خريطـة الطريـقتأملات في التكييف القانوني ودلالات المنهاج والنصوص
فتحت خريطة الطريق منعطفاً جديداً على مستوى
أطر الالتزام الدولي. فهي لم تأت اتفاقاً تمخض عن مفاوضات أو حتى إملاءات. ولا
هي أتت قراراً لتحكيم دولي أو حتى إعلاناً للمبادئ. فما هو التكييف القانوني
التكييف القانوني
ينبئ أسلوب إصدار الخريطة ونصوصها أنها في
حقيقتها توجيه دولي الذي يمكن تعريفه بأنه تعليمات يصدرها شخص دولي يستشعر فوقية
دولية إلى شخص دولي آخر ويشكل قبول متلقي التوجيه إياه التزاماً به. فقد صدرت
الخريطة من قبل الإدارة الأمريكية التي فرضت نفسها كجهة إص لها. وقد قيل إنها
محصلة رؤية جماعية حيث تشرف على تنفيذها لجنة رباعية تضم الولايات المتحدة
والاتحاد الأوروبي وروسيا والمنظمة الأممية. لكن الواضح أن إشراك الثلاثة
الأخيرين جاء لإكساب الخريطة مشروعية دولية ف
أما عن نصوصها فهي توجيهات أصدرت للأطراف ذات
الصلة بالقضية حيث وجه أغلبها للقيادة الفلسطينية مثل أن تصدر بياناً صريحاً يؤكد
حق "إسرائيل" في البقاء في سلام وأقلها لإدارة الاحتلال مثل أن تصدر
بياناً واضحاً يؤكد التزامها برؤية دولتين وبعضها لأطراف إقل مثل أن تقطع الدول
العربية التمويل للجماعات التي تؤيد وتتورط في أعمال عنف البعض الثاني لأطراف
دولية مثل أن يقدموا الدعم المالي للفلسطينيين من خلال وزارة المالية والبعض
الأخير للجنة الرباعية مثل أن تروج لاعتراف دولي بالدولة الفلسط
عوامل بروز إطار التوجيه الدولي
يمكن رصد اثنين من العوامل التي حدت بالإدارة
الأمريكية لتفضيل إطار التوجيه الدولي في هذا التوقيت. الأول هو ضيقها بالمصير
البائس الذي ألم بأطر الالتزامات التي تم اعتمادها طيلة العقد السابق على تولي هذه
الإدارة ما بين اتفاقات وتفاهمات وإعلانات مبادئ مما ك يصنف تحت باب الاتفاقات
الثنائية التي كان يسبقها تفاوض. فقد كان هذا العقد مزدحماً بالمفاوضات
والاتفاقات التي شكل بنيان مؤتمر مدريد محضناً لها. ورغم الكثافة غير المسبوقة
لتلك المفاوضات والاتفاقات خلال هذا العقد الفريد فهي لم تثمر إعادة حق لصاحبهي
أنجبت سلاماً بين متحاربين. ولا مراء أن السبب الرئيسي في سوء خاتمة تلك
الاتفاقات أنها افتقدت شرط التوازن العادل الذي هو أهم الشروط الضامنة لاستمرار
العقود والاتفاقات. ولم يكن غريباً نتيجة ذلك أن تنعى تلكم الاتفاقات في كتابات
أولـي النـهي بأنها "ات مملاة" وأن تـوسم المفاوضات التي جرت تمهيداً
لها بـوسم بيريز يفاوض بيريز ولم يكن غريباً أن تؤدي حالة عدم التوازن الصارخة تلك
إلى أن يطمع الغاصب في تعظيم أساليب قمعه وأن يؤدي ذلك إلى تصاعد المقاومة الفلسطينية
كمحاولة لإعادة بعض من التوازن- عمليالعلاقة مع الاحتلال.
