ماذا خسر المسلمون بإسقاط فريضة الجهاد

 

 

بقلم : أد : يحيى هاشم حسن فرغل *

yehia_hashem@ hotmail .com

 

الجهاد كما يقول الإمام الصنعاني في كتابه سبل السلام - مصدر جاهدت جهادا ، أي بلغت المشقة ، هذا لغة ، وفي الشرع بذل الجهد في قتال الكفار أو البغاة .

وإنه لمن فواجع المرحلة التي يمر بها المسلمون اليوم أن لم يكفهم من الخسارة تعطيل الجهاد على مستوى الفعل من سلوكهم ومقاومتهم  ، ولكن أن زادوا خسرانا فسمحوا لمن كفر بدينهم واحتقر ثقافتهم وصنع هزيمتهم  أن يدخل إلى  مخادعهم  ليفرض عليهم إسقاط الجهاد :  على مستوى النية من ثقافتهم وتعليمهم : في بيوتهم ومدارسهم ومساجدهم .

 

لكن تعالوا نتعرف أولا على الأدوار التي مر بها مبنى الإسلام حتى اليوم - في تعرضه لخطر إسقاط الجهاد

إن مبنى الإسلام لا يحتاج إلى ضمان بقائه كدين : غير الضمان الذي ذكره الله تعالى ، ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ولكننا نبحث هنا عن ضمان بقاء الناس فيه أو معه .

 لقد بدأ الإسلام غريبا بمرحلة النقاء والتميز الأولى ، ثم مر بمرحلة الخلط والتزييف : في العقل والعلم والقوة والمتعة والدنيوية  ، ثم بمرحلة المحن والابتلاء الحاضر ، ثم يعود حسب وعد الله - إلى مرحلة النقاء والتميز مرة أخرى . وهذا هو بقاؤه

 

لقد مرت عملية بناء الإسلام بالدوائر الآتية : دائرة المركز : في بناء الأفراد بالتربية والقيم .، ودائرة الوسط التي تحيطها : في بناء المجتمع  ، ودائرة الانتشار بالدعوة على المستوى العالمي ، ودائرة الحراسة بالقوة التي تحمي ما قبلها : أي في بناء الدولة

 

وإنه ليتحرك الجهاد أولا لبناء هذه الدوائر ، ثم يتحرك الجهاد لحماية هذه الدوائر على عكس الترتيب السابق . فلما  تركنا الجهاد تبددت أول ما تبددت دائرة الحراسة بالدولة ، ثم انتقل هجوم العدو إلى  دائرة الدعوة على المستوى العالمي ، ثم انتقل هجوم العدو إلى دائرة المجتمع بتفكيك وحدته على أساس الإسلام ، ثم  انتقل هجوم العدو إلى دائرة المركز : دائرة التربية والقيم والأفراد 

 

ومن جهتنا فلقد تحركنا في إسقاط  فريضة الجهاد في ثلاثة اتجاهات : الأول : إشاعة مفهوم مزيف عن السلام يعني الاستسلام  ، الثاني : ضرب فريضة الجهاد خوفا من البعث الإسلامي المنشود ، الثالث : إخفاء المفهوم الديني لصراعنا مع الغرب تجاهلا لقوله تعالى :  ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا )

ولم يتمكن العدو منا لمحض قوة فيه ، فنحن الذين أعطيناه شرعية أن يضربنا : لتحريرنا من " الاحتلال الداخلي " يعنون نظام الحكم الفاسد ، وهو مفهوم شديد التهرؤ سياسيا ، شديد السقوط أخلاقيا ، شديد الكذب واقعيا ، فليس لذي ذرة من  شرف أو طائف من عقل ، أو مسحة من كرامة ، أو بقية من دين أن يؤيد المحتل الخارجي الكافر ضد فساد داخلي مهما يكن أمره ، مبررا ذلك بلعبة لفظية كاذبة بتسميته الفساد الداخلي احتلالا ، وهو في هذا أشبه بامرأة اعترفت بقلة حيلتها ثم  استقبلت في فراشها المهجور علجا أجنبيا مقتحما زانيا ربما لساعة أو ساعتين أو عقد أو عقدين أو قرن أو قرنين !! - بعد أن ساعدته على طرد رجلها الذي عاشرته طويلا لأنه  قاس فاسد ولكن أيضا لأنه : لم يعد قادرا على الإنجاب ، فهلا استبدلت به زوجا شرعيا ؟.

 ونحن الذين أنكرنا من قبل وما زلنا على مجاهدينا التوجه إلى ساحة المعركة باسم الإسلام ، وقدمنا لذلك كله بعملية  غسيل الذاكرة : محو التاريخ ( تاريخنا ) ، تشويه التاريخ ( تاريخنا ) ، تجميل التاريخ ( تاريخ العدو ‍‍‍‍) ، ثم إنكار ما أصبح يسمى دعائيا "نظرية المؤامرة " في حين أن إنكارها بشروطها - هو في حد ذاته جزء من المؤامرة .

ونحن في الحرب الصليبية الأخيرة نحن الذين قدمنا الأرض والتسهيلات التي دخلت منها جيوش العدو إلى أفغانستان ، ثم إلى العراق عبر دول استحقت مفهوم قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ) ثم استحقت حكم الله  في قوله تعالى ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) 51 المائدة وقوله تعالى ( لا تجد قوما يؤمنون بالله ورسوله يوادون من حاد الله ورسوله ) 22 المجادلة ، والبقية تأتي .. 

 

ويخطئ من يظن   أن الجهاد بدعة في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو بصريح قوله تعالى ( وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن )  وباستعراض ما جاء في تاريخ الأنبياء السابقين .. نجده جوهرا في رسالاتهم جميعا

في كتابه (الإعلام بمناقب الإسلام ) للفيلسوف الإسلامي أبي الحسن العامري يقارن المؤلف بين الإسلام وستة من الأديان الأخرى المعروفة في شريعة الجهاد - من اليهودية والمسيحية والثنوية والصابئة والزرادشتية والإسلام - فيقول : ( وأما العبادة الملكية وهي الجهاد المشتمل على حراسة الملة فهو شيء تشترك فيه الأديان الستة ، ولولا قيام أهل الدين بالمحاماة عن دينهم بالسيف لاجتاحهم أعداؤهم ، ولظهر الفساد في البر والبحر ، ولهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد .  فأساس العالم إذن لا يحتمل تركه ، ولهذا  قيل : " لا يصدق الحرب إلا ثلاثة : مستبصر لدينه ، أو غيران على حرمه ، أو كريم ممتعض من ذل أصابه .

هؤلاء الثنوية والنصارى الذين يدينون بأن معاونة الدين تكون بالدعاء إليه دون الحرب لو قصد قاصد بعض هياكلهم بالتخريب أو عمد إلى واحد من كتبهم بالإحراق لما كانوا مقرين له على ذلك ، فإن المقصود بالضيم يجد لا محالة من قوته الغضبية تحريكا له ، . وليس الذي حكي عن المسيح : أن من لطم خدك الأيمن فأمكنه من الأيسر ، بقادح فيما ندعيه ، فإنه قول خارج منه مخرج الأمثال للإغضاء ، والاحتمال ، حسب ما يقول القائل لأخيه : إنك إن لطمتني احتملته منك. ) ثم يقول : ( لسنا نشك أن الوقائع الحربية بين أصناف الخليقة لن تقع إلا على جهات ثلاثة : وهي الجهاد والفتنة والتصعلك ، فأما الجهاد فهو الذي يتولاه عمار البلاد وساسة العباد ، من الدفاع عن الدين والصيانة  للمراتب ، وأما الفتنة فهو ما يقع بين طبقات الأمم من الهيج والقتال لتعصب بلدي أو تعصب نَسَبي ، وأما التصعلك فهو ما يقصد به من انتهاب المال واستلاب الأملاك . فالنوع الأول نتيجة القوة التمييزية وهو محمود عند ذوي الألباب  ، وأما النوعان الآخران فأحدهما نتيجة القوة الغضبية ، والآخر نتيجة القوة الشهوية وكلاهما مذمومان عند ذوي الألباب .)

يقول الدكتور أحمد عبد الحميد غراب محقق كتاب الإعلام بمناقب الإسلام للعامري " فيما يتعلق بالمسيحية في مسألة الجهاد : (  قارن  الفيلسوف الإنجليزي المعاصر برتراند رسل في كتابه " لماذا أنا غير مسيحي " حيث اقتبس قول المسيح : من لطمك إلخ ، وقرر أنه ليس بالمبدأ الذي يقبله المسيحيون في واقع حياتهم ، ومن ثم فهولا ينصح أحدا بأن يذهب مثلا ويلطم رئيس الوزراء الإنجليزي على أي من خديه ، فإنه لن يسكت على هذا بالرغم من أنه مسيحي مخلص وسيحمل هذا القول للمسيح محملا مجازيا . )  ص 147 148

 

ومع ذلك فنحن المسلمين عطلنا الجهاد أو أسقطناه وتمسك به أبناء الديانات الأخرى على طريقتهم الصليبية الصهيونية الاستعمارية ، أولئك الذين توهم بعضنا أنهم دعاة سلام  ،  فخسرنا كل غال وشريف كما خسرنا السلام .

 

(1) لقد خسرنا كل غال حين أسقطنا الجهاد أو أسقطنا شروطه: 

خسرنا شرف تبليغ الإسلام إلى العالم ، وفعالية دخول العالم في الإسلام : العالم  الذي كان مشتاقا إلى دين الله فأخذ ينزوي أمام المجاهدين شرقا وغربا كما جاء في الحديث الشريف (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها و مغاربها و إن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) رواه الامام مسلم ، وكما جاء في تعبير بعض المستشرقين : كانت الأرض تطوى تحت سنابك خيل المسلمين لفرط ما فتحت لهم سريعا .

خسرنا عولمة الإسلام

ولم تكن فتوحات الإسلام استعمارا أو نشرا للإسلام بالسيف كما يشيع بعض المتشرقين والمتغربين ، لقد تحدثوا كثيرا عن انتشار الإسلام بالسيف  ، وهاهم اليوم لا ينبسون ببنت شفة عن انتشار ما يسمونه الديموقراطية بالدبابة في العراق وما قبل العراق وما بعد العراق ، وهم يكذبون في الحالين ، لابد لنا هنا من الكشف عن الفرق الذي عميت عنه عيونهم بين فتح إسلامي جعله الإسلام لأصحاب العقيدة لا لخصوص الفاتحين ، ولتصبح أجناس من الأمم هم أصحاب الإسلام عقيدة وشريعة وحضارة ، وأصحاب دولته حقا : من فرس وأكراد ومماليك وتتار وأتراك وهنود وأوربيين أيضا ، وصل اعتناقهم للإسلام إلى حد جرى فيه النقاش ومن ثم التشكيك حول ما إذا كان العرب أصحاب الفتوحات الأولى مثلهم أو أقل منهم  في ميزان صلتهم بالإسلام  دولة وشريعة وحضارة ؟ .. أقول : لا بد لنا هنا من الإشارة إلى  الفرق بين هذا الفتح الإسلامي و غزو يوناني ، وروماني ، وصليبي ، واستعماري ،وصهيوني ، وأمريكي  أخيرا؟ لسنا بحاجة في هذه العجالة لسرد جرائمه و جرائره في استعباد الشعوب وامتصاص دمائهم وتصديرها لحساب  الرجل الأبيض .

ويكفي الإشارة العلمية ردا على هؤلاء بالإحالة إلى كتاب " الدعوة إلى الإسلام " للمستشرق الإنجليزي توماس أرنولد ، الذي فند فيه القول بانتشار الإسلام بالسيف ، فلم يكن الجهاد لإكراه أحد على الدخول فيه ، ولكن لإزاحة السدود المصطنعة في طريقه ، ولجعله حقا متساويا مع الجميع

نعم لقد خسرنا وخسر العالم فتوحات الإسلام  في فرنسا ، خسرنا وخسر العالم فتوحات الإسلام  في الأندلس ، خسرنا وخسر العالم فتوحات الإسلام  في شرق أوربا ، خسرنا وخسر العالم فتوحات الإسلام  في آسيا الهند والصين والفيليبين ، خسرنا وخسر العالم  فتوحات الإسلام  في آسيا الوسطى ، خسرنا وخسر العالم فتوحات الإسلام  في أفريقيا ، خسرنا فلسطين والعراق وما يتبعهما ، وفي أثناء ذلك خسرنا الشهادة والعزة والشرف والكرامة والسيادة والاستقلال والوطن ،  وأخيرا خسرنا الحياء -  وإذا لم تستح فاصنع ثم اخسر ما شئت  -  ثم سكنا في مساكن الذين ظلموا ، فبكينا كالنساء دنيا لم نحافظ عليها كالرجال.

 

(2) وعلى مستوى العقيدة - وهذا هو لب القصيد - : لقد خسرنا إذ أسقطنا الجهاد  : خطوة البداية في طريق "الإيمان" على مستوى النية وهذا ما غفلنا عنه جدا -  قبل أن نخسره  باعتباره  نقطة الذروة ، على مستوى الفعل .

 وكونه كذلك هو ما يدل عليه ما جاء في صريح عقد الإيمان وأولياته الذي عقده مع الله كل مسلم يطلب " الجنة "  وهو عقد يقر به  كل مسلم ابتداء  ،  حيث إن كل مسلم " يطلب الجنة " ابتداء ، واسألوا عن الجنة أي مسلم مبتدئ !.

وفي أساس هذا المعنى جاء قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ } 111 التوبة .إن المبايعة التي تمت هكذا بين العبد وربه كما تدل عليها هذه الآية تدور حول حقيقة الإيمان أساسا ، وفي هذه الآية يأتي تقديم النفس والمال ( الجهاد ) في الصيغة الأساسية لعقد الإيمان  على مستوى النية ، فضلا عن كونه يأتي بعد ذلك على مستوى الفعل  - دليلا على صدق العبد فيما تعاقد عليه مع الله ( يُقاتِلونَ في سَبيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلونَ وَيُقْتَلونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً في التَّوْراةِ والْأِنْجيلِ والْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِروا بِبَيْعِكُمُ الَّذي بايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ ) .

إن هذه المبايعة ترد العبد إلى أصل العلاقة بينه وبين الله وأنها تقوم على تسليم النفس ، وخير تجسيد لها جاء : في الذبيح إسماعيل ، أما  فداء إسماعيل  بالكبش فما هو إلا محض رحمة أو فضل أ وتنازل من المالك ، لكن لا تستقيم الأمور بعد هذا الفضل إلا بالرجوع إلى الأصل في نموذج المبايعة . { قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُموها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسولِهِ وَجِهادٍ في سَبيلِهِ فَتَرَبَّصوا حَتّى يَأْتيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدي الْقَوْمَ الْفاسِقينَ } 24 التوبة .

حقيقة الإيمان إذن سواء على مستوى النية أو على مستوى الفعل -  تقتضي تسليم النفس وما تملك لله تعالى ، لا لأنه هو الخالق المالك وحده بغير شك فحسب ، ولكن لاستقامة أمر ملك الله  ، وملك الله  لم يكن الإنسان فيه غير ترس من تروس الماكينة الكونية الكبرى المصنوعة بصنع المالك  ، ولا يسمح لهذا " الترس" أن يخرج عن نسق الكل وإلا سمي "  فاسقا " واستحق من ثم ألا يهديه الله .  حقيقة الإيمان إذن تقتضي تسليم النفس .

 أما الجزاء على ذلك بالجنة مع كونه جزءا أساسيا من عقد الإيمان فقد كان محض فضل من الله تعالى

إن الثمن الذي يأتيه نظير تسليمه النفس والمال يأتيه تفضلا من مالك الملك ، مالك النفس والمال ، ولهذا جاء التعبير عن قضاء الثمن بكلمة " بانتدب " التي تفيد التفضل ، قال صلى الله عليه وسلم : «انْتَدبَ اللّهُ لِمَنْ خَرَج في سَبِيلِه ـ لا يُخْرجُه إِلاّ إِيمانٌ بي وَتَصْدِيقٌ برُسُلي ـ أَنْ أُرْجِعهُ بما نال مِنْ أَجْر أو غَنِيمة، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنّة. » رواه البخاري .

 

ولما كان الثمن تفضلا كان عظيما واسعا كأنه بغير نهاية ، متناسبا في ذلك مع سعة الفضل الذي يملكه المتفضل ، ففي صحيح البخاري بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رِباطُ يومٍ في سبيل الله خيرٌ منَ الدّنيا وما عليها. ومَوضعُ سَوطِ أحدِكم من الجنةِ خيرٌ منَ الدّنيا وما عليها، والرّوحةٌ يَروحُها العبدُ في سبيلِ الله أوِ الغَدْوَةُ خيرٌ منَ الدّنيا وما عليها».  وفي صحيح البخاري بسنده عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " إنّ في الجنةِ مائةَ درجةٍ أعدّها الله للمجاهدينَ في سَبيلِ الله ما بينَ الدرجتين كما بينَ السماءِ والأرض فإذا سألتمُ اللهَ فاسألوهُ الفِردَوسَ فإنهُ أوْسَطُ الجنة وأعلى الجنة ـ أَراهُ قال: وفوقَهُ عرشُ الرحمنِ ـ ومنهُ تَفَجّر أنهارُ الجنة» قال محمدُ بنُ فُلَيحٍ عن أبيهِ «وفوقَهُ عرشُ الرحمن».

 

وكان من هذا الفضل الرباني أن أتيحت الفرصة نفسها لمن تعرض للغزو مخلصا وإن لم يحصل عليه ، ففي كتاب الجهاد للإمام عبد الله المبارك  المتوفى عام 181 هـ بسنده عن أبو صالح الحمصي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم   قال  (  يبعث   الله عز وجل   يوم القيامة أقواما يمرون على الصراط كهيئة الريح ، ليس عليهم حساب ولا عذاب ، قالوا ومن هم يا رسول الله ؟ قال أقوام يدركهم موتهم في الرباط )

وكان من هذا الفضل الرباني أن أتيحت الفرصة نفسها لمن أراد الغزو ولم يقدر عليه بنفسه. قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ جَهّزَ غَازِياً فَقَدْ غَزَا. وَمَنْ خَلَفَ غَازِياً فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا» رواه مسلم . و قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ طَلَبَ الشّهَادَةَ صَادِقا ، أُعْطِيَهَا، وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ» رواه مسلم .وقال صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ: «مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبْتْ لَهُ الْجَنّةُ ، وَمَنْ سَأَلَ اللّهَ الْقَتْلَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ صَادِقا ثُمّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ ، وَمَنْ جُرحَ جُرْحا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً فَإنّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ لَوْنُهَا كَالزّعْفَرَانِ ن وَرِيحُهَا كَالْمِسْكِ ، وَمَنْ جُرِحَ جُرْحا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَعَلَيْهِ طَابِعُ الشّهَدَاءِ» رواه النسائي .وقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: « يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاَثَةٌ: الأَنْبِيَاءُ ثُمّ الْعُلَمَاءُ ثُمّ الشّهَدَاءُ» رواه ابن ماجة في سننه .

 

  إن صدق العبد في هذا التعاقد يكون  ببذل النفس والمال في ساحة القتال في سبيل الله ، لذلك جاء قوله تعالى بعد ذكر المبايعة " يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون " فإذا فعل العبد ذلك فقد قدم فورا كل ما يمكن أن يقدمه تنفيذا لذلك العقد ، وقدمه منجزا كاملا . لذلك أيضا يأتي الثمن الجنة فورا منجزا كاملا ، ولذلك كان انتقال الشهيد من ساحة الجهاد إلى  الجنة مباشرة :{ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقونَ }   169    آل عمران .

 

وإذن فإن الجهاد لا يعتبر فحسب أسمى الأعمال التي يطلبها الدين وأرقاها وأعلاها ولكنه يعتبر فوق ذلك الاختبار الوحيد العملي لصدق الإيمان واكتماله في قلب المؤمن ، وفي ضوء هذه الحقيقة نفهم قوله صلى الله عليه وسلم  " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق "- رواه مسلم - وهو يتحدث عن الجانب المقابل من الموضوع .

إنه يتحدث عمن كان بإيمانه الظاهر قد تعاقد مع الله على تسليم النفس والمال وبيعها لله تعالى لتكون له الجنة ، ومع ذلك جاءته الفرصة لتسليم النفس والمال طبقا للتعاقد فلم يفعل ، جاءته الدعوة إلى الجهاد فلم يستجب لها ، بل إنه لم يحدث نفسه بأن يسلم لله ما تعاقد على تسليمه له ، إنه عندما قامت الموانع بينه وبين الجهاد الفعلي اتجه الاختبار إلى قلبه : هل حدث نفسه بالغزو ؟ هل تمناه ؟ هل تشوق إليه ؟ هل تطلع لأداء ما وجب عليه في التعاقد الذي عقده مع ربه لتكون له الجنة ؟ إنه إذا لم يفعل شيئا من ذلك قام الدليل عليه أنه لم يصدق حق الصدق في تعاقده ، ولم يصدق حق الصدق في إيمانه ، لقد دهم إيمانه شيء من النقص ، أو شيء من الوهن ، أو من الفسق ، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء بجامع الترمذي بسنده قالَ : «مَنْ لَقِيَ الله بِغَيْرِ أثَرٍ مِنْ جِهَادٍ لَقِيَ الله وفِيهِ ثُلْمَةٌ» .فهو إذن على شعبة من النفاق كما جاء في حديث سابق .

ومن هنا كان الجهاد لا يعد شيئا في الإسلام إلا إذا كان في سبيل الله حقا وصدقا .

 

وفي سبيل الله تعني أنه ليس من الصواب أن يقاس الجهاد  بمقياس الحرب الدفاعية أو الهجومية ، لأن كلا الوصفين ناشئ من قيمة واحدة يصدران عنها ، وهي قيمة التملك ، فعندما تكون المسألة هكذا يمكن أن يقال : هي دفاع عن هذا الملك ، أو هجوم عليه 

 ولكن المسألة في الإسلام تصدر من قيمة أخرى أعلى وأسمى وأشمل ، هي قيمة الحق الذي يعبر عنه في الإسلام بـ  (سبيل الله ) انتصارا له أو اعتداء عليه . ففي رواية للبخاري  بسنده عن رسول الله صلى لله عليه وسلم أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل للذكر ، والرجل يقاتل ليرى مكانه ، فمن في  سبيل الله ؟  قال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في  سبيل الله )  .

وعندئذ فالجهاد في سبيل الله حركة تصويب ، وإرجاع إلى سبيل الله بعد أن يزيغ عنه البشر

يتبين ذلك من جهة أن الجهاد في " سبيل الله " في الإسلام يقوم على بعدين : أحدهما تعاقدي وقد قدمناه في قوله تعالى " إن الله اشترى " ، والثاني كوني ، أما البعد الكوني فيتم التعبير عنه بعبارة هي من ذاتيات الإسلام : ( في سبيل الله ).

وتوضيح ذلك  : أن كل ما في الوجود يتحرك في سبيل الله ، وإشكالية الإنسان أنه قد أراد الله له أن يتحرك حركته في سبيل الله - كما هو الشأن في المخلوقات جميعا - ولكن : باختياره وإرادته

في سبيل الله بالنسبة للطبيعيات هو ما نسميه " قوانين الطبيعة "، بالنسبة للشمس كذا ، وبالنسبة للقمر كذا ، وهكذا ..  بالنسبة للرياح ، والذرة ،والخلية الحية ، والزهرة ، و..الخ

   أما في سبيل الله بالنسبة للإنسانيات فهي : أوامره تعالى ونواهيه ، أوامره ونواهيه في الدين والأخلاق، والتشريع والجهاد  والتربية والاقتصاد والإعلام … ، في سبيل الله بالنسبة للإنسان تعني : انخراط كل نشاط إنساني في حركته وفقا لإرادة الله وأوامره ونواهيه ، وإذن فكل نشاط إنساني : فرديا كان أو اجتماعيا أو دوليا يخرج عما يريده الله وعما بينه في شريعته …  لا يقال عنه فحسب إنه " خارج سبيل الله " ، ولكن يقال عنه بحق : إنه " اعتداء على سبيل الله " .

وفي هذا يقول فيلسوف الإسلام أبو الحسن العامري في كتابه " مناقب الإسلام " ( لم يِـُشَك أحد أنه صلى الله عليه وسلم كان متمسكا في سيره بصورة عبد قد أخلص الولاية لمولاه ، وعلم أن عباده كلهم قد انتهكوا حرمته وخلعوا طاعته ، واستعانوا بأموالهم على أبواب عصيانه ، فحملته سجية الوفاء لمولاه وخلق الحفاظ لأياديه على نهيهم وزجرهم ، فبالغ فيه بالقول أزمنة  طويلة حتى إذا أيس من ارعوائهم وأيقن أن الوعظ لا ينجع فيهم ذهب في علاجهم مذهب الطبيب المتحدب ، الذي خاف إتيان الداء العضال على نفس العليل ، وعلم أن السبيل إلى استبقائه غير موجود إلا بقطع عضو من أعضائه ، فأوقع في مغازيه بعدد من القتلى ، تدرجا إلى استنقاذ الجمهور من الهلك والردى ، وذلك لتيقنه من أن المحمولين على شرف الدين في مبدأ أمرهم كرها متى وقفوا على فضائل دعوة الحق أخيرا فإنهم بعد الاستيضاء برونقها سيعتدون له بجسيم المنة وجزيل النعمة ، ويقبلون على خدمة مولاهم ليتلافوا به فارطهم ، فتصير أحوالهم فيه شبيهة بحال المأخوذ في صغره بالتأديب ، وهو يبغض مؤدبه حتى إذا عقل وانتبه أيقن موقع النعمة العظيمة فالتزم شكره واعتقد إحماده . )

 

 ومن هنا تسقط المعركة المصطنعة حول الجهاد ، وهل هو هجومي ، أو دفاعي الخ ..، إذ يكون مجرد وجود نمط من السلوك البشري على هذه الأرض مخالف لشريعة الله التي بينها في رسالاته التي حملها الأنبياء … يعني   : أن اعتداء وقع علي سبيل الله ، ما كان ليقع من غير الإنسان الممتحن -  والمنعم عليه معا - بخاصة الاختيار .

من أجل هذا كان كل قتال بنية إقامة سبيل الله ودفع اعتداء عليه  في المجتمع الإنساني - بوعي المختار وتبصره وحكمته - … هو في سبيل الله . ( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت  ، فقاتلوا أولياء الشيطان ، إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) . ومن هنا كانت صور الجهاد في سبيل الله لا تعني فحسب رفع راية ( لا إله  إلا الله ، محمد رسول الله ) ولكنها  تعني مع ذلك وبوجه عام : إقرار شرع الله في المحافظة على النفس والدين والعقل والنسل والمال وفقا لمقاصد الشريعة وأحكامها .

 

يقول الله تعالى في البعد الكوني : ( إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت ، ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير ) 116 التوبة وذلك في سياق البعد التعاقدي للقتال في سبيل الله بعد آيتين  اثنتين من قوله :( إن الله اشترى .. ) هنا يتضح عمق المسألة الذي يربطها بالبعد الكوني  : الملكية لله ، وذات الإنسان هي من ملك الله  ،  وليست من ملك صاحبها ( يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير)

ففي طبيعة الكون وواقعه : أن أحدا منا لا يملك نفسه أو ذاته ، وإنما الذي يملكها هو الله سبحانه وتعالى ؛ غاية ما في الأمر كما سبق أن قلنا أننا امتحنا- وأنعم علينا في هذه الحقيقة ، بوضع الأمانة في أيدينا ، لنردها إلى مالكها بإرادة منا واختيار معطرة بالطاعة أو بغيرها حسب الأحوال ، ، ومن هنا كانت ديانة الإسلام تعني كلمة الإسلام معنى ولفظا  : الإسلام يعني التسليم.

ولذلك كان العقد موضع التطبيق وإن لم يتفق حدوث قتال ، ولهذا جاء قوله صلى الله عليه وسلم ( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية ) رواه مسلم .

 هذا هو العقد القائم بين العبد وبين المسلم بحرفيته .

وإجمالا فلقد خسرنا بإسقاط الجهاد: خسرنا علاقته التصحيحية  بضمير المسلم  فإنه لا يتحقق للمسلم البراءة من النفاق ، والدخول الصحيح في حظيرة الإيمان إلا إذا قام بواجبه الديني في الجهاد في سبيل الله بالفعل ، أو في تمني القيام به إن منعه مانع : سواء رجع هذا المانع إليه شخصيا ، أو رجع إلى الظروف المحيطة به " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق "- رواه مسلم -.

 

 ومن أجل هذا كانت ممارسة الجهاد نية أو فعلا .. كشفا عن حقيقة العقد في قلب المسلم .وكان إسقاطه نية أو فعلا ..  كشفا عن حضيض الزيف في قلب المنتسب إلى الإسلام.

 

(3) ثم خسرنا إذ أسقطنا الجهاد أو أسقطنا شروطه .. نصرة من الله نطلبها من فوق المنابر ثم لا تأتي :

إن نصرة الله للمجاهدين قد جاء التصريح بشروطها ، وهي شروط تتعلق بصفات المجاهدين ، وهي لا تكون لغيرهم بحال .

إن المسلم في كل زمان ومكان مفتوح أمامه باب الاستناد إلى نصرة الله له في الجهاد ، مع الأخذ بالأسباب العادية ، إذا عمل بموجبات المنهج الإسلامي :

 أولا : أن يحقق شرط النصر بالله ، كما جاء تلميحا في الآية التالية لآية العقد  : في قوله تعالى { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ومن أوفى بعهده من الله } ثم في قوله تعالى في وصف أصحاب العقد : { التّائِبونَ الْعابِدونَ الْحامِدونَ السّائِحونَ الرّاكِعونَ السّاجِدونَ الْآمِرونَ بِالْمَعْروفِ والنّاهونَ عَنِ الْمُنْكَرِ والْحافِظونَ لِحُدودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ } 111- 112 التوبة 

وكما جاء محددا واضحا في قوله تعالى : ( ولينصرن الله من ينصره ، إن الله لقوي عزيز ، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وأمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر ، ولله عاقبة الأمور ) 41 الحج .

ثانيا : أن يصحح موقفه من الدنيا - في إطار تحقيق الذاتية الإسلامية -  وذلك بأن يخضعها للآخرة وفقا لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواة الترمذي في سننه بسنده : عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه ، وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ، وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له )

ثالثا : أن يكون ربانيا بالقرب من ربه ، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : يقول الله تعالى ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي  يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه).

رابعا : أن يحقق شرط التوكل ، وهو استفراغ  الوسع والجهد في الأخذ بالأسباب ، إذ هذه الأسباب هي التي وضعها الله ، ولا يكون متوكلا على الله إذا رفض قوانينه وأسبابه  :

فقد روى الترمذي في سننه بسنده عن أنس بن مالك قال : قال رجل يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل ؟ قال اعقلها وتوكل )

ما حدث للمسلمين اليوم هو من إهمالهم الأخذ بالأسباب لأزمان طويلة تراكمت آثارها ومخازيها لسنوات طويلة وقرون ، ومن ذلك توقفهم عن الإنفاق الرشيد على القتال أولا ، مما جعلهم يتخلفون تكنولوجيا ثانيا ، ولا يقاتلون ثالثا

إن التفوق التكنولوجي للعدو جاء  نتيجة هذا التوقف ، لقد كان العالم الإسلامي على قمة التفوق والعلم في حينه ، ولكن الذي حدث أنهم توقفوا عن الإنفاق الرشيد للاستعداد للحرب والقتال في الوقت الذي سارع فيه أعداؤهم إلى مواصلة الاستعداد للحرب والإنفاق على القتال

إن قوله تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) 60 الأنفال . يعني أن يصل  الإعداد إلى حد إرهاب العدو حتى قبل الدخول في المعركة ردعا له عن التفكير في ذلك . وهي هي نظرة الردع التي تقوم عليها الأحلاف العسكرية في عالم اليوم .

والأمر الذي لاشك فيه أنك  إن أردت الشهادة أو محض الدفاع  عن النفس كرد فعل فوري ضد الاعتداء فمن حقك بل من واجبك أن تدخل المعركة بما تيسر لك ، أما إن كنا نتحدث عن النصر أو نريده أو ندعو الله به فتلك مسألة أخرى ، لا يكفي  فيها أن تدخل المعركة بما تيسر لديك ، خلافا لما شاع في الثقافة الشعبية المعاصرة ، حيث يستشهدون على ذلك خطأ بانتصار المسلمين مع التفاوت الكبير بين قوتهم وقوة المشركين في غزواتهم تحت راية الرسول صلى الله عليه وسلم ، والواقع أن هذا التفاوت لم يكن إلا في العدد البشري وقد عوضه المسلمون بإيمانهم وفقا للميزان الرباني ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) وهو ميزان محسوب بميزان الإيمان ، أما في أدوات المعركة الأخرى فلم يكن هناك  كبير تفاوت في قوة السلاح : فالسيف هنا هو السيف هناك ، والخيل هنا هو الخيل هناك نعم كان هناك فرق ،  نعم ، ولكنه الفرق واطئ السقف إن صح التعبير الذي يمكن تعويضه بالروح المعنوية التي نجدها في أدنى مستوياتها في قوله تعالى ( الآن خفف الله عنكم وعلم  أن فيكم ضعفا ،  فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين  ) 66 الأنفال إلخ

أما القوة المادية المخدومة بالتقدم العلمي فلا يمكن إسقاط التفاوت فيها إلى ما لانهاية ، كذلك فإنه لا يصح وقف التطوير فيها إلى مالا نهاية .

 وبالطبع فإنه ليدخل في ميزان القوى وحساباته ما يبدعه الجهاد  - ولا يملك أن يبدعه غيره - من سلاح الاستشهاد ، أو ما يروق للبعض تسميته بالقنبلة البشرية ،  بقدر موزون قادر على تحييد عناصر التفوق لدى العدو .

وذلك هو الفهم الصحيح لشرط " ترهبون " في قوله تعالى " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل  "  

ولقد كان المسلمون في جهادهم ضد الحروب الصليبية على مستوى أعلى من العدو ، أو على مستوى واحد معه ،  أو قريب منه ، و لدينا نموذج تاريخي للتقدم العلمي لجيش المسلمين في عصر الحروب الصليبية متفوقا فيه على جيش الصليبيين . - ففي الكامل لابن الأثير - ج: 10 ص: 191- 193 في أخبار سنة ست وثمانين وخمسمائة  : كان الفرنج في مدة مقامهم على عكا قد عملوا ثلاثة أبراج من الخشب عالية جدا ، طول كل برج منها خمس طبقات ، كل طبقة مملوءة من المقاتلة ،  وقد جمع أخشابها من الجزائر وغشوها بالجلود والخل والطين والأدوية التي تمنع النار من إحراقها ، وأصلحوا الطرق لها ، وقدموها نحو مدينة عكا من ثلاث جهات ، وزحفوا بها من العشرين من ربيع  ،  فأشرفت على السور وقاتل من بها من عليه ، فأشرف البلد عكا - على أن يسقط عنوة وقهرا ، فأرسل أهله إلى صلاح الدين إنسانا سبح في البحر فأعلمه ما هم فيه من الضيق وما قد أشرفوا عليه من أخذهم وقتلهم ،  فركب هو وعساكره وتقدموا إلى الفرنج ، وقاتلهم من جميع جهاتهم قتالا عظيما دائما يشغلهم عن مكاثرة البلد ، ودام القتال ثمانية أيام متتابعة آخرها الثامن والعشرون من الشهر ،  وسئم الفريقان القتال وملوا منه ،  لملازمته ليلا ونهارا ، والمسلمون قد تيقنوا استيلاء الفرنج على البلد ، لما رأوا من عجز من فيه عن دفع الأبراج ، فأتاهم الله بنصر من عنده ،  وكان سبب ذلك أن إنسانا من أهل دمشق كان مولعا بجمع آلات النفاطين وتحصيل عقاقير تقوي عمل النار ،  فلما رأى الأبراج قد نصبت على عكا شرع في عمل ما يعرفه من الأدوية المقوية للنار بحيث لا يمنعها شيء من الطين والخل وغيرهما 

فلما فرغ منها حضر عند الأمير قراقوش وهو متولي الأمور بعكا والحاكم فيها ، وطلب منه أن  يأمر المنجنيقي أن يرمي في المنجنيق المحاذي لبرج من هذه الأبراج ما يعطيه حتى يحرقه ،   فأجابه إلى ذلك ، وأمر المنجنيقي بامتثال أمره ،  فرمى عدة قدور نفطا وأدوية ،  ليس فيها نار ،  فكان الفرنج إذا رأوا القدر لا يحرق شيئا يصيحون ويرقصون ويلعبون على سطح البرج ، حتى إذا علم أن الذي ألقاه قد تمكن من البرج ألقى قدرا مملوءة وجعل فيها النار فاشتعل البرج ،  وألقى قدرا ثانية وثالثة  فاحترق البرج ومن فيه ، فلما احترق البرج الأول انتقل إلى الثاني وقد هرب من فيه لخوفهم فأحرقه ، وكذلك الثالث ، وكان يوما مشهودا لم ير الناس مثله ، فرحا بالنصر وخلاص المسلمين من القتل ،   وحمل ذلك الرجل إلى صلاح الدين ، فبذل له الأموال الجزيلة والأقطاع الكثيرة ، فلم يقبل منه الحبة الفرد ،  وقال إنما عملته لله تعالى ولا أريد الجزاء إلا منه )

 

(4) خسرنا إذ أسقطنا الجهاد أو أسقطنا شروطه: خسرنا اختصاصه بترقية المسلم في الدين فهو أي الجهاد هو ما يجعل المجاهد : الأفضل (  قِيل يا رسول اللهِ أيّ الناسِ أفضلُ ؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: مُؤمنٌ يُجاهِدُ في سبيلِ اللهِ بنَفسِهِ ومالهِ. ) صحيح البخاري ، وهو أي الجهاد ( ذروة السنام ) منه  أي الدرجة العليا من الدين رواه أحمد ، والمجاهد مثله كَمَثَلِ الصّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللّهِ. لاَ يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلاَ صَلاَةٍ. حَتّى يَرْجِـعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللّهِ تَعَالَىَ».رواه مسلم ،  وجاء مثله في صحيح البخاري ، وبه ( يرفع الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنّةِ. مَا بَيْنَ كُلّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السّمَاءِ وَالأَرْضِ» رواه مسلم ، وبه حرم الله سائر جسده على النار" رواه أحمد في مسنده ، وبه يُجْرَي عَلَيْهِ أَجْرُهُ أي بمجرد موته - حَتّى يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيُوفَى فِتْنَةَ الْقَبْرِ» رواه احمد .

 

(5) خسرنا إذ أسقطنا الجهاد أو أسقطنا شروطه .. خسرناه كما خسرنا حلاوة شروطه

ولأن الجهاد إنما هو في سبيل الله فإنه مشمول بشروط العدل وعدم الاعتداء : ( وقاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) 190 البقرة

ولأنه في سبيل الله وجب في الجهاد أن تكون نفقته على المقاتل أو من يرسله من كسب حلال ،  ليكون مقبولا عند الله ، لأنه لا يقبل إلا طيبا ؟!

ولأنه في سبيل الله فإنه مشمول بحماية غير المقاتلين من الضعفاء .

 ويظهر حرص الإسلام على هؤلاء الضعفاء وهو إنما أجاز  القتال دفاعا عنهم  من شروطه التي وضعها للقتال ، ومن شروطه  الكف عن قتل الأطفال والنساء والشيوخ ، والتمثيل بالجثث ، ، ولايمنع ذلك من المعاملة بالمثل إذا دعت الضرورة .

ونظلم الإسلام إذا وقفنا هنا لنلفت إلى  ما يجري على الساحة الدولية بعامة من تدمير المدن ومئات الآلاف من غير المحاربين في طلقة نووية واحدة ، وإلى ما يجري بين جيش إسرائيل وأطفال الانتفاضة الفلسطينيين : نظلم الإسلام أن نضعه هنا في موضع المقارنة ، فهي كأنها مقارنة بين الماء الطهور الذي يغسل ، وبين الماء النجس الذي يسمم .

 

(6) خسرنا إذ أسقطنا الجهاد وضوح الهدف في معاركنا المتخبطة منذ عشرات السنين فليس الجهاد  من أجل الشعارات الفارغة أو تخليد الزعماء ، أو السمعة ، أو شفاء الغليل ، أو ترسيخ السلطة أو توسيع الملك ، ولا هو من أجل المال أوالبترول . أو من أجل الفتنة وإثارة الشغب .

ففي صحيح مسلم بسنده عن ا بن سيرين سمعت أبا هريرة يقول قال أبو القاسم   صلى الله عليه وسلم  " من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه "

(7) خسرنا إذ أسقطنا الجهاد أو أسقطنا شروطه .. وضوح الرؤية الشرعية في معاركنا القتالية إذ يجب أن يكون القتال ضد أعداء الإسلام المعتدين قصدا على حرماته ، ولا يقصد به مسالم معاهد أو ذمي ، وأن يكون قرار القتال خاضعا لحسابات دقيقة ، محسوبا بالفائدة للمسلمين فلا تكون حركة الجهاد اندفاعا إلى الشهادة بغير حساب  . وأن يكون القتال مفتوحا لتقبل السلام بشروطه المعروفة شرعا ، وأن يخضع ذلك كله لقيادة مسئولة شرعا ، مع التنسيق اللازم مع القيادات المعنية لكي نتجنب  ضرر الفتنة الأشد ، وفقا لأصول الفقه وقواعده : من دفع الضرر ، وسد الذرائع ، وجلب المصلحة ، و رجوعا إلى مصطلحات أصول الفقه .

كما ينبغي العلم بأن اتصاف القائد  باٌلإيمان في معناه المطلق ليس كافيا للنصر أو لإبراء الذمة  كما يعتقد البعض - إذ لابد  مع تحصيل المعرفة  بالحكم الشرعي أن تكون هناك معرفة  بالواقع  ، ثم بطريقة تنزيل الحكم الشرعي عليه  ، وبغير تحصيل هذه الشروط يمكن للفقيه ، أو للمرجع ، أوآية الله أو ما يشبه من الأسماء والألقاب : أن يكون رجل دعوة لكنه لا يصلح رجل سياسة ، أو يصلح ليكون زعيم طائفة ولا يصلح أن يكون قائد دولة ، أو يصلح مفتيا مشروطا بأن تظل فتياه معلقة بالفضاء حتى ينزلها على الواقع رجل الحركة القادر على أن يجمع في نفسه ثلاثة شروط : فقها بالحكم ، وفقها بالواقع ، وفقها بطريقة تنزيل الحكم على الواقع

 

(8) وبإسقاط الجهاد خوفا من التهلكة خسرنا المال وأهلكنا الولد ووقعنا في التهلكة   : متناسين أن الإسلام قد قفل الباب أمام المتقاعسين عن الجهاد بدعوى ما فيه من ظاهر تهلكة ، ففي جامع الترمذي بسنده عن أَسْلَمَ أَبي عِمْرَان التّجِيبيّ قالَ: «كُنّا بِمَدِينَةِ الروّمِ فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفّاً عَظِيماً مِنَ الروّمِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بنُ عَامِرٍ وَعَلى الْجَمَاعَةِ فَضَالَةُ بنُ عُبَيْدٍ فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ المسْلمِينَ عَلَى صَفّ الروّمِ حَتّى دَخَلَ عَلَيهِمْ فَصَاحَ النّاسُ وَقَالُوا سُبْحَانَ الله يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيّوبَ الأنْصَارِيّ فَقَالَ: يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّكُمْ لَتُأَوّلُونَ هَذِهِ الاَيَة هَذَا التّأْوِيلُ، وَإنّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الاَيَة فِينَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ لَمّا أَعَزّ الله الإسْلاَمَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ. فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضِ سِرّا دُونَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: إنّ أَمْوَالَناَ قَدْ ضَاعَتْ ، وَإنّ الله قَدْ أَعَزّ الإسْلاَمَ ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فأَصْلَحْنَا مَا ضَاع مِنْهَا، فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى نَبِيّهِ صلى الله عليه وسلم يَرُدْ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا بقوله تعالى :  { وَأَنْفِقُوا في سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيِكُمْ إلَى التّهْلُكَةِ } فَكَانَتْ التّهْلُكَةُ الإقَامَةَ عَلَى الأمْوَالِ وَإصْلاَحَهَا وَتَرْكَنَا الغَزْوَ. فَمَا زَالَ أَبُو أَيّوبَ شَاخِصاً في سَبِيلِ الله حَتّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرّمِ» .

  قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.

وعقب الإمام الصنعاني  في  كتابه " سبل السلام " بقوله : ( وصرح  الجمهور: إذا كان لفرط شجاعته يظن أنه يرهب العدو أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن ، ومتى كان مجرد تهور فهو ممنوع ، لا سيما إن ترتب على ذلك وهن المسلمين ) اهـ 

ومن ثم ينبغي أن نقول إن حركة الجهاد في الإسلام ليست في أي وضع من أوضاعها حركة انتحارية ينساق إليها الإنسان بمحض سخطه على الأوضاع التي يرفضها الإسلام بصرف النظر عن نتائج هذه الحركة كما يراد لها أن تكون على هذه الأرض

إنه حركة محكومة بقوله تعالى : { وَأَنْفِقوا في سَبيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقوا بِأَيْديكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ } 195 البقرة ، {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ  } 286 البقرة ، { وَأَعِدّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وآخَرينَ مِنْ دونِهِمْ لا تَعْلَمونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقوا مِنْ شَيْءٍ في سَبيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمونَ } 60 الأنفال . وأخيرا فهي بهذا حركة مشمولة برعاية الله وتوفيقه لا محالة ، يقول الله تعالى : { والَّذينَ جاهَدوا فينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنينَ } 69 العنكبوت  .

 

(9) خسرنا إذ أسقطنا الجهاد أو أسقطنا شروطه .. خسرنا خصال المجاهد التي ترقى به ليكون عضوا صالحا في المجتمع كما ترقى به ليكون أهلا  للنصر:  ذكر الإمام أبو الليث السمرقندي بسنده عن عوف بن مالك الأشجعي مجموعة من الخصال المستخلصة من ثوابت الشريعة و صحيح السنة وأحكام الفقه ؛  قال :

من أراد أن يكون غازيا حقا مجاهدا في سبيل الله فليحافظ على عشر خصال :

أولها : ألا يخرج إلا برضا الوالدين ، والثاني : أن يؤدي أمانة الله في عنقه من الصلاة والزكاة والحج والكفارات . ثم يؤدي أمانات الناس التي في عنقه من المظالم والغيبة وقول الزور . والثالث : أن يدع لأهله من النفقة ما يكفيهم قدر إقامته . والرابع : أن تكون نفقته من كسب حلال ، فإن الله تعالى لا يقبل إلا الطيب . والخامس : أن يسمع ويطيع لأميره . والسادس : أن يؤدي حق رفيقه ويتبسم في وجهه كلما لقيه ، وينفق أكثر مما هو ينفق ، ويمرضه ويقوم بحوائجه . والسابع ألا يؤذي في طريقه مسلما ولا معاهدا . والثامن : ألا يفر من الزحف .والتاسع : ألا يغل من المغانم . والعاشر : أن يريد بغزوه إعزاز الدين ونصرة المؤمنين .

 

 وختاما : فإن عبرة تاريخنا تقول :  إن هذا الدين - رجوعا إلى ثوابته ورجوعا إلى تجاربه - يسفر عن كونه " دين الجهاد " ، بمعنى أن توطن المسلمين فيه مرهون بجهادهم  هذا هو قدرهم ، وهذا هو نظامه ، وكل من يطلب هذا الدين  خارج هذا السياق يجد نفسه خارج ذاته ، ثم يجد نفسه داخل أسوار الرقيق إن لم يلحقه الحظ ليكون داخل أمعاء الذئاب ، : خسر الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين

ولقد علم العدو منا ذلك ، ولهذا كان عداؤهم للجهاد في الإسلام لا يعادله عداء ، فأي خسارة خسرناها إذن عندما جاريناهم  أمس  بإسقاط الجهاد في ساحة القتال ، وأي خسارة سوف نخسرها غدا عندما نواصل محوه من مؤسسات العبادة والتربية والإعلام  ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

 

والله أعلم

_______________________________________

عميد كلية أصول الدين بالأزهر سابقا*