تجليات الورطة في العراق
لا تفسير للتهليل الاميركي لمقتل عدي وقصي
صدام حسين، إلا أنه محاولة للتغطية على أصداء <<الورطة>> متعددة
الأوجه التي يواجهها الأميركيون في العراق، التي لا يبدو حتى الآن أن ثمة منفذا
للخروج منها. فلا هم يحتملون البقاء للسنوات الثلاث او الأربع التي تحدثوا عنها،
ولا هم يستطيعون الانسحاب وترك الجمل بما حمل.
أفهم أن يُسر لما حدث ويتشفى بعض أهل العراق
من ضحايا النظام البعثي. معتبرينه نوعا من الانتقام وتصفية الحسابات المتراكمة.
وهو معذورون في ذلك، لأن ما فعله هذان الشابان بالناس فُعل بهما في نهاية المطاف.
على نحو لا يقل بشاعة ولا قسوة. ولكن الذي يستعصي على التفسير هو تلك الفرحة
العارمة التي سرت في أوساط الادارة الاميركية، والتي انعكست على تغطية وسائل
الاعلام حين اعتبرت ما جرى نصرا مؤزرا وفتحا جديدا في المعركة التاريخية ضد
الارهاب في الكوكب الأرضي.
صحيح أن ثمة جدلا في الولايات المتحدة حول
شرعية السلوك الاميركي في هذه الواقعة، من الناحيتين القانونية والأخلاقية، الا ان
صوت الاعلام الصاخب والمهيمن حاصر ذلك الجدل وغيبه، في الأجل المنظور على الأقل،
ونجح في تسويق الحدث باعتباره إنجازا وانتصارا. ولأن الأمر ليس كذلك على الإطلاق،
بعد سقوط النظام وانتهاء أمره، فإن التفسير الأقرب الى العقل والمنطق هو أن
الادارة الاميركية أرادت بافتعال ذلك الضجيج ان تطلق سحابة كثيفة من الدخان، تحجب
عن الجميع قدر الامكان أفق رؤية حقيقة ما يجري على الأرض العراقية، وتصرف انتباههم
عن المأزق الاميركي هناك. وهو المأزق الذي بدأت أصوات عدة في الحديث عنه، وإشاعة
القلق بسببه.
وليس أدل على الشعور بالمأزق من أن وزير
الدفاع دونالد رامسفيلد طلب إرسال فريق من الباحثين لتقييم الأوضاع في العراق
والخروج بتوصيات لمواجهة الموقف هناك. وقد قام بهذه المهمة فريق من كبار العاملين
في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن الذين توجهوا الى العراق حيث
زاروا تسع محافظات، والتقوا بحوالى 250 شخصية من القيادات العسكرية والمدنية. ثم
عادوا بتقرير تضمن توصياتهم المطلوبة. وبعد عودتهم قام بزيارة الى العراق نائب
وزير الدفاع بول وولفويتز لتفقد الموقف على الطبيعة. وبعد عودته، عقد في 23/7
مؤتمرا صحافيا في واشنطن، تحدث فيه لأول مرة عما أسماه ب<<الأخطاء
الغبية>> في الحملة العسكرية. وما قاله يستحق أن يقرأ بعناية.
مثير للانتباه لا ريب أن يبادر وولفويتز
بالحديث عن تلك الأخطاء، وهو أحد مهندسي الحملة الرئيسيين، ولا نستبعد أن يكون
الرجل فوجئ بما رآه على الطبيعة، ولم يستطع أن يخفي انطباعاته المتعلقة بأوجه
القصور التي وقع عليها، خصوصا أن الكلام كثير عن مظاهر الفشل والإحباط، ولكي يحتفظ
بصدقيته فكان لا بد أن يعترف على الأقل ببعض ما وقع من أخطاء. أيا كانت دوافعه الى
ذلك، فالشاهد أنه ذكر خمسة <<أخطاء غبية>> هي:
? أن بعض الظروف التي تعامل معها الاميركيون
كانت أسوأ بكثير من التقديرات المسبقة، خاصة ما تعلق منها بالنواحي الأمنية.
? كان في الحسبان أن وحدات عسكرية عراقية سوف
تنشق بأعداد ضخمة بمجرد بدء الحرب، لتنضم الى القوات الاميركية، لكن ذلك التقدير
كان خاطئا.
? أن تقدير موقف الشرطة العراقية لم يكن
صحيحا، حيث تبين أن أوضاعها تحتاج الى إصلاح ومراجعة شاملين.
? أن قيادة القوات الاميركية قللت من شأن
المقاومة العراقية، ومن ثم فإنها لم تعمل لها ما تستحقه من حساب، وكان ذلك أكثر
الأخطاء سوءا.
