هل حققت زيارة عباس أهدافها؟
لقد تباينت الآراء حول نتائج زيارة رئيس
الوزراء الفلسطيني »محمود عباس« الى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الاميركي
»جورج بوش« في البيت الابيض في مطلع هذا الاسبوع. فهناك من رأى بأن هذه الزيارة
كانت ايجابية حققت نتائج طيبة، منها استئناف الاتصالات بين السلطة الوطنية
الفلسطينية والولايات المتحدة الاميركية، والتي قطعت بعد فشل قمة كامب ديفيد عام
2000 برعاية الرئيس الاميركي السابق »بيل كلينتون«. وتحميل الرئيس الفلسطيني »ياسر
عرفات« سبب هذا الفشل، وعزوف الرئيس الحالي »جورج بوش« عن التدخل في النزاع
الفلسطيني - الاسرائيلي، واطلاق يد شارون لمواصلة اعماله الاجرامية في الاراضي
الفلسطينية المحتلة وتصعيدها، وتفرغ الادارة الاميركية للملف العراقي والذي اسفر
عن غزو العراق واحتلالها، مما قد يعُد تطبيقاً لنظرية »هنري كيسنجر« التي شرحها في
مقال نشره في آب عام ،2001 عنوان »الطريق الى القدس يمر ببغداد«.
ان الذين ينظرون بايجابية الى عملية استئناف
الاتصال بين الفلسطينيين والادارة الاميركية يقولون بأن ذلك هام وضروري، اذ انه،
على الرغم من انحياز الولايات المتحدة الكامل لاسرائيل، وموقف الرئيس الحالي »جورج
بوش« الداعم بشكل مطلق، وغير مسبوق، لحكومة ليكودية متطرفة برئاسة »ارئيل شارون«،
فان الولايات المتحدة تظل القوة العالمية الوحيدة القادرة على لجم اسرائيل
وايقافها عند حدها، وبخاصة بعد ان تجاوزت حكومة شارون جميع الحدود، واستخدمت كل
وسائل العنف والاجرام ضد الفلسطينيين، وجعلت حياتهم جحيماً لا يطاق، ولم تعد لهم
القدرة على تحمل المزيد، وبخاصة بعد قطع موارد الدعم عنهم من الهيئات والمنظمات
الخيرية التي اتهمتها الولايات المتحدة بأنها تدعم الارهاب وتمول العمليات
الارهابية، ووضعت حماس والجهاد الاسلامي على قائمة الارهاب.
ويرى هؤلاء بأن قطع العلاقات مع الولايات
المتحدة الاميركية، لا يلحق الضرر الا بالفلسطينيين دون سواهم، وانه لا يمكن
الاعتماد على الاوروبيين وحدهم، ولا على العرب ما دام دورهم لا يتعدى الرجاء
والتوسل من الادارة الاميركية، كما اعترف بذلك مسؤول عربي، وطالما لا تضع اسرائيل
اي وزن لهم.
لقد اشادت السلطة الفلسطينية، وعلى لسان وزير
الاعلام »نبيل عمرو« بهذه الزيارة وعدتها ايجابية، فقد استقبل »محمود عباس« في
البيت الابيض استقبالا ودياً، وعومل كرئيس دولة ورحب به الرئيس الاميركي، واستمع
منه، واطلع على الموقف الفلسطيني من عملية السلام، ومعاناة الفلسطينيين من وطأة
الاحتلال وما يتعرضون له من متاعب واذلال على الحواجز التي اقامتها اسرائيل،
واستمرار اسرائيل في عملية الاستيطان، ورفض حكومة شارون اطلاق سراح المعتقلين
الفلسطينيين الذين يربو عددهم على ستة آلاف معتقل.
وابدت السلطة الفلسطينية ارتياحها حينما
انتقد الرئيس »جورج بوش« الجدار الامني الذي تقيمه اسرائيل وصادرت لأجله مساحات
واسعة من الاراضي الفلسطينية، تزيد نسبتها عن 10% من مساحة الضفة الغربية، مما حول
المناطق الفلسطينية الى معازل تذكرنا بسياسة الفصل العنصري في جنوب افريقيا في
الماضي، وقطعت الاتصال بين عدد من القرى والبلدات والمدن الفلسطينية والعالم.
انتقد الرئيس »بوش« هذا الجدار الأمني
الاسرائيلي قائلا: »اعتقد ان الجدار مشكلة. وقد ناقشت ذلك مع ارئيل شارون«،
واسترسل في نقده: »من الصعب جداً بناء الثقة بين الفلسطينيين والاسرائيليين مع
جدار يتلوى كالثعبان عبر الضفة الغربية. وسأستمر في مناقشة هذه المسألة بكل صراحة
مع رئيسي الوزراء الفلسطيني والاسرائيلي.
