زعامة الشعب العراقي دون وصاية

 

 

 

بقلم :د. ظافر العاني

 

من مفارقات القدر ان لم يكن من سخرياته، ان الاحداث الكبري في منطقتنا ارتبطت كلها تقريبا (بالكاسيت) فثورة الخميني ما كان يمكن لها ان تحشد الجماهير الايرانية وتعبئها باتجاه مناوأة الشاه الا بالكاسيتات التي كان يبعثها سواء من النجف او من نوفيل لوشاتو في باريس وهي تتضمن خطبه النارية التي كان يؤلب فيها علي التمرد والثورة حتي سميت ثورة الخميني ثورة الكاسيت كما ان اسامة بن لادن والملا عمر استخدما بعد حرب افغانستان اشرطة التسجيل التي مازالوا يبعثون بها من داخل الكهوف ومن ركام الحرب ليعلنوا فيها مواقفهم السياسية ويؤكدوا استمرار المقاومة.

اما اخر من دخل نادي الكاسيت فهو الرئيس العراقي السابق صدام حسين حيث بثت قناة الجزيرة قبل فترة شريط التسجيل الاول الذي بعثه من مكان عجزت عن تحديده المخابرات الامريكية بكل امكانياتها المعروفة والـ(25) مليون دولار التي وضعت مكافأة لمن يدلي بمعلومات عن مكانه.

خطاب صدام حسين لم يحسم الجدل حول اشياء كثيرة ماتزال تعد حتي اليوم لغزا محيرا بقدر ما اضاف تعقيدات اخري. ربما الشيء الوحيد الذي اصبح مؤكدا هو ان صدام مايزال علي قيد الحياة وبالتالي ستكف المختبرات الامريكية عن عملها في فحص اطنان من الانقاض لاختبار الحامض النووي (دي ان اي) لعلهم يجدون بينها ما يشير لموته. انما اسئلة محيرة عديدة ظلت تنتظر من يجيب عنها : فهل ان صدام حسين مازال فعلا له في العراق انصاره ومؤيدوه او كما اسماهم (أحباؤه)؟ وهل حقا انه يقود بنفسه تشكيلات مقاومة ضد الاحتلال وصفها بالواسعة؟.. اما ما سيحتاج الي كل عرافي الدنيا وقارئي فناجينها فهو السؤال الاخير: تري هل سيستطيع صدام حسين يوما ما طرد المحتلين وهل تراه يحلم بالعودة الي السلطة مجددا؟

للانصاف، وبغية الاجابة لابد من القول ان لصدام حسين بالفعل انصاره الذين انحسر عددهم كثيرا منذ ان سقط تمثاله في 9 نيسان (ابريل) 2003 واذا ما غضينا الطرف عن ملايين الجماهير التي كانت تهتف ملء حناجرها لصدام سواء كان ذلك خوفا او تزلفا فالمؤكد انه اذا ماكان نظام صدام قد انهار فان القواعد التي ظل يعتمد عليها طوال سنوات حكمه ماتزال قائمة حتي اليوم ولم تنلها الحرب الا لماما. فالقيادات العسكرية والحزبية والسياسية هي اليوم طليقة. صحيح انها توارت خلف ظلال الخوف او ايثار السلامة، الا انها ماتزال موجودة ولم يمس معظمها. ويبدو لي ان القرارات والاجراءات الامريكية ربما ستدفعها الي الاصطفاف سوية، بعدما وجدت ان مصالحها ان لم تكن مبادئها تتعرض للانهيار التدريجي.. (احباء صدام) هم هؤلاء والي جوارهم في الصورة عدد (ما) من بين عامة العراقيين الذين اوغرت صدورهم مظاهر الاحتلال الامريكي واستفزت مشاعرهم مناظر القمع والتنكيل غير المبرر، واكتشافهم المبكر لحقيقة الحرية المزعومة.

لكن ما يلوح لي، هو ان جل ما اراد صدام ان يوحي به في الكاسيت بعدما شاهد المقاومة العراقية تتسع ويشتد عضدها، بانه يقف وراء كل العمليات التي اضحت تقض مضاجع الامريكان وتشعرهم بانهم باتوا وسط رمال متحركة تنغرز فيها اقدامهم اكثر فاكثر كلما مضوا فيها. بيد ان محاولة الايحاء تلك ليست مجافية للحقيقة وحسب، وانما فيها قدر كبير من الاحراج لعناصر المقاومة التي تنتمي الي اطياف واسعة، وهي ليست بالضرورة من اتباع صدام ان لم تكن من مناوئيه. فالارجح ان من يتصدر هؤلاء هم الاسلاميون. صحيح ان التخطيط لعمليات المقاومة، ودقة الاصابة، ونوعية التسلح، وطريقة الاختفاء تشي كلها بان وراءها (محترفين) كما اسماهم بول بريمر الحاكم المدني الامريكي للعراق، لكن من ذا يستطيع ان يزعم انهم من احباء صدام خصوصا وان معظم الشعب العراقي متدرب علي استخدام صنوف الاسلحة، اذ ليس في العالم شعب مجيش كما هم العراقيون، فضلا عن ان وضع صدام الراهن وصورته التي اهتزت شعبيتها وسلطته التي غادرت يده، وعدم امكانيته في الظهور العلني تجعل من الصعب عليه ان يلملم الان صفوف مقاومة واسعة. وهكذا فان امريكا ربما لن تجد عذرا افضل من كاسيت صدام لتنسب المقاومة الي من تسميهم فلوله وازلامه وبالتالي تتضاءل قاعدتها الشعبية. ولو سلمنا بالقول ان صدام يتصدر مجموعة مقاومة الا انها في احسن الفروض تمثل جزءا يسيرا من مقاومة شعبية آخذة بالاتساع.

لكن ما اغفل صدام حسين اجابته هو مالذي يرمي اليه من اعلان المقاومة؟ اتراه يحلم بالعودة للسلطة؟

لا شك انه ليس علي الحالمين حرج، فذاك امر خارج عن ارادتهم، لكن المؤكد ان العراقيين يصرون اليوم علي انهم لا ينوون العودة القهقري الي الوراء معلنين بذلك ان عصر الزعامات الملهمة قد مضي دونما رجعة، فالزعامة الوحيدة التي يقبلونها هي زعامة الشعب ذاته بلا وصاية من احد، فالعراقيون قادرون ان يصنعوا مستقبلهم الواعد دونما كاسيت.