حول زيارة أبو مازن لواشنطن

تغييرات في الأشخاص أم إسقاط للمرجعيات؟

 

 

 

بقلم :صبحي غندور

 

زيارة محمود عباس لواشنطن كان متوقّعاً حدوثها منذ تكليفه برئاسة الوزارة الفلسطينية، فاختياره قد تمّ أصلاً باتفاق مع واشنطن. وقد كان واضحاً بعد لقاءات «أبو مازن» مع الرئيس الأميركي بوش في العقبة وشرم الشيخ أنّ «أبو مازن» سوف يحظى لدى هذه الإدارة الأميركية بما حظي به ياسر عرفات مع الإدارة السابقة في عهد كلينتون من استقبال وحفاوة.

 

 ولا ننسى أنّ عرفات لم يحظَ باستقبال واشنطن والمسئولين فيها إلا بعد أن وقّع اتفاق أوسلو وتعهّد بوقف كلِّ الأنشطة المسلّحة ضدّ "إسرائيل" واعترف بوجودها، رغم أنّ "إسرائيل" لم تعترف آنذاك ولا حتى الآن بحقّ الفلسطينيين في دولة فلسطينية مستقلّة. "إسرائيل" اعترفت آنذاك بمنظمة التحرير الفلسطينية لا بالحقوق الفلسطينية نفسها.

 

 وأعتقد أنّ الأمر ذاته يتكرّر الآن مع إدارة أميركية جديدة «جمهورية»، ومع شارون «الليكودي»، وفي الأساليب والغايات نفسها بتكريم أشخاص السلطة الفلسطينية، واعتبار السلطة على أنّها المرجعية الآن للقضية الفلسطينية وليس منظمة التحرير، إذ تمثّل المنظمة الشعب الفلسطيني كلّه أينما كان، بينما لا تمثّل السلطة الفلسطينية سوى الفلسطينيين القاطنين في الضفة وغزة.

 

 ورغم كلّ ما قدّمه عرفات في السابق والحاضر من تغطية سياسية لحكومة «أبو مازن»، فإنّه ما زال بنظر إدارة بوش وحكومة شارون من الضالّين عن الصراط الأميركي - الإسرائيلي. وستبقى منظمة التحرير والفصائل المعارضة الأخرى أيضاً من المغضوب عليهم بنظر واشنطن وتل أبيب، أمّا حكومة «أبو مازن» فستكون هي المنعَم عليها.

 

 فلقاءات واشنطن التي حظي بها محمود عباس هي من أجل تكريس الزعامة الفلسطينية الجديدة وأيضاً لمحدودية الطموحات الفلسطينية لدى هذه السلطة «أي ترتيب أوضاع السلطة الآن في الضفة وغزّة، وتأجيل القضايا الكبرى».

 

 فإنّ أقصى طموحات حكومة «أبو مازن» الآن هي العودة إلى ما كانت عليه السلطة قبل تفجير الانتفاضة في سبتمبر عام 2000، ومن ثمّ إعلان الدولة الفلسطينية على الأرض المعروفة باسم «أ»، والتفاوض فيما بعد «إن قدّر له أن يكون ». ما بين الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية على القضايا الكبرى.

 

كذلك المطالب التي تتحدث عنها السلطة الفلسطينية الآن هي كلّها بمثابّة نتائج لما حدث في السنوات الثلاث الماضية أي منذ فشل قمّة كامب ديفيد صيف عام 2000 «إدارة كلينتون -الديمقراطية، حكومة باراك - حزب العمل، ياسر عرفات - منظمة التحرير الفلسطينية».

 

 فأبو مازن يطالب "إسرائيل" الآن، وبدعم من واشنطن، بتجميد الأنشطة الاستيطانية وليس المطالبة بإلغاء المستوطنات.

 

 أبو مازن يدعو إلى الانسحاب الإسرائيلي من بعض مناطق الضفة وغزة المناطق المعروفة باسم «أ» وليس بالانسحاب الشامل الآن من كلّ الضفة وغزة.

 

 أبو مازن يدعو إلى تحرير الأسرى الفلسطينيين، وليس طبعاً بحقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين. يطالب بوقف بناء الجدار الأمني الإسرائيلي، وليس بإعلان حدود الدولة الفلسطينية المستقلة. يطالب بحرّية الحركة للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وليس باعتماد منظمة التحرير كمرجعية للقضية الفلسطينية، ولا بحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

 

 فالإدارة الأميركية الحالية فتحت أبوابها لمحمود عباس ولم تفعل ذلك لياسر عرفات، لا لأنّ رئيس السلطة الفلسطينية يطرح مواقف تختلف عن تلك التي يطرحها رئيس الوزراء محمود عباس، بل لأنّ كلاً منهما يمثل الآن حالةً سياسية مختلفة.