لكن الإدارة الأمريكية بدل أن تسعى لتأسيس
ذلك التوازن المفقود ولو تدريجياً سعت إلى الظن أن سبب عقم مسار الاتفاقات هو في
شكلها وفي أنها أولت اعتباراً ما ولو ضئيلاً لإرادة الطرف الفلسطيني في تنفيذ
الاتفاقات. لذا تبنى التيار المجاهر بميوله الصهيونية في الإرة الأمريكية
الجديدة شعار لا معاهدات جديدة عقب بدء الإدارة عملها وإن كانت بوادر الاقتناع بأن
عصر توقيع المعاهدات وصل إلى نهايته قد لاحت منذ عام 96 حين نشر ريتشارد هاس
مقاله المعنون الشرق الأوسط: لا معاهدات جديدة في مجلة فورين أفيرز. وكان هذا
الد لقي صدى مبالغاً فيه لدى حكومة نتنياهو التي لم تكتف بعدم الاستمرار في توقيع
اتفاقات جديدة بل تنكرت فجأة لجميع الاتفاقات الأمر الذي أدى إلى عقد قمة عربية
طارئة بالقاهرة في يونيو 96 لإنقاذ الاتفاقات. وكانت إدارتا كلينتون وباراك لم
تسلما بهذا التوجه راهنتا على إمكانية اقتطاع تنازلات أخرى من القيادة
الفلسطينية. ورغم الإصرار على عدم إبرام اتفاقات جديدة اضطرت الإدارة الأمريكية
الحالية إلى إيجاد صيغة لإيقاف المعركة الدائرة التي تهدد أمن الجميع. لذا
استحدث التيار الموجه لهذه الإدارة مسارا يقوم على هام الرؤية الصهيونية ثم
تدثيرها بدثار أمريكي لتطرح على الملأ العالمي كتوجيه دولي غير قابل للتفاوض.
أما العامل الثاني لبروز إطار التوجيه الدولي فهو أنه يسهم في تعزيز المكانة التي
ما انفكت الدبلوماسية الأمريكية تدعي حيازتها منذ انهيار الاتحاد السوفيتي
دلالات المنهاج: تناقض مقصو
لكن حتى لو كانت خريطة الطريق توجيها دولياً
من جانب الإدارة الأمريكية أليس من المشروع الطموح بأن تأتي بنتائج إيجابية
بالنسبة لتسوية الصراع خاصة في ضوء الظروف الإقليمية الجديدة؟. الواقع أن إجابة
هذا السؤال لابد أن تقوم على فهم دقيق للمنهاج الذي يحكم خريطالطريق والذي يبدو
عند تأمله أنه يتضمن تناقضاً جوهرياً. ففي بعض مناحيها تعكس الخريطة خروجا عن
المرجعية الأممية وفي البعض الآخر تعكس اتساقاً مع تلك المرجعية. فمن ضمن ما
يعكس خروجها عن المرجعية الأممية تقزيم دور الأمم المتحدة في الإشراف على الخريطة
لصالدور الأمريكي والتنكر للقرارات الأممية بشأن حق العودة والقدس وحدود الدولة
الفلسطينية وعدم قانونية المستوطنات كلية. بالمقابل من ضمن أوجه اتساق الخريطة
مع المرجعية الأممية حرصها على إعطاء دور شرفي للأمم المتحدة للإسهام في الإشراف
على تنفيذ التوجيهات الودة بها والنص على القرارات الأممية الأساسية مثل 242
و338، فهل هذا التناقض وليد إدراك أم غف
الواضح أن هذا التناقض في التعامل مع
المرجعية الأممية وليد إدراك وذلك لثلاثة أسباب. السبب الأول أنه يخدم السياسة
الإسرائيلية الدولية وذلك لأن هذا التناقض في التعامل مع القرارات الأممية يتيح
للسياسة الإسرائيلية أن تمارس أعلى درجات الانتقائية في التعامل مالقرارات الأممية
ومن ثم التقاط مكاسب نوعية كما أنه يسمح لها بممارسة أعلى درجات التضليل السياسي
من حيث إنه يوحي للأطراف الأخرى باستعداد إدارة الاحتلال لإعادة النظر في موقفها
من القرارات الأممية التي رفضتها آنفاً الأمر الذي يؤدي أيضاً إلى اختلاس مكاسب
نوعية، بناء على ذلك التوهم. ولعل مكسب الأمن هو أهم المكاسب التي تأمل الإدارة
الإسرائيلية تحقيقها من خلال خريطة الطريق
السبب الثاني أن هذا التناقض في التعامل مع
المرجعية الأممية يشكل استمراراً للسياسة الإسرائيلية تاريخياً وذلك واضح في ضوء
تعامل الإدارات الإسرائيلية المتعاقبة مع القرارات الأممية كما هو الحال مع قرار
242 الذي قبلت منه الإدارة الإسرائيلية انطواءه على اعتر بحق الاحتلال في مساحة
أوسع من تلك التي أعطاها إياها قرار التقسيم حيث إنه طالب بالانسحاب من الأراضي
المحتلة عام 67 فحسب- فيما عرف في أدبيات القانون الدولي بـ"نظرية
الانسحاب الناقص"- وفي نفس الوقت رفضت منه أهم ما انطوى عليه من أحكام وهو
الا
السبب الثالث أن التناقض المنهجي الذي تنطوي
عليه الخريطة في التعامل مع المرجعية الأممية يشكل الخيار الوحيد المتاح أمام
السياسة الإسرائيلية كي تستمر في سياستها الاغتصابية وذلك لأن التجاهل المطلق من
جانب الإدارة الإسرائيلية لقرارات المنظمة الأممية وقبولها بالتزامات جديدة هو
قانوناً بمثابة إلغاء فعلى لتلك القرارات الأممية من جانب إدارة الاحتلال نظراً
لأن التسوية النهائية تجب ما قبلها لو كان ثم تناقض بينهما وبالتالي تخسر الإدارة
الإسرائيلية المكاسب التي استمطرتها من المنظمة الأممية. بالمقابل فإن القبول
الإسريلي الكامل لفحوى القرارات الأممية من شأنه التسليم بما ترفض إدارة الاحتلال
التسليم به.
