من مقالات الراحل
الاستاذ عادل حسين
كان
الاستاذ عادل حسين رحمه الله من المفكرين الذين اسهموا في احداث نقلة نوعية في
طريقة التفكير الاستراتيجي . و كانت كتاباته تفسر الاحداث بطريقة مختلفة تبث الأمل
في الأمة . و كم فقدناه في هذه
المحنة التي يمر بها العالم الاسلامي ليشرح لنا كما عودنا ما يدور خلف ظواهر
التفكير النمطي و الانهزامي الذي تعج به الساحة ..
و الشعب
تعيد نشر أحد مقالات الاستاذ عادل التي تنبأ فيها بانهيار أمريكا عسي أن تفيدنا في
التعاطي مع الأحداث الراهنة بشكل ايجابي.
نرفض النموذج الأمريكي المادي..
والتقدم الحقيقي لا يكون
إلا بالإسلام
-
بالدراسات والأرقام: أمريكا سبقت كل العالم في تحلل الأسرة
والشذوذ والإجهاض وإدمان الكحول والمخدرات.. وفي جرائم القتل والسطو.