 

 فالرئيس عرفات يمثّل حالةً مرضياً عنها أميركياً في الحاضر، لكن لها امتداد بالماضي مرفوضٌ أميركياً وإسرائيلياً، وهو ماض يجمع سياسياً تمثيل الشعب الفلسطيني أينما كان، بما في ذلك الفلسطينيون خارج الأراضي المحتلة، من خلال «منظمة التحرير»، وهو ماض جمع أمنياً نهج المقاومة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي، في حين أنّ الحالة التي يمثّلها الرئيس أبو مازن حالة حاضر مطلوب لها وحدها فقط أن تستمرَّ للمستقبل:

 

 - فهي سياسياً تمثل فلسطينيي الضفة وغزة فقط.

 

 - وهي أمنياً لا تقبل بأيّة مقاومة مسلحة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي.

 

 والحالة السياسية والأمنية التي يمثلها أبو مازن الآن تريد واشنطن تعميمها على كلّ الفصائل الفلسطينية من جهة، وعلى الوضع العربي كلّه من جهة ثانية لتكريس هذه الحالة الفلسطينية وعدم التعامل مع غيرها.

 

*    *    *

 

 لقد أعطت السلطة الفلسطينية الولايات المتحدة كلّ ما طلبته، والآن حان وقت التوظيف الأميركي لهذا العطاء الرسمي الفلسطيني. فواشنطن طالبت السلطة الفلسطينية -وحصلت منها- خلال السنتين الماضيتين بعدَّة إجراءات كان منها تكليف محمود عباس وحتى بعض الوزراء في حكومة السلطة الحالية.

 

 وواشنطن بحاجة إلى إحداث إنجاز محدود في مجال القضية الفلسطينية لأنّ ذلك سيخفّف من عدم الرضا السائدة في أجزاء من المنطقة العربية والعالم الإسلامي على السياسة الراهنة للإدارة الأميركية التي وضعت، منذ مجيئها وقبل أحداث 11 سبتمبر 2001، أولوية الحرب على العراق وتجاهلت ما تقوم به "إسرائيل" من عدوان وحشي على الشعب الفلسطيني في الضفة وغزّة.

 

 أيضاً هذا الإنجاز المحدود الذي يعمل وفق آلية خريطة الطريق يرضي حلفاء أميركا الأوروبيين ويخفّف من الأزمة الواقعة مع بعض الدول الأوروبية التي اختلفت مع واشنطن بشأن العراق.

 

 كذلك هذا الإنجاز المحدود، لو تحقّق، سيساعد بوش في حملته الانتخابية من أجل الرئاسة الثانية.

 

إن ما يحصل الآن في الملف الفلسطيني، وفي المنطقة العربية عموماً، هو تنفيذ كامل لأجندة الإدارة الأميركية منذ مجيئها في مطلع العام 2001:

 

 1 - أولوية الملف العراقي، وهو ما حدث فعلاً.

 

 2 - تغييرات «إصلاحات» سياسية واقتصادية في السلطة الفلسطينية تسبق أيّة مفاوضات مع "إسرائيل".

 

 3 - عدم التعامل مع رئاسة منظمة التحرير «عرفات»، ووقف هذه المرجعية للقضية الفلسطينية.

 

 4 - شرط وقف أيّة عمليات مقاومة ووقف الانتفاضة قبل التعامل الأميركي المباشر مع القضية الفلسطينية.

 

 المشكلة هنا أنّ المرجعيات الأساسية والشرعية للقضية الفلسطينية تسقط الواحدة بعد الأخرى . فالمرجعية العربية للقضية الفلسطينية أصبحت مرجعيةً فلسطينية فقط من خلال قرارات قمّة الرباط عام 1974 ممّا أتاح لقيادة المنظمة التصرف كما تشاء في مصير القضية الفلسطينية كما أتاح لأنور السادات الذهاب لإسرائيل وعقد معاهدة بينها وبين مصر باعتبار أنَّ القضية الفلسطينية مرجعيتها منظمة التحرير وأّنّ مصر السادات لم تعد مسئولةً عن الالتزامات تجاهها رغم المسئولية المصرية التاريخية عن قطاع غزة منذ عام 1948.

 

 والمرجعية الدولية للقضية الفلسطينية وهي الأمم المتحدة، سقطت أيضاً من خلال قبول قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بتوقيع اتفاق أوسلو في الخفاء والسرّ، مما أتاح للأردن عقد معاهدة ثنائية مع "إسرائيل" بمعزل عن مسئوليته التاريخية تجاه الضفة الغربية والقدس منذ عام 1948، كما أتاحت اتفاقية أوسلو بدء علاقات التطبيع الثنائي بين "إسرائيل" وعدة دول عربية وغير عربية بحجة ما فعلته قيادة المنظمة من اعتراف بإسرائيل وعقد اتفاقيات معها. وهذه القيادة الفلسطينية تدفع الآن ثمن هذه الخطيئة السياسية لأنّ واشنطن حصلت على ما تريده من قيادة المنظمة وهي الآن تريد إزاحتها تماماً.