وفي الجهة المقابلة يرى كثيرون بأن رحلة
»عباس« لم تحقق الأهداف التي كانت السلطة تتوقعها، وان الاستقبال الحار الذي
استقبل به »محمود عباس« لم يسفر عنه اي دعم اميركي حقيقي للفلسطينيين. فعلى الرغم
من شرح »عباس« اوضاع الفلسطينيين البائسة تحت الاحتلال الاسرائيلي، الها انه لم
تصدر اي كلمة من بوش« تطمئن الفلسطينيين وتطالب الاسرائيليين بوقف الاستيطان، ورفع
المعاناة عن الفلسطينيين، والافراج عن المعتقلين، بل على العكس من ذلك، فقد ابدى
»بوش« تعاطفا مع الموقف الاسرائيلي، وتفهما لاسباب رفض حكومة »شارون« اطلاق سراح
المعتقلين، الذين عدهم ارهابيين ايديهم ملطخة بدماء الاسرائيليين. وعلاوة على ذلك،
فقد صرح وزير الخارجية الاميركي »كولن باول« بأن اقامة الدولة الفلسطينية في عام
،2005 كما نصت على ذلك »خريطة الطريق« غير ممكنة يضيف الوقت، وهذا يعد اول تراجع
عن اهم بند من بنود خريطة الطريق التي تعلق عليها السلطة الفلسطينية آمالها.
وهذا التراجع يمكن اعتباره مؤشراً سلبياً،
على الرغم من ان الخريطة لن تحقق للفلسطينيين - ان التزمت اسرائيل بتطبيقها »الحد
الادنى من حقوقهم ومطالباتهم. وعلى الرغم من ان السلطة الفلسطينية قد نفذت مسبقاً
معظم بنود المرحلة الاولى من الخريطة، وقبل ان توافق عليها اسرائيل. ورغم ان
المنظمات والفصائل الفلسطينية وافقت على الهدنة والتزمت بها واوقفت جميع عمليات
المقاومة ضد الاحتلال، الا ان شارون رفض هذه الهدنة معللا ذلك بأن اسرائيل لا
تعترف بمنظمات وفصائل يعدها ارهابية، ويطالب بنزع اسلحتها وتفكيكها معتمداً على
احد بنود خريطة الطريق. وبطبيعة الحال فان الادارة الاميركية تؤيد هذا الموقف،
واعلنت عن ذلك مراراً.
ان الذين يعلقون آمالهم على خريطة الطريق،
سيصابون بخيبة الأمل. وان لقاء »شارون« بالرئيس الاميركي »بوش« لن يسفر عن اي شيء
لصالح الفلسطينيين، بل على العكس من ذلك سيقع الرئيس الاسرائيلي الادارة الاميركية
بموقف اسرائيل الرافض لاطلاق سراح جميع المعتقلين الفلسطينيين، وسيرحب »بوش«
بالافراج عن 540 معتقلا فقط، ويعتبرها خطوة جيدة من شارون يجب ان تتبعها خطوات من
الفلسطينيين مثل نزع اسلحة الفصائل والمنظمات الفلسطينية وتفكيك بنيتها التحتية.
اما بالنسبة للاستيطان فلن تتوقف حكومة شارون عن انشطتها الاستيطانية، ولن تفكك
الا ما تسميه »البؤر الاستيطانية غير الشرعية« والتي اقيمت لاغراض تفاوضية، علما
بأن جميع المستوطنات في الضفة والقطاع غير شرعية، وصدر الكثير من القرارات الدولية
التي تشجبها وتطالب بازالتها.
ان الادارة الاميركية الحالية لن تستطيع
الزام اسرائيل بشيء، فعمر هذه الادارة اصبح قصيراً، وهي ستنشغل من الان فصاعداً
بالاعداد للانتخابات الاميركية التي باتت على الأبواب، وان اهتمام الرئيس الاميركي
صار منصباً على كيفية الفوز بولاية ثانية. ولكن اللوبي الصهيوني واليمين المسيحي
المتطرف والمتصهين لن يكافئه على انحيازه الكامل لاسرائيل بشكل غير مسبوق، ولن
يتركوا له فرصة جني ثمار حروبه التي شنها على الارهاب واحتلاله لكل من افغانستان
والعراق، وانما سيتصيدون له الاخطاء ويخلقون له المشاكل. وقد بدأت بوادر ذلك تلوح
في الأفق، مثل اتهام الادارة الاميركية بعدم اهتمامها بالاوضاع الاقتصادية المحلية
المتدهورة، وهي نفس الاسباب التي استخدمت ضد فوز جورج بوش الأب بولاية ثانية عام
1992. وعلاوة على ذلك فان الادارة الحالية متهمة اليوم باخفائها وتزويرها للحقائق
التي بررت بموجبها احتلال العراق. ولا شك في ان تصاعد المقاومة العراقية لن يكون
لصالح هذه الادارة.
ولذلك فنحن نتفهم اقدام القوات الاميركية في
العراق على قتل ولدي صدام حسين، »عدي« و»قصي«، وابراز صور جثتيهما عبر وسائل
الاعلام والقنوات الفضائية رغم مخالفة ذلك للقوانين الدولية، والسعي الحثيث لالقاء
القبض على صدام حسين او قتله. وتريد الادارة الاميركية استثمار ذلك وكسب الرأي
العام الاميركي. ولكن اللوبي الصهيوني الاميركي سيحاول افشال »بوش« بالفوز بولاية
ثانية، لأنه استنفذ اهدافه وغاياته من هذه الادارة، ولم يعد لدى الرئيس »بوش« ما
يقدمه لليهود اكثر مما قدمه. وهذه سياسة اصبحت مكشوفة ومعروفة لجميع الذين يتابعون
سياسة لعبة الانتخابات الاميركية.