دلالات النصوص: أحكام غامضة ومرحلية سائب
لكن يبقى تساؤل حول الكيفية التي سيتسنى
للإدارة الإسرائيلية بها توظيف هذا التناقض في التعامل مع المرجعية الأممية.
الواقع أن الأدوات التي تمكنها من ذلك تم توفيرها ضمن الخريطة نفسها وأهمها الغموض
المقصود الذي يلف النصوص الخاصة بـ الدولة الفلسطينية. فاطة تؤكد في جميع
أركانها أن كل ما يتعلق بالدولة الفلسطينية هو أمر احتمالي.
لكن أطرف ما هنالك أن الخريطة خلال تشييدها
صرح ذلك الإلغاز والتعتيم على مسألة تأسيس الدولة الفلسطينية وظفت الفكرة
الاستشراقية العنصرية التي قوامها أن شعب فلسطين لا يتمتع بالأهلية السياسية
لقيادة نفسه وأنه لم يبلغ الرقي الذي يسمح له بإدراك قيم التسامح والحرية وأنه
لابد له أولاً من إرشادات الإدارة الأمريكية وإدارة الاحتلال كي يكتسب عناصر تلك
الأهلية ولابد له ثانياً من الحصول على إجماع الأربعة بأنه قد اكتسبها!
هذا وما يثير الشكوك حول مصداقية النوايا
الواردة في الخريطة فيما يتصل بـ الدولة الفلسطينية أنها تنص على إنهاء الاحتلال
الذي بدأ عام 67 بما يخالف وبشكل جذري التصور الذي سعت الإدارتان الإسرائيلية
والأمريكية إلى فرضه على القيادة الفلسطينية بكل عزم وتصميم خل كامب ديفيد 2000،
فلقد بدا أن مفهوم تلكما الإدارتين عن حدود وفعالية الدولة الفلسطينية لم يتجاوز
مساحة محدودة للغاية داخل الضفة والقطاع مع اشتراط أن تكون السيادة للاحتلال فيما
يتصل بمنطقة الحرم الشريف ومع عدم تمتع "الدولة الفلسطينية" إلا
بسلطات إدارمزية للغاية. السؤال هنا: هل يسوغ عقلاً افتراض أن تقبل الإدارتان
الأمريكية والإسرائيلية توسيع مفهومهما المذكور عن حدود الدولة الفلسطينية
ومكانتها القانونية عما كان عليه خلال كامب ديفيد الثانية لدرجة أن يصل إلى إنهاء
الاحتلال الذي بدأ عام67 بال
كما تضمنت الخريطة أداة أخرى تمكن الإدارة
الإسرائيلية من توظيف التناقض والانتقائية المذكورين في التعامل مع المرجعية
الأممية وهذه الأداة هي مفهوم المرحلية الذي يحكم تنفيذ الخريطة. فمفهوم
المرحلية هو الذي يمكن إدارة الاحتلال من الاحتفاظ بمكاسبه التي جناهان القرارات
الأممية وفي نفس الوقت النزول بسقف التوقعات الفلسطينية الخاصة بالمكاسب المحتملة
من تنفيذ تلك القرارات والوصول بها إلى العدم سواء من خلال عملية إعادة انتشار
جديدة أو غيرها من الإجراءات. ولعلنا نذكر أن اتفاق أوسلو قد نص هو أيضاً على
إنشاء "دوفلسطينية" لكن إدارة الاحتلال أفادت من مفهوم المرحلية الذي
لم تخل منه أوسلو أيضاً بأن وأدت هذا الاستحقاق الفلسطيني وفي نفس الوقت احتفظت
بمكاسب أوسلو وأهمها زيادة تقنين الاحتلال
غير أن الأهم من اغتيال الطموح اغتيال
"الواقع الذي يحقق الطموح". فمفهوم المرحلية لن يقتصر على اغتيال فكرة
الدولة الفلسطينية الطموح لكن مراده الأساسي اغتيال الانتفاضة والمقاومة الواقع
الذي يحقق الطموح وهذا واضح في تركيز الخريطة بشكل يعبر عن هوس نفسي لتحق الأمن
الكامل للاحتلال واقتلاع جذور شجرة المقاومة بما في ذلك مجرد التحريض ضد الاحتلال
على حد تعبير الخريطة.
