لقاء مبارك بالطلاب .. حدوته مصرية كوميدية هزلية!!
بقلم أسامة الهتيمي
اعتدنا كل عام أن يلتقي الرئيس المصري حسني
مبارك بطلاب الجامعات المصرية خلال معسكرهم الصيفي وهو اللقاء الذي يعتبره النظام
فرصة للتواصل مع شباب مصر - الذين هم قادة المستقبل - كي يستفيدوا من خبرة وحكمة
القيادة السياسية وكي يكون حوار ا يمكن من خلاله أن يطلع شباب مصر على مستجدات
الوضع السياسي والاقتصادي بالنسبة للكنانة من خلال الأسئلة التي يطرحها الطلاب في
كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية على السيد الرئيس والتي هي بلا شك جاءت نابعة
من الطلاب أنفسهم دون تدخل من أحد تجسيدا لمعنى الديمقراطية الحقيقي! .
ويشارك في هذا اللقاء الديمقراطي الكثير من
أساتذة الجامعات الذين دعوا أيضا ليكونوا بجوار طلابهم يدفعونهم ويحمسونهم في
المشاركة بفاعلية وجدية في هذا الحوار الذي لا يجرى إلا كل عام .. وهنيئا لمن
تأتيه الجرأة والشجاعة فضلا عن الثقافة والإطلاع لتتاح له الفرصة أن يسأل سيادة
الرئيس سؤالا في أي شأن ولا يمنع ذلك من التفوه بعدة كلامات تعبر عن المبايعة ومدح
السياسة الحكيمة .. فضلا عن تلك الفرصة التي يظهر فيها عبر شاشة التلفاز وهو في
صحبة الرئيس .
ويخرج الشكل النهائي للمصريين وكأن الأمور
كلها طبيعية فالرئيس يلتقي بالطلاب على صغر سنهم ليتحاور معهم وينقل لهم حقيقة
الأوضاع التي ربما نقلت لهم مغلوطة ومبالغ فيها عن طريق هؤلاء "المبالغون
دائما "أقصد "المعارضون دائما" والذين يسعون إلي تشويه صورة مصر
تدفعهم لذلك رغبة عفنة في الوصول إلى الحكم دون أن يتحلوا بأي قيم وطنية أو
أخلاقية.
ويصفق الطلاب ويبتسم الأساتذة وتنهال الكلمات
المادحة وتكتب الصحف ويعلق الكتاب ويتناقل الناس نص الحديث وينحرق "المبالغون
دائما" أقصد "المعارضون دائما" .
ولأنني واحد من "المبالغين دائما"
أقصد "المعارضون دائما" فلن أترك نفسي تنحرق وسأحاول أن أطفئ النار
بداخلي وأصرخ وأقول إن لقاء الرئيس مبارك بطلاب وشباب الجامعات ما هو إلا مسرحية
هزلية يشرف على كتابتها وإخراجها وزراء التعليم العالي ومساعديهم من رؤساء
الجامعات .
ما معايير اختيار الطلاب
ولنبدأ القصة من أولها .. منذ البدء في إعداد
هذا اللقاء والسؤال هو كيف يتم اختيار هؤلاء الطلاب وما هي الشروط الواجب توافرها
فيهم ؟ ومحاولة للإجابة أحاول أن أضع مجموعة من المعايير ربما تنضبط على هؤلاء
الذين يفوزون بفرصة اللقاء التاريخي .. فيمكن أن يكون التفوق الدراسي هو الأساس في
عملية الاختيار أو أن يكون التفوق الثقافي والفوز بجوائز المسابقات والأبحاث
والدراسات هو شرط الاختيار أو ربما يكون ما هو معروف عن الطالب من المشاركة
السياسية الفاعلة سواء بالانخراط في الأحزاب أو الاتحادات الطلابية هو
المعيار لضم الطلاب لصفوف
الحظوة .
إلا أن كل هذا لا ينطبق بالضرورة على هؤلاء
الطلاب فقد قضيت أربع سنوات دراسية داخل الجامعة التقي خلالها الرئيس مبارك بطلاب
الجامعات أربع مرات دون أن أدري على أي أساس يشارك هؤلاء ويبعد هؤلاء .. ولم أكن
يوما ما من المختارين مع أني كنت واحدا من أكثر الطلاب نشاطا كما لم يتم اختيار
أحد أصدقائي من المتفوقين دراسيا والذين هم الآن أعضاء في هيئات التدريس بالجامعة
..إن الأمر كله لا يعدو أن يكون مجرد اختيار وتزكية من قبل الأساتذة والموظفين
تصاحبها موافقة أمنية من جهاز أمن الدولة لمن يتم اختيارهم وغالبا ما يكون هؤلاء
الطلاب ممن هم من المنتمين للحزب الحاكم أو أن يكونوا أولادا وأقرباء لمسئولين في
الدولة يضاف إلى ذلك مجاملات الموظفين الكبار لأولاد أصدقائهم وأحبائهم .
