النظام الجزائري واحتراف التضليل
إن النظام المنبثق من الانقلاب على الشرعية
في يناير 1992 قد مارس التعذيب على نطاق واسع حتى أصبح من الإجراءات المعتاد عليها
والمعمول بها في مخافر التحقيق سواء كانت مراكز الشرطة أو المخابرات العسكرية أو
غيرها من الأجهزة، ولا يخفى على أحد أن النظام مارس التعذيب منذ استقلال البلاد
إلى يومنا هذا. وهذا الإجراء كان يستعمل ضد معارضي النظام وكان يستعمل كذلك من قبل
كبار المسؤولين ضد أشخاص لهم خلافات شخصية معهم أو على سبيل السطو على ممتلكاتهم
بالقوة. وهذا ليس غريب بالنسبة لنظام استبدادي لا يعرف معنى دولة القانون ولا
الاقتصاص من الظالم مهما كان منصبه في الدولة ولا نصرة المظلوم مهما كان وضعه
الاجتماعي.
ولقد كانت فترة الانفتاح السياسي (1989 إلى
1991) قد عرفت البلاد خلالها حريات حقيقية وسير نحو دولة القانون، ولو استمرت تلك
التجربة لكانت البلاد قد تخلصت من الاستبداد وظلم الحكام ولعاش الجزائريون في كنف
العدل لا يضيع من أحدهم حق ولا يفلت ظالم من اقتصاص العدالة. وإن كان النظام قد
مارس التعذيب منذ نشأة البلاد فإنه بعد مصادرة اختيار الشعب من قبل الجنرالات وحكم
البلاد بالقوة العسكرية وخارج الشرعية أصبح الاعتقال العشوائي للمعارضين السياسيين
وتعذيبهم وإعدامهم خارج نطاق القانون أمر شائع، وباسم مكافحة الإرهاب ارتكبت جرائم
فظيعة في حق الأبرياء العزل، فكم من نفس ماتت على طاولة التعذيب، ولعل المفقودين
الذين يبلغ عددهم ما بين عشرة آلاف وعشرين ألفا هم من هؤلاء، ولطالما نادت الأصوات
الشريفة للتنديد بهذه الممارسات الغير الإنسانية. وللأسف الشديد جندت أصوات أخرى
باعت نفسها للاستبداد تدافع عن هذه الممارسات الفظيعة من قبل قوات النظام تارة
بنفيها وتارة بتضليل الرأي العام وتسليط الضوء على جماعات مجهولة الهوية وتحميلها
كل الفظاعات التي عرفتها البلاد. ولا يخفى على أحد أن هذه الأصوات هي من التيار
اللائيكي الاستئصالي الذي جعل نفسه الممثل الوحيد للديمقراطية وحقوق الإنسان في
البلاد. وهذا التيار لم يقبل هزيمته النكراء أمام التيار الإسلامي في الساحة
الديمقراطية في الانتخايات الحرة سنتي 1991 و1992، فاختار التحالف مع قوى
الاستبداد العسكري لاستئصال الإسلاميين وقمعهم بوسائل غير إنسانية.
ونفس التيار الذي كان يستميت في الدفاع عن
النظام ويرد عنه تهمة التعذيب وقتل الأبرياء عندما كانت الضحية من التيار الإسلامي
يكتشف اليوم أن وزير الداخلية الحالي يزيد زرهوني كان جلادا ومارس التعذيب عندما
كان مسؤولا في المخابرات العسكرية واستغل منصبه للسطو على أملاك أحد المواطنين،
فهل هي استفاقة من هذا التيار وعودة إلى جادة الصواب للتنديد بجميع الممارسات
الغير الإنسانية وتسليط الضوء عليها مهما كانت الضحية ومهما كان الجلاد أم أن هذا
داخل في صراعات أجنحة السلطة قد عرف الشعب الجزائري مثلها كالحملة ضد الجنرال
بتشين الوزير المستشار للرئيس زروال التي أدت إلى استقالة بتشين وزروال واحدا تلو
الآخر. ومن المعروف أن بعض قيادات المؤسسة العسكرية كانت في خلاف مع بتشين حين رأت
فيه منافسا قويا يهدد بقاءها في السلطة. ومعلوم أن وزير الداخلية هو أحد الأشخاص
الذين يرتكز عليهم بوتفليقة ولا يخفى على أحد أن هنالك صراع بين بوتفليقة والمؤسسة
العسكرية. ونريد أن نوضح أن هذه الصراعات هي من أجل مصالح شخصية وفي خدمة أشخاص
معدودين ولا يوجد بين أحد من المتنازعين من يسعى من وراء الصراع إلى تحقيق مصلحة
البلاد. ومن ينتظر حتى سنة 2003 ليكتشف أن زرهوني أحد كبار المسؤولين السابقين في
المخابرات العسكرية كان جلادا فإنه يريد أن يضحك على ذقون الناس، وقد جاءت مناسبات
عدة لمن أراد أن يبحث عن الحقيقة لتذكير زرهوني الذي يعطي دروس في الديمقراطية
وحقوق الإنسان بماضيه الجلاد وأنه لم يمر يوما عن طريق الانتخابات ولو في مجلس
بلدي، ولكن الصحافة ذات التوجه اللائيكي الاستئصالي قد ألفت التضليل الأعمى وتغيير
الحقائق وتزييفها، ومهما أطلقت على نفسها من مسميات كالحرة والمستقلة والقطب
الديمقراطي فهي أسوء من الصحافة الحكومية في تضليل الرأي العام وإخفاء الحقيقة.
وإنه لمن النفاق الإشارة بالبنان فقط إلى شخص
واحد أو إلى أفراد دون النظام تحميل النظام ككل، وإنه من التضليل التركيز على فترة
السبعينيات والتستر على العشرية الحمراء، فجرائم النظام كبيرة وكثيرة أولاها هو
وقف المسار الانتخابي ومصادرة اختيار الشعب، وهو مسؤول عن المآسي التي عرفتها
البلاد من إزهاق ما يقرب من مائة ألف نقس بشرية ومليون نازح ومهجر من جراء مضاعفات
الأزمة وعشرون ألفا مفقودا. ولذلك ندعو إلى المصالحة الوطنية ليس من قبيل المساومة
ولكن كضرورة تقتضيها مصلحة البلاد وعودة استقرارها، وقد يكون النظام المستفيد الأول
من المصالحة الوطنية.
نقلا عن نشرة الرباط التي تصدرها جبهة الانقاذ الجزائرية