? أن العراقيين رفعوا سقف توقعاتهم من
الاميركيين، سواء من جراء الوعود التي تلقوها او الأماني التي تعلقوا بها. لذلك
فإنهم طالبوا الاميركيين بالمستحيل في ظل أوضاعهم الراهنة. وحين لم تتحقق تطلعاتهم،
فإنهم انتقلوا الى مربع السخط وعدم الرضى.
إذا قدرت موقف الرجل، ستدرك لماذا أورد
ملاحظات على نحو مخفف ومختصر. ولن تفوتك ملاحظة أن المسؤول حين يتحدث عن خمسة
أخطاء في شأن صنع على يديه وسوقه باعتباره <<إنجازا>>، فلا بد أن يكون
العدد الحقيقي للأخطاء متجاوزا عشرة على الأقل. يستوي في ذلك مسؤولو العالم الأول
مع العالم الثالث. وإن كان الفرق بين العالمين أن الحجم الحقيقي للأخطاء يمكن
التعرف عليه في العالم الأول، الامر الذي يعرض المسؤول للمحاسبة. أما في العالم
الثالث فلا الحقيقة تعرف ولا المسؤول عن الأخطاء يحاسب!
صحيح أن نائب وزير الدفاع الاميركي هو أول
مسؤول كبير يتحدث عن الأخطاء التي شابت غزوة العراق ويصفها بأنها غبية، إلا أنه
ليس الوحيد من بين الشخصيات العامة الذي تطرق الى الموضوع. لأن العديد من الكتاب
والسياسيين بدأوا في تسليط الضوء على إخفاقات الغزوة.
لم تكن التقارير الكئيبة للخسائر بين صفوف
قوات التحالف و<<المتمردين>> العراقيين هي التي كانت الأكثر إثارة
للاضطراب بالنسبة الى... ولكن أداء القيادتين العسكرية والمدنية الاميركيتين هو
الذي خلف شعورا عميقا من الأسى إزاء مستقبل العراق. فنحن نفتقر حتى الى أبسط الفهم
للبلد وآثار حكم صدام حسين عليه. وعانينا من ضعف التنسيق والاتصال او انعدامهما
بالمرة، حتى بين الاميركيين أنفسهم. باختصار لم تكن لدينا أي فكرة عن الواقع
العراقي.
لم يعد سرا أن فكرة إسقاط النظام في العراق
واحتلال البلد متبلورة في أذهان غلاة المحافظين المتحالفين مع العناصر الصهيونية
على الأقل منذ العام 1991 أي قبل سنوات من وقوع أحداث أيلول وظهور تنظيم القاعدة
والحرب ضد الارهاب. وهي الفكرة التي التقت عليها مصالح دعاة الامبراطورية
الاميركية وأنصار إسرائيل. ومن ثم فالمسألة كانت جزءا من رؤية استراتيجية لا علاقة
لها باستبداد النظام البعثي ولا سجله الأسود، كما لم يعد سرا أن حكاية أسلحة
الدمار الشامل وشراء النظام العراقي لليورانيوم من النيجر. والكلام عن قدرة صدام
حسين على استخدام تلك الأسلحة المرعبة خلال 45 دقيقة، ذلك كله ثبت أنه مجرد حيل
وأكاذيب تثير لغطا مشهودا الآن في لندن وواشنطن. وقد حاول كاتب مثل توماس فريدمان
تغطية الكذبة بكذبة أخرى، مفترضا السذاجة والبلاهة في قارئه، إذ كتب في
<<نيويورك تايمز>> (عدد 17/7) يقول إنه: من الأمور المقلقة أن فريق
بوش أصبح مقيدا بالدفاع عن أسبابه الزائفة للدخول في الحرب، وهي أن صدام امتلك
أسلحة دمار شامل لا يمكن ردعها ويمكن أن تهددنا، او أن لديه علاقات مع القاعدة.
وذلك يبعدنا عن تحقيق السبب الحقيقي والمؤكد للحرب <<وهو تأسيس حكومة رشيدة
ومتسامحة وجماعية ومتعددة الأديان في العراق>>(!).
