المقاومة العراقية .. رؤى ومواقف

 

 

 

 

بقلم :ياسر الزعاترة

 

- القوى السياسية لازالت غير راغبة في إطلاق المقاومة، وإذا كان من العسير وضعها جميعاً في سلة واحدة؛ فإن المؤكد أن القاسم المشترك هو التأجيل والانتظار.

- سيظل الإشكال قائماً مادامت مجموعات المقاومة لم تتأطر تماماً في قوة منظمة تلم شتات العمل وتمنحه بعداً إعلامياً وسياسياً.

- من المؤكد أن كثيرين قد رأوا في تعيين مجلس الحكم الجديد دفعاً باتجاه وقف المقاومة عبر جعلها تصطدم بالعراقيين.

غدت المقاومة العراقية هي الحدث الأبرز الذي يحظى بالتغطية الإخبارية، ليس في وسائل الاعلام العربية فقط؛ بل وفي كل وسائل الإعلام، فالمسألة هنا جد مهمة؛ لأن الضربات موجهة إلى أعتى قوة على وجه الأرض.

"فيتنام"، "صومال"، "مستنقع"، "ورطة"، "حرب عصابات"، "حرب استنزاف" . . .، كلها مصطلحات باتت معروفة ومستخدمة في سياق وصف المقاومة التي تتعرض لها القوات الأمريكية والبريطانية في العراق.

 

 

هل نضجت ظروف المقاومة؟

 

ثمة جملة من العناوين التي يمكن التطرق إليها في سياق نقاش هذه القضية، غير أن ما ينبغي أن يقال قبل ذلك هو: إن ما جرى في العراق يعد حدثاً غير مسبوق إلى حد كبير؛ أن يبادر شعب محتل إلى إطلاق المقاومة بعد أيام فقط من سقوط بلاده بيد الاحتلال؛ فإن ذلك أمر يدعو إلى الدهشة، و يؤكد أننا بإزاء شعب حي. والحال أن تفسير ذلك لن يتم بمعزل عن الظروف المحيطة التي يعيشها الإنسان العراقي والإنسان العربي عموماً من زاوية رفضه لسياسات الولايات المتحدة والدولة العبرية، وشوقه للجهاد وللاستشهاد، كما هي الظاهرة التي برزت بقوة ضمن أجواء انتفاضة الأقصى، ومعها أجواء استهداف المسلمين بعد هجمات أيلول في الولايات المتحدة.

العنوان الأول في سياق مناقشة القضية يتصل بسؤال ما إذا كانت الظروف قد نضجت لإطلاق المقاومة، أم أن الأمر ما يزال مبكراً؟ والحال أن ذلك يستدعي الحديث عن ماهية العناصر التي لا بد من توفرها للقول إن الظرف قد غدا ناضجاً، ولا شك أن الحد المعقول من الإجماع الشعبي هو العنصر الأول، ولن يتوفر ذلك الحد من الإجماع إلا بعد الشعور بالحاجة للمقاومة. وهنا يمكن القول: إن ذلك لا يبدو متوفراً حتى الآن، على رغم فرح الكثير من العراقيين بالعمليات نظراً لشعورهم بالإذلال الأمريكي لهم في ضوء التقاعس عن الوفاء بالوعود السياسية، فضلاً عن توفير الحاجات الإنسانية الضرورية من دون مبرر مقنع. والحال أن الحاجات المذكورة تبدو ضرورية حتى يستيقظ العراقيون من ذهولهم ويبدؤوا في الحديث عن مقاومة الاحتلال الذي سيواصل التكشير عن أنيابه والكشف عن خططه.

القوى السياسية هي جزء لا يتجزأ من الشارع، وهي غالباً ما تبرمج حركتها على إيقاعه. والحال أن تلك القوى لازالت غير راغبة في إطلاق المقاومة، وإذا كان من العسير وضعها جميعاً في سلة واحدة؛ فإن المؤكد أن القاسم المشترك هو التأجيل والانتظار، مع وجود أطراف لها مقاربة سياسية أخرى تبعاً لمواقف خارجية، ونعني بذلك مواقف بعض القوى الشيعية المرتبطة بإيران.

 

 

الجهات التي تقاوم

 

السؤال الأهم المطروح على صعيد مسألة المقاومة يتصل بهوية الجهات التي تمارسها، وهنا يمكن القول من دون تردد: إنها تتشكل من شبان إسلاميين من مشارب مختلفة، بعضهم مستقلون من شباب المساجد عاديون، وسلفيون، وآخرون وهم الأكثرية أعضاء في تنظيمات إسلامية أهمها "الإخوان" يتحركون في مجموعات منظمة، فيما ثمة عرب قدموا من الخارج مع المتطوعين ولم يخرجوا. وهناك بالطبع مجموعات متفرقة تتحرك بدوافع وطنية وثأرية ربما كان لبعضها صلة ما بالنظام السابق مع أن مقاومتهم ليست ذات صلة بإعادة الوضع القديم.