فكيف بعد ذلك يكون هؤلاء هم ممثلي شباب وطلاب
مصر وقد تم اختيارهم بطريقة غامضة
وبلا أية معايير معلنة ؟
بروفات المسرحية
ولأنني أيضا لم أحظى بشرف المشاركة في أي سنة
من السنوات في اللقاء مع الرئيس مبارك – مع أنها كانت أمنيتي طوال السنوات الأربع
– فليس لي أن أخمن ما يحدث خلال معسكر الطلاب الذي من المفترض أن ينتقى منهم من
يلتقي بسيادة الرئيس حتى نقل لي أحد زملائي ممن شاركوا في هذا المعسكر تفاصيل
البروفات التي يجرى إعدادها استعدادا لهذا اللقاء .. وأكد لي صديقي هذا أن
المشرفين على المعسكر يقومون باختيار الطلاب الذين سيحضرون اللقاء ومن ثم يتم
اختيار من يحالفه القدر ويطرح سؤالا على الرئيس ثم يعطى له السؤال قبلها بعدد من
الأيام يقوم خلالها الطالب بحفظه والتدريب عليه ليلا ونهارا - في مشهد يذكرنا
بطلاب الأزهر خلال حفظهم القرآن - حتى لا يصيبه التوتر خلال إلقاء السؤال ومنهم من
يدرب على عدة كلمات يقدمها بين يدي الرئيس وآخرون يلقون قصائد من الشعر في امتداح
السيد الرئيس .
وعلى الرغم من كل هذا الإعداد فإن الشكل
النهائي لا يمكن أن يقنع الرجل العادي في الشارع المصري بأن الأمر يبدو طبيعيا
وبفطرة سليمة وعفوية وفهلوة يستطيع كل المشاهدين أن يصفوا كل ما يحدث من قبل
الطلاب بأنه دور تمثيلي تم إعدادهم عليه ومع ذلك فإنهم لم يتقنوه .. يشير إلى ذلك
بعض الطلاب الذين تأخذهم الجلاله ويخلطون الأمور فيلقون الأسئلة وكأنها قصائد شعر
أو خطب عنترية .
شباب المعارضة
ولا أنسى أنني منذ عدة سنوات كنت قد أجريت
تحقيقا صحفيا في صحيفة الشعب – رحمها الله – وجهت خلاله رسالة إلى سيادة الرئيس مبارك بأن شباب أحزاب
المعارضة يتمنون لقاءك ولو لعشر دقائق فإن كان سيادتكم رئيسا للحزب الوطني الحاكم
ومن حق شباب هذا الحزب أن يلتقوا بكم فإنكم أيضا رئيس جمهورية مصر العربية ومن حق
كل شباب مصر أن يلتقوا بكم .. وفي مصر سيادة الرئيس خمسة عشر حزبا من حق ممثلي هذه
الأحزاب أن يجالسوك يسمعون إليك وتسمع إليهم .. وثق تماما يا سيادة الرئيس أنك
ستسمع الكثير مما يؤكد لك أنه ما زال في مصر من يحلم بالخير لهذه البلد ويحمل بين
جنبات نفسه همومها وقضاياها .
سيتكلمون مع سيادتكم بعفوية لا تعبر إلا عن
هموم الشعب الحقيقة دون تجمل أو مزايدات سينقلون لسيادتكم ما يعانية الملايين من
شباب تحطمت كل أحلامه وأماله في مستقبل يكتنفه الغموض حتى أصبح الإحباط واليأس هو
امتدادات أبصارهم.
سيطالبون سيادتكم بمطالب ربما لن تسمع ولن
تجد من بين من هم حولكم من يعلنها على أسماعكم .. سيرجون سيادتكم بالإفراج عن
الآلاف من المعتقلين الشباب الذين لم تقترف أيديهم أي جريمة ولم يعتقلوا إلا لأراء
بحكم الواقع والتاريخ قد تم تجاوزها فضلا عما أعلن عنه أصحاب هذه الأفكار من خطئها
وعدم جدواها.
سيطالبون سيادتكم بالتدخل السريع لتحقيق
العدل وتكافؤ الفرص الذي يعيد لهم الولاء والانتماء الذي كادت أن تفقده قطاعات
عريضة من شباب مصر .. مصر التي كان يتغنى بها أبناءها وكانوا يرونها أم الدنيا .
سيقولون لسيادتكم أرحنا من هؤلاء الذين
يعيثون في الأرض فسادا تحت سمع وبصر
كل العالم ينهبون الملايين ويهربون .
سيرجون سيادتكم بإعادة النظر فيما يسمى
بالتعليم الخاص الذي أفقد الفقير آخر حلم له ليتساوى مع الأغنياء الذين ظنوا أن
الدنيا لهم وحدهم .. وليحققوا ذواتهم بعد جهد وعمل للتفوق والتميز .