إذا مشينا مع الكذاب حتى باب الدار كما يقول
المثل العامي فماذا نجد؟
الثابت حتى الآن وشهادات المعلقين هنا
متواترة أن غرور القوة جعل الولايات المتحدة تنشغل بكسب الحرب بأكثر من انشغالها
بإقامة السلام. (دعك الآن من مسألة الديموقراطية التي سنعود اليها حالا). لذلك فإنهم
ما أن استولوا على بغداد في التاسع من إبريل الماضي حتى وجدوا أنفسهم في مواجهة
الواقع الذي لا يعرفونه. فوقعوا في حيص بيص. عيّن الجنرال غارنر حاكما عاما، لكنه
غرق في المستنقع وفشل، فطرد بعد أسابيع معدودة كما ذكرت <<الهيرالد
تربيون>>، وجيء بحاكم آخر هو بول بريمر الذي واصل التعثر، وتحدثت التقارير
الصحافية عن احتمالات تغييره حين عاد مؤخرا الى واشنطن. ثم قيل بعد ذلك إنه أعطي
صلاحيات جديدة شجعته على العودة الى بغداد لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
من الاجراءات العشوائية الغبية بامتياز التي
اتخذتها إدارة السيد بريمر قراره بحل الجيش العراقي كله مرة واحدة، من دون أي
تفكير في الكيفية التي سيعتاش بها عشرات بل مئات الألوف من الضباط والجنود، وحل
حزب البعث، من دون الأخذ في الحسبان أنه يمثل تيارا سياسيا لا يمكن اجتثاثه بجرة
قلم. ومن دون انتباه الى حقيقة ان عضويته لم تكن مقصورة على الذين أجرموا بحق
الشعب. ليس ذلك فحسب، وإنما تمت إقالة عشرات الألوف من موظفي الوزارات، قبل توفير
البدائل البيروقراطية لإدارة أعمالهم. ومن آيات الغباء أيضا ان تلك الإدارة بعد أن
ضمت الى صفوف المعارضين والناقمين ذلك العدد الهائل من العسكريين والمدنيين فإنها
سارعت الى توزيع عقود الإعمار على الشركات الاميركية، قبل أن ترتب توفير الغذاء
والأمن للعراقيين الذين تضاعفت عذاباتهم من جراء افتقادهم الى الاثنين، فضلا عن
معاناتهم من تدهور الخدمات الضرورية لاستمرار الحياة العادية.
ضاعف ذلك من سخط العراقيين، الذين يدركون
جيدا أن الولايات المتحدة مسؤولة عن الكثير من أوجه الخراب الذي أصاب بلدهم، نتيجة
لسنوات الحصار القاسي الذي دفع الناس ثمنا باهظا له، وهي المشاعر التي غابت تماما
عن إدراك المخطط الأميركي، الذي تصور لا أعرف كيف ان العراقيين سيخرجون الى
الشوارع مستقبلين قوات الغزو بالورود والرياحين.
يُذكر للسيد بريمر لا ريب أنه شكل مجلسا
انتقاليا للحكم ضم أشخاصا تم انتقاؤهم لكي يكونوا ممثلين لمختلف ألوان الطيف
العرقي والمذهبي في البلاد. لكن لا ينسى أن الادارة الاميركية رفضت في البداية
إشراك العراقيين في إدارة شؤونهم، ثم ماطلت حتى في إشراك أطراف عراقية حليفة
وموالية لها، وظلت متمسكة بالانفراد بالادارة المباشرة للاحتلال. مع الاستعانة
ببعض العراقيين كمستشارين. لكنها تحت ضغط المقاومة، حاولت استرضاء العراقيين عبر
تشكيل ذلك المجلس الذي راعى التمثيل المذهبي والعرقي وأسقط التمثيل السياسي. فجاء
ممثلو الشيعة مثلا خليطا من رجال الدين ورجال الأعمال الليبراليين والبعثيين
السابقين الى جانب سكرتير عام الحزب الشيوعي، وجاء ممثلو السنة خليطا من ممثلي
العشائر والناشطين الليبراليين والاسلاميين.. وهكذا.
المجلس شُكل بناء على اختيار سلطة الاحتلال
ولم يكن للمجتمع دور في انتخابه، ومن ثم تعذر نسبته الى الممارسة الديموقراطية من
أي باب. الأخطر من ذلك أن صلاحيات المجلس غير محدودة، وليست هناك أية وثيقة تحدد
مهمته او علاقته بسلطة الاحتلال، حيث يفترض أنه يمثل شعب البلد الخاضع للاحتلال.
وهو الأمر الذي يثير القلق، ويشكك حتى إشعار آخر على الأقل في جدية الخطوة
ومقاصدها.
في كتاب الورطة الاميركية في العراق ما زلنا
نتابع فصل <<الكذب والخديعة>> في مسوغات الحرب. وها هو نائب وزير
الدفاع يفتتح حديثا آخر في فصل <<الأخطاء الغبية>>، ولا يزال الكتاب
مفتوحا لإضافة فصول اخرى. وقد تسلينا مطالعة هذه الفصول او ترطب جوانحنا، وفي هذا
وذاك ينبغي ألا يغيب عن بالنا أمران، أولهما ان تجاوز الشعب العراقي لمحنته
واستعادته لحريته وكرامته هما أهم عندنا من غرق الاميركيين في مستنقعه. الامر
الثاني ان الذين ارتكبوا تلك الحماقات والأخطاء الغبية هم أنفسهم الذين يباشرون
عملية رسم الخرائط الجديدة للشرق الأوسط، وهو ما يلقي على المستقبل بظلال كثيفة
غير مطمئنة.
هل نلومهم، أم نلوم الذين انبطحوا أمامهم،
وأفرغوا الساحة لتخبطهم وعربدتهم؟
نقلا
عن السفير