دلالات نصوص الخريطة بالنسبة للانتفاضة
لعل هذا الهلع الأمني الذي تصرخ به سطور
خريطة الطريق هو خير من يحدثنا عما ألحقته الانتفاضة بالاحتلال قيادة وتجمعاً من
تيه ومعاناة. فما نصت عليه الخريطة من إعادة بناء أجهزة الأمن الفلسطينية يشير
إلى نجاح شعب فلسطين من خلال الانتفاضة في إفشال مخطط أوسلو اي استهدف تأسيس قوة
أمنية فلسطينية تنوب عن الاحتلال في قمع الانتفاضة بما يؤدي إلى حرب أهلية
فلسطينية. فقد استمرت الانتفاضة في إرهاق الاحتلال أمنياً وفي تعميق انكشافه
استراتيجياً. بل إن جزءاً من تلك القوة الأمنية سارع إلى تصحيح وضعه بأن شارك
أبناء شعنتفاضته فارتفع منهم شهداء قام الاحتلال بتصفيتهم عمداً وبشكل جماعي كما
حصل خلال مذبحة جنين.
هذا وإن ما تضمنته الخريطة من توجيه بأن
تستعيد الدول العربية الروابط التي كانت بينها وبين "إسرائيل" يشير إلى
العزلة التي يشعر بها الاحتلال إقليمياً والتي أسهم مناخ الانتفاضة الذي عم الأمة
في فرضها عليه وفي دق المسمار الأخير في نعش مشروع نظام الشرق الأوسط وكان قد سبق
ذلك جهد شعبي ورسمي عربي بدأ المعركة ضد هذا المشروع الذي يراد للخريطة إعادة
تدشينه بشكل جديد.
أيضاً ما تضمنته الخريطة من حديث عن فرض
قيادة جديدة على شعب فلسطين يشير إلى نجاح هذا الشعب من خلال الانتفاضة في العودة
بقيادته من طريق التنازل اللانهائي إلى طريق إعادة بعض التوازن للعلاقة مع
الاحتلال. كما يشير إلى الوصول إلى قدر جيد من التنسيق الصامت بيالتيار الذي يصر
على أن يأتي التفاوض تتويجاً للمقاومة وبين التيار الذي يؤثر الجمع بين الاثنين
بشكل متزامن حيث لم يخرج عن هذا التفاهم إلا التيار الذي يصر على التفاوض دون أية
مقاومة والذي يراد للخريطة أن تكون أرضية لدعمه وإخراجه من عزلته الحتمية.
أخيراً فإن استخدام الخريطة لغة تائهة
بالنسبة للقدس يدل على نجاح شعب فلسطين من خلال الانتفاضة في منع تحقيق مشروع
سيطرة الاحتلال على منطقة الحرم الشريف ذلك المشروع الذي دشنه باراك وكلينتون
سياسياً وقانونياً خلال كامب ديفيد2000 لكنه فشل لصمود القيادة ووق بعض الإدارات
العربية أهمها المصرية بحزم ضده الأمر الذي أدى إلى أن يعهد إلى مجرم الحرب شارون
إعادة تدشينه عملياً بانتهاك حرم المسجد الأقصى في سبتمبر 2000 تمهيداً لإقامة
الهيكل المزعوم لكنه أيضاً فشل لانتفاضة شعب فلسطين دفاعاً عن مقدسات الأمة
خاتمــة
لعل ما سبق ينبئ عن المصير المتوقع لخريطة
الطريق الذي لن يخرج عن مصير ما سبقها من اتفاقات. فرغم اختلافها عما سبقها من
حيث طبيعتها وشكلها كإطار للالتزام الدولي إلا إنها تشترك مع تلك الاتفاقات في
الجوهر من حيث افتقارها لشرط التوازن العادل ومن حيث انطواؤهالى توجه وظيفي عنصري
يستهدف تأمين الاحتلال واغتيال الانتفاضة والمقاومة اللذين يشكلان الطريق المزدوج
نحو التحرير ثم نحو إقامة النظام السياسي المستقل وذلك لأنهما يهددان الاحتلال في
عمقه ويمنعان استقرار نزعة العلو الدولي.