سيقولون لسيادتكم إننا في حاجة سريعة إلى خطة
تنتشلنا مما نحن فيه من البطالة والضياع نريد أن نعمل نريد أن نشعر بأن لنا قيمة
في هذا المجتمع .. سيحكي بعضهم لسيادتك عن شباب مر على تخرجهم ما يزيد عن عشر
سنوات نسي خلالها ما درس وما تعلم دون أن يعمل .. وإذا ما طالب بحقه في العمل قيل
له أذهب وتعلم حرفة تنفعك .. فكيف سيادة الرئيس يتحول أبناؤنا الجامعيون الذين
تكلفت الدولة سنوات طويلة لتعليمهم كيف يتحولون إلى سباكين وكهربائيين وبنائين ..
الخ – مع احترامي لهذه المهن – فإذا كان الأمر بهذه الصورة فكان من الأولى اقتصار
الطريق والحصول على أي شهادة متوسطة دون إرهاق المذاكرة والتعليم .
سيقولون لسيادتكم كيف نقول لأبنائنا - هذا إن
كان سيكون لهم أبناء أو أن يتزوجوا من الأساس - كيف سنقول لهم ذاكروا واجتهدوا
وحبوا بلادكم وانتموا إليها واعتزوا بها وها نحن هذا حالنا لا عمل بعد تعليم وها
هي حياتنا بمشقة في ظل ارتفاع دائم للأسعار دون رقابة أو مراعاة لتدني أجور وها هي
فوارق طبقية تتسع يوما بعد يوم وهاهو تدني في المستوى التعليمي في المدارس
الحكومية حتى تحولت المدارس هاجس يثير قلق الأباء إزاء أبنائهم .
سيستجدون سيادتكم بأن تكون هناك انتخابات
نزيهة نيابية كانت أو محلية أو نقابية تشارك فيها كل التيارات السياسية بحرية
كاملة ويشرف عليها القضاء ولا تكون لوزارة الداخلية علاقة بها إلا من الخارج ولضبط
الأمن .
سيقولون لسيادتكم خفف عنا ما نلاقيه من
الداخلية وجهاز أمن الدولة والاعتقالات العشوائية والاحتجازات الغير مبررة.
سيطالبون سيادتكم بترك حرية الانتماء إلى
الأحزاب وممارسة النشاط السياسي حسبما يقر القانون والدستور .
سيطالبون بمجلس شعب بحق يعبر عن رغبات
ومتطلبات الشعب ويكون قادر ا على المشاركة في سن القوانين عن وعي وإدراك بأهميتها
.
سيوضحون لسيادتكم إلى أي مدي استشرى الفساد
في المؤسسات الحكومية وإلى أي مدى أصبحت الرشوة هي المفتاح السحري لإنجاز أي عمل
.. إلى أي مدى لم يعد للفقير أي أمل في أن يحيا حياة كريمة بعدما يرى أن كل الطرق
مسدودة .. سيقولون لسيادتكم أن الآلاف بل الملايين من الشباب اقتصرت أحلامهم على
أن يكون له شقة أو عمل دون أي تطلعات أخرى مما جعل الكثيرين منهم يحلمون بترك مصر
غير آسفين .
سينبئون سيادتكم إلى أي مدى وصلت حالة
اللاأخلاقية في المجتمع المصري حتى تحولت الشوارع إلى ما يشبه غرف النوم مما يثير ويستفز
مشاعر الملايين من شبابنا في الوقت الذي لا يستطيعون فيه أن يقيموا علاقة شرعية
..مع التأكيد على استبعاد الحديث عن الحرية الشخصية والتي تشمل الكلام والملبس
والبارفان .. إلى ما غير ذلك .
سيدي الرئيس ربما يكون مثل هؤلاء سوداوييون
لاتنتهي طلباتهم لكنهم يأملون في
سيادتكم ما هو أكثر من ذلك .
اقتراح
لذلك فأنا أقترح على سيادتكم أن يتم توجيه
الدعوة إلى أحزاب المعارضة لترشيح واحد من شبابها للمشاركة في لقاء سيادتكم بهؤلاء
تسمع لهم ويسمعون لكم ربما تتغير أفكار كثيرة لديهم جاءت نتيجة لتشوية
"المبالغون دائما" اقصد "المعارضون دائما" .
وأتمنى سيادة الرئيس لو أن أكون واحدا منهم
فأنا في الأساس كنت أحد الكوادر الشابة في أحد الأحزاب التي أتمنى أن يرحمها الله
.. وأؤكد لك سيادة الرئيس أننا لا نرجو إلا مصلحة مصر ولا ،أمل إلا تقدمها حتى
تعود من جديد شامخة رافعة الرأس ونظن أن ذلك لن يتأتى إلا بإصلاح يشمل كافة
المناحي .
سيدي الرئيس ربما لا تصلك هذه الكلمات ولن
تصلك لكننا اعتدنا نحن الذين ابتلينا بالقلم والكلام أن نكتب كل ما نتمناه حتى لو
كنا متيقنين من أن لا فائدة منه .