السير في طريق الوهم .. إلى متى ؟
بقلم : الدكتور عبد العزيز الرنتيسي
منذ انطلاقة ما يسمّى زوراً و بهتاناً
بالعملية السلمية و نحن نعايش نفس اللعبة ، الصهاينة يخادعون المفاوض الفلسطيني ،
و المفاوض الفلسطيني يجد نفسه مرغماً على اعتبار ما يقدّمه الجانب الصهيوني للشعب
الفلسطيني إنجازاً سياسياً رغم يقينه أنه لا يعدو الخداع بعينه .
في بداية الأمر كان المفاوض الفلسطيني يظن
أنه قادر على أن يحقّق شيئاً يمكن أن يسمّيه إنجازاً سياسياً مقنعاً للشعب
الفلسطيني ، أي أن المفاوض الفلسطيني في البداية قد وقع فعلاً في شرك الخداع
الصهيوني ، و لا أشك أنه كان وقتها واثقاً و مطمئناً إلى سلامة المسيرة التي
اعتمدها لبلوغ أهدافه المتواضعة التي اعتبرها أهدافاً وطنية ، و أن تحقيقها كافٍ
لإنهاء الصراع مع العدو الصهيوني ، و انطلاقاً من هذا الفهم الخاطئ لطبيعة الصراع
و لحقيقة نوايا العدو الصهيوني قامت السلطة عام 1996م بضرب الحركة الإسلامية لشلّ
المقاومة و إجهاض الانتفاضة ، و لكن مع مرور الأيام وجدت السلطة نفسها تدور في
حلقة مفرغة ، و بدأ المفاوض الفلسطيني يشعر أنه يسير في نفق مسدود ، و لكنه للأسف
الشديد لم يعد قادراً على الإقرار بالحقيقة أو الخروج من النفق ، و من هنا بدأ المفاوض
مرحلة جديدة انتقل فيها من مخدوع
يفتقر إلى الحقيقة إلى عالم بالحقيقة و لكنه لا يستطيع أن يبوح بها ، بل وجد نفسه
مضطراً لتسويق الخداع الصهيوني على الشعب الفلسطيني ، لأن هناك مشكلة حقيقية تكمن
في أن العديد من عناصر السلطة أصبحوا أمام خيارين إما أن يغضّوا الطرف و يبيعوا
الوهم أو يفقدوا كلّ المكتسبات على الصعيد الشخصي مغامرين بمستقبلهم السياسي ، و
لم يكن هذا الهروب من المصير المحتوم من قبل هذه العناصر إلا هروباً مؤقتاً ، و
لكن هذا الحال الذي بلغه المفاوض الفلسطيني بات مؤرّقاً للكل الفلسطيني الذي أصبح
مطلوباً منه أن يراعي هذا الوضع الخطير خشية الوقوع في فتنة داخلية .
و انطلاقاً من هذا الواقع بات المفاوض
الفلسطيني مضطراً لتسويق الوهم على الشعب الفلسطيني خاصة في مواطن المفاصلة
السياسية حيث الخشية على المستقبل ، فرغم ما ارتكب العدو من جرائم بحق الشعب
الفلسطيني من قتل و تخريب و تدمير للحياة إلا أن المفاوض الفلسطيني يجد نفسه
مضطراً للقول إن السلام هو الخيار الوحيد ، و رغم إعلان شارون نهاية أوسلو قولاً و
فعلاً إلا أن المفاوض الفلسطيني لا يزال متشبثاً بها على أنها الطريق إلى السلام ،
و بالرغم من ترسّخ القناعة لدى المفاوض الفلسطيني أن طريق المفاوضات طريق عقيم إلا
أنه يعتبره خياراً استراتيجياً ، و رغم أن الحديث عن السلام كان متزامناً مع فعل
صهيوني على الأرض يتناقض كلياً مع السلام كبناء المغتصبات ، و مصادرة الأراضي لشق
الطرق الالتفافية ، و تهويد المقدسات ، و إغلاق المؤسسات ، و هدم البيوت ، إلا أن
المفاوض الفلسطيني كان مصراً على الجلوس على طاولة المفاوضات و لا ينسى أن يبشرنا
بالسلام العادل و الدائم و الشامل ، و لا ينسى أيضاً عند خروجه من جولة المفاوضات
أن يبشّرنا بأن الأجواء كانت إيجابية متجاهلاً هدير الجرافات الذي يقوّض مشروع
الدولة الفلسطينية .
و عليه فلا غرابة أن يعبّر أحد الوزراء عن
ارتياحه للقاءات واشنطن معتبراً أن اختراق الجدار الأمريكي للوصول إلى البيت
الأبيض قمة الإنجاز ، فلا عبرة إذن لما سيتمخّض عنه اللقاء و لكن العبرة كلّ
العبرة في الاستقبال الدافئ في البيت الأبيض ، مع أن الحكومة الجديدة لا تجهل أن
أكثر من استقبل في البيت الأبيض هو الرئيس عرفات المحاصر الآن بمباركة و دعم من
البيت الأبيض ، و أعتقد أن الحكومة الجديدة لا تجهل أيضاً أن منتجع أو
"معتقل" كامب ديفيد كان شاهداً على موقف البيت الأبيض المنحاز تماماً
لصالح العدو الصهيوني ، و لقد أخبرنا قادة المفاوضات في كامب ديفيد أن الجانب
الصهيوني لم يعرِض على الجانب الفلسطيني شيئاً يمكن أن يقبل به الشعب الفلسطيني ،
مع أن الذي أشرف على المفاوضات من قبل البيت الأبيض كان "بيل كلينتون"
الذي أبدى اهتماماً كبيراً و تعاطفاً نوعاً ما مع الجانب الفلسطيني و ليس
"بوش" الذي تسيطر عليه العقلية الصهيونية لأنه يؤمن بالتوراة أكثر من
إيمان "شارون" بها ، كما أن الذي كان يترأس المفاوضات من الجانب
الصهيوني هو "باراك" زعيم حزب العمل أو ما يسمّى بمعسكر السلام و ليس
"شارون" زعيم الليكود و معه اليمين المتطرف ، و قد قال لي قادة
فلسطينيون حضروا كامب ديفيد أن الذي عرض على الجانب الفلسطيني في كامب ديفيد هو
أقصى ما يمكن أن يصل إليه اليسار الصهيوني ، و يعتبر خيانة من قبل اليمين الصهيوني
، فماذا يعني التشبث بالمفاوضات كخيار استراتيجي في ظلّ هذه المعطيات البائسة ؟ هل
يعني شيئاً غير القبول بالخداع و التناغم مع الوهم .
فأيّ ارتياح هذا الذي تملك زمام فؤاد هذا
الوزير ، و قد ذهب الوفد الفلسطيني إلى واشنطن و على رأس سلّم أولوياته الإفراج عن
المعتقلين ، و الوفد الفلسطيني يعلم جيداً أن المقصود هو الإفراج عن أولئك الذين
حكم عليهم بالسجن المؤبد ، و الذين أمضوا أعواماً طويلة خلف القضبان منهم من أمضى
أكثر من عشر سنوات و منهم من قفز على الخمسة عشر سنة و منهم من زاد على العشرين ،
فإذا أعلن بوش موقفاً واضحاً ضد الحرية لهؤلاء الأبطال متناغماً في ذلك مع موقف
"شارون" القائل بعدم الإفراج عن كلّ من على يديه دم يهودي فيقول "بوش"
بكلّ صراحة : "بالتأكيد لا نريد أن نعطي القتلة بالدم البارد أن يفرَج عنهم
فيمسون بالمسيرة السلمية" ، فهل يعقَل بعد هذا القول أن يكون الوفد الفلسطيني
مرتاحاً و متفائلاً ؟!! و هل يمكننا أن نطمئن للصهيوني "بوش" الذي لا
يرى أن اليهود الأمريكان و الروس و الأوروبيين الذين تركوا أوطانهم و اغتصبوا
فلسطين و ذبحوا أبناءها في مئات المذابح أنهم قتلة ، بينما يعتبر ضحايا العدوان
الصهيوني الذين يدافعون عن وطنهم و شعبهم و مقدساتهم قتلة يجب أن يبقوا خلف
القضبان .
فإن قيل ألا يعتبر قول "بوش"
إنجازاً عندما قال : "أنا أعتقد أن السور هو مشكلة و بحثت في ذلك مع شارون .
من الصعب تطوير ثقة بين (إسرائيل) و الفلسطينيين عندما يكون هناك سور يتلوّى في
الضفة الغربية" .. نقول إن هذه الصياغة لم تتجاوز صيغة العتاب اللطيف ،
"فبوش" لم يطالب الصهاينة ، و لم يهدّدهم ، و لم يعِد باتخاذ إجراءات
عقابية ضدهم ، كما أننا تعوّدنا على أن هذه الصيغ لا تجدي نفعاً و لا تعدو كونها
ضحكاً على الذقون ، فكم من مرة انتقدت أمريكا الاستيطان فهل توقف ؟ أم أنه تمدّد ؟
و هكذا سيحدث بشأن السور ، و لقد أعلن "شارون" تشبثه بالسور بعد تصريح
"بوش" و كلّي ثقة أن "بوش" سيتفهم الحاجة الصهيونية لهذا
السور ، فهل نتفهم الحاجة الفلسطينية لعدم تسويق الوهم ؟!!!! .