرائيل علي خط الشراكة مع امريكا،
مع بداية العدوان الانكلو ـ امريكي علي العراق بل قبل ذلك بكثير، فحكومات اسرائيل
المتعاقبة من عمل وليكود، ظلت تنظر الي العراق كعدو اول وخطر، منذ انتهاء الحرب
الايرانية ـ العراقية، وهذا في الأفق التكتيكي لمراحل محددة، أما في الافق
الاستراتيجي الأعم، فان العراق ظهر متعادلا علي الأقل في الحرب مع ايران، وهو
تعادل تحسب اسرائيل حسابه، والعراق في الافق الاستراتيجي الاسرائيلي، هو المرشح
العربي الاول، لامتلاكه ناصية التكافؤ مع القدرة العسكرية القوية لاسرائيل،
والعراق هو المرشح العربي الاول، بحكم امكاناته النفطية والصناعية والزراعية، كما
بحكم تأهيل ابنائه وصعود آلاف علمائه ومراكز بحوثه واختراعاته لأن يحتل مرتبة
متقدمة، بل وأولي في ميادين الصحة والتعليم في نطاق العالم الثالث بأكمله، والعراق
في الأفق الاستراتيجي الاسرائيلي اخيرا، هو المرشح العربي الاول، للخروج من نفق
التخلف، وهو ما تحرص اسرائيل علي اشاعته وادامته في دنيا العرب دون تفريق.
لم يعد من المجدي، استنساب الاسترسال في
واقعة العداوة التاريخية الامريكية ـ الاسرائيلية للعراق، حتي بالرغم من المعونة
اللوجستية الامريكية للعراق اثناء حربه مع ايران، فالتكتيك السياسي الامريكي، كان
يهدف لاطــــــالة أمد الحرب بين متصارعين مسلمين، وهناك قرائن مثبتة تشير الي ان
امريكا كانت تساعد ايران ايضا، اثناء حربه مع العراق، حيث لا يمكن اعتبار (ايران
غيت) أقل هذه القرائن افتضاحا وعلنية في تاريخ ازدواجية السياسات الامريكية في
منطقتنا المستهدفة.
إما وإما في العراق اليوم، إما ان يشتد ساعد
المقاومة الوطنية العراقية بتعميمها بين شمال وجنوب وشرق وغرب، بحيث تصبح نمط حياة
يومي يشيع اليأس في صفوف الاحتلال، ويبعث علي الفخار في صفوف الوطنيين والعزة في
صفوف أسر الشهداء، وإما ان يلتحق العراق بركب النظام الرسمي العربي الخانع دون وجل
أو خجل، فيحيل الأمة الي أبناء المستضعفين في الارض، اولئك الذين لا يصنعون جدارة
لحاضرهم ولا أملا لمستقبلهم، فأمم الموات في هذا العالم، علي استمرر حياتها كثيرة
وهي اكثر من ان تحصي، طالما ان القطب الأقوي يمتهن اخلاق البشرية بمهانة عز
نظيرها، وهي صامتة لا تصدع لحق ولا تتمرد ضد غبن، فأمريكا احتلت العراق ضاربة
بالشرعية الدولية عرض الحائط، وهي تأتي اليوم نتيجة خسائرها الفادحة علي يد
المقاومة الباسلة، كي تطلب نجدة من الشرعية الدولية، ومع ذلك فان الشرعية الدولية،
لا تجرؤ ان تقول ما يجب قوله في وجه الامريكيين، لماذا دخلتم العراق دون دعوة أو
اذن من أحد؟ أين هي اسلحة الدمار الشامل التي دخلتم بجريرتها؟ وهل دخلتم العراق
لتحريره من أهله؟ فاذا كانت الديمقراطية وحقوق الانسان هي وجهتكم، فما الذي
فعلتموه في تاريخ امريكا الوسطي، كم نصبتم من الفاشيين الأشد مضاء في غواتيمالا
ونيكاراغوا والسلفادور وهندوراس وبنما؟ كيف كانت سياساتكم مع جمهوريات الموز
والكوكائين والسلاح في كولومبيا والايكوادور وتشيلي وبوليفيا والبرازيل
والارجنتين... وغيرها من بلدان امريكا الجنوبية؟ ما هو سجلكم في ايران ومصر
والسعودية والخليج في منطقتنا من هذا العالم، ما هي وثائقكم لضلوع البلد الأفقر في
العالم، افغانستان، في أحداث نيويورك وواشنطن في ايلول؟ ما هو عدد الافغان الذين
يعرفون نيويورك، وما اذا كانت هي مدينة أم جبل؟ ثم ماذا كان ينقص السجل الامريكي
غير الفلسطين والعراق.
ان المعركة ضد الديكتاتورية تفترض نضالا
شعبيا سياسيا وفكريا واجتماعيا يبدأ من الداخل الوطني لا من استدعاء المحتل
الاجنبي الذي سيحل محل النظام وشعبه في جميع التقديرات، فالمحتل الاجنبي لا يصنع
ديمقراطية للشعب المحتل، اذ في ذلك تناقض صارخ بين الديمقراطية والاحتلال، وحتي لو
أشاع المحتلون ديمقراطية المجالس والحكومات والمؤسسات... فانها ستكون ديمقراطية
شكلية، طالما ان الأمر والنهي في يد قيادة الاحتلال، وهو أمر بدهي ثابت في النتائج
لا الاستنتاج، فأمريكا لم تأت للعراق كرمي لعيون المعارضة العراقية اساسا، وهي لم
تأت كرمي لعيون الحرية، فمن ماضيها لم نأنس في تاريخ الولايات المتحدة همة بحق،
وهي سيدة اختلال المكاييل بين عرب وصهاينة، وهندوس واسلام، وبروتستانت وكاثوليك
(ايرلندا كنموذج) وسودان شمالي وآخر جنوبي، واكراد واتراك، وقساوسة وارهابيين
(امريكا اللاتينية نموذجا)، ومافيات وجيوش، ووطنية وعمالة، واسلام وارهاب، وصرب
وبلقان، وشيوعية وشرور. حتي انه يمكننا القول بأن انقسامات العالم الطائفية
والاثنية والعرقية والاقليمية... في آسيا وافريقيا والعالم، كلها كانت قد تغذت
بينابيع امريكية خالصة، اذ تستعر حمي توترها وتنساح دماؤها في ظل النظام العالمي
الجديد الذي تقوده امريكا.
بقي ان نقول بأن من يصنع كل هذا، فانه عاجز
عن تصدير ديمقراطيته الي العالم، بل لعله بدأ بسحب التداول في ديمقراطيته الداخلية
هو بنفسه، ففي ظل ادارة جورج دبليو بوش، تسري ارهاصات مكارثية جديدة، تسمح للدولة
باعتقال مواطنيها، دون ان تكلف نفسها عناء ابداء الاسباب الموجبة!