اللعبة الأمريكية والداخل والخارج الفلسطيني

 

 

 

 

بقلم :الشيخ عبدالله الشامي

 

بلغت كثافة الحديث السياسي عن خارطة الطريق، حداً بات المرء يعتقد أمام هذا السيل من التصريحات والمؤتمرات، أن عليه تلقي وجبة يومية تضاف إلى طعامه وشرابه اسمها خارطة الطريق. أو بات يعتقد أنه ليس في الزمان إلا حكاية واحدة: اسمها خارطة الطريق. أحدهم يذكرنا بأن هناك احتلالاً أمريكياً للعراق. فنقول إننا نتذكر هذا مع تذكرنا أن هناك احتلالاً في فلسطين أيضاً، فيسأل: يا ترى هل عرفنا عدد ضحايا الحرب الأمريكية على العراق؟ أليس حرياً بنا أن نعرف على الأقل كم مات منا هناك.. وكم يموت منا (نحن العرب والمسلمين) يومياً هناك؟ نذكره أن الأمريكيين يقولون: إن "اللعبة الوحيدة المسموح بها الآن في المنطقة هي خارطة الطريق".

يمكننا أن نحتج على تعبير اللعبة. ولكنها كذلك. وللعلم فنحن في السياسة نستخدم كثيراً من التصريحات ذات المنشأ الأمريكي المحدد بطاولات القمار مثل: اللعبة، أوراق اللعبة، كشف الأوراق، الورقة الرابحة.. والورقة الخاسرة طبعاً.

الأمريكيون يتحدثون عن "لعبة" ولا يريدون تجاوزها، وما دامت هي لعبة فإنهم يحددون مسارها ما داموا هم من اخترعها وألقاها في التداول. وما نريد الإشارة إليه هنا، وهو للحقيقة مرتبط بالكلام آنف الذكر، أن المصطلحات والمفاهيم المتداولة في خارطة الطريق وتوابعها وتفريعاتها تؤسس انطباعاً زائفاً عن المشكلة تبدأ وتنتهي في أن يجهز محمد دحلان عناصره لينشرهم في التخوم  الفاصلة بين شمال قطاع غزة والأراضي المحتلة عام 48، وأن يمتلك قوة كافية لحماية نتساريم وكفار داروم. وإذا نجح، سوف يتولى حماية قبة راحيل في بيت لحم.. ثم إن هناك الكثير من المستوطنات المنتظرة مع تقدمه في النجاه، وحينها سننعم بسلام بوش حتى التخمة.

انطباع زائف آخر تؤسسه الخارطة المذكورة والمسقط منها ملف حق العودة لملايين الفلسطينيين، وهو أن الفلسطينيين هم الموجودون في الضفة والقطاع وحسب.وربما يقول بعضهم عن حق إن كل فكرة التسوية ومفاهيمها إنما تنطلق جميعاً من ضرب بديهيتين أساسيتين هما: وحدة الأرض الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني. إذ أن كل تسوية تعاني تقاسماً أو تنازلاً عن جزء/ أجزاء من فلسطين، وبهذا لن تعود الأرض موحدة، كما أن التنازل عن الأرض يفقد فلسطينيين حقهم في أرضهم فيكون الشعب غير موحد أيضاً.

خارطة الطريق لا تحيد عن هذه المفاهيم، بل إنها أكثر غلواً في تكريسها، وهذا دأب كل "مبادرة" جديدة من مبادرات التسوية، إذ هي تؤسس على ما سبقها مما يحمل معنى التنازل.هذه الخارطة تتجاهل وجود ملايين من الفلسطينيين المقتلعين من وطنهم، أكثر من ذلك، فإنها تصل حد نفيهم الكلي، وبالتعبيرات الأمريكية، تفترض أنهم "خارج اللعبة".  يمكن القول إن كل هذا مؤسس على غطرسة القوة وقوانين نفي الآخر الصهيونية ـ الأمريكية، ولكن إذا كان الأمريكيون يتحدثون عن "السلام"، فمثل هذا السلوك هو وصفة أكيدة لصناعة العكس تماماً.

من المعروف أن الثورة الفلسطينية المعاصرة قد انطلقت خارج فلسطين من أجل تحريرها، ومن المعروف أيضاً أن مدار كل الحركة الفلسطينية تركز على تأمين حق المقتلعين من أرضهم في تحريرها والعودة إليها. ولا يعني تبادل مراكز الثقل والجذب في الحركة الفلسطينية بين داخل الأرض المحتلة وخارجها، ولا يعني في أي حال انتفاء حق أي قطاع من هذا الشعب في أرضه ووطنه، فعندما كانت الحركة مركزة خارج الأرض المحتلة، لم يكن هذا يساوي انتفاء دور الفلسطينيين على أرضهم، ومنذ الانتفاضة الأولى وانتقال مركز الثقل إلى الداخل لم ولن ينتفي دور الفلسطينيين خارج أرضهم، على قاعدة أن كل مرحلة نضالية تحدد طبيعة المهمات لقطاعات الشعب الفلسطيني ما بين الداخل والخارج. وعملياً فإن هذه القاعدة تحكم العمل الفلسطيني منذ عقود.

بإزاء الهجمة الجديدة، والتي يراها بعضهم الأشد شراسة من كل ما سبق، سوف تفعل هذه القاعدة مجدداً. وقد كان عديدون قد اقترحوا صياغات محددة لها، فتحدث بعضهم عن حركة نضالية للاجئين بموازاة ما يجري في الأرض المحتلة تركز مطالباتها على تأمين حق العودة، ومؤخراً عادت هذه الأفكار إلى التداول، ولكن ما ينبغي التنبه إليه والحذر منه دوماً أن اللعبة الأمريكية تستهدف التفتيت، والبديهية التي لا يجوز التنازل عنها، هي وحدة الأرض ووحدة الشعب دوماً.