الأكيد أن ربط المقاومة عموماً بالنظام السابق لا صحة له على الإطلاق، حتى لو توفر أناس من هذا اللون بين مجموعاتها. والحال أن تسجيلات صدام حسين التي اتخذت ذريعة لتأكيد ذلك التحليل، مع أنه كان متوفراً قبله، لا تشكل دليلاً مقنعاً، نظراً لصعوبة تصديق ذلك وتناقضه مع المعلومات المتوفرة، فالذين لم يقاتلوا مع النظام عندما كان قائماً لن يقاتلوا معه بعد ذلك.

سيظل الإشكال قائماً مادامت مجموعات المقاومة لم تتأطر تماماً في قوة منظمة تلم شتات العمل وتمنحه بعداً إعلامياً وسياسياً. والحال أن شيئاً من ذلك قد بدا يظهر، مثل: إعلان حركة المقاومة الإسلامية الوطنية العراقية التي تبدو الأكثر حضوراً في ساحة المقاومة، وأخذت تقدم خطاباً إعلامياً يتواصل مع وسائل الإعلام، إضافة إلى لغة سياسية، مثل: تحذيرها من إرسال أية من الدول لقوات إلى العراق، في خطوة واضحة الذكاء قد تؤدي إلى ضرب خطط الأمريكان لتوريط آخرين في مطاردة المقاومة.

 

 

سؤال المستقبل

 

من الواضح أن للقوى الشيعية موقفها الرافض لخط المقاومة، تماماً كما هو شأن قوى السنة، غير أن الفارق هو أن هذه الأخيرة لا تقوم بهجاء للمقاومة، ربما بسبب وجودها في مناطقها، أما الأولى فلا تتورع عن ذلك. والحال أن تفسير هذا الموقف قد يعود للموقف الإيراني الذي ينطلق في رؤيته من مخاوف الضغط الأمريكي من جهة، ومن إرادة ترك الآخرين يتصادمون مع الأمريكان، ما قد يؤدي إلى إعطاء الشيعة حصة أفضل من الحكم. ولا شك أن هذه المقاربة ليست مؤكدة على المدى البعيد، لأن المتعاونين من السنة متوفرون أيضاً، وإذا كان لا بد من الإرضاء؛ فليكن لمن يقاومون، أما الضغط على إيران فلن يتوقف وإن ركز هذه الأيام على المسألة العراقية، كما أكد (خاتمي) الذي أساء للمقاومة حين وصفها بأنها من ذيول النظام السابق ومعهم "متطرفون". ثم إن استقطاب بعض قوى الشيعة لا يعني بالضرورة خيراً لإيران؛ لأن إدارة الظهر لها من قبل البعض ستكون واردة أيضاً.

من المؤكد أن كثيرين قد رأوا في تعيين مجلس الحكم الجديد دفعاً باتجاه وقف المقاومة عبر جعلها تصطدم بالعراقيين سواء كان الصدام سياسياً أم أمنياً من خلال قوة الشرطة العراقية التابعة للمجلس، غير أن ذلك كله لا يعني أن المقاومة قد غدت في خطر وأنها في طور التوقف.

ما يجب قوله ابتداءً : إن تشكيل مجلس الحكم قد جاء بسبب ضغط المقاومة وخوفاً من كسبها المزيد من الأنصار، أما الأهم فهو أن الملمح الأول لمجلس الحكم هو الغالبية الشيعية، أما الأهم فهو الغالبية المؤيدة للولايات المتحدة بصرف النظر عن مذهبها، وبذلك سيتحول المجلس إلى عبء على الشيعة أنفسهم، فضلاً عن سخط السنة الذين حشروا في 16% من الأعضاء. وإذا تذكرنا أن المجلس لن يكون قادراً على التوفيق بين متطلبات الشارع العراقي المادية أولاً، والمعنوية الرافضة للاحتلال ثانياً، وبين شروط المحتلين ومصالحهم؛ فإن ذلك يؤكد أن المقاومة ستكون المسار الوحيد المتاح في التعامل مع الاحتلال.

خلال الأيام الأخيرة برز موقف تيار (مقتدى الصدر) الذي رفض مجلس الحكم، وأعلن تشكيل جيش المهدي، وهنا قد يكون بالإمكان القول إن ذلك قد يكون مؤشراً على إمكانية انخراط هذا التيار في المقاومة، سيما وهو المرادف لحزب الله في الساحة اللبنانية من حيث الفتوة والحيوية والروح الاحتجاجية الثورية، مقابل شيخوخة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية. وإذا حصل ذلك فإن خيار المقاومة سيتعزز على نحو لافت.

خلاصة القول: إن ورطة الأمريكان في العراق قد جاءت أسرع من المتوقع، فيما لن يحتمل الشارع الأمريكي الكثير من الاستنزاف، ما قد يدفعه إلى الإطاحة بنظام اليمين القائم في بلاده خلال الانتخابات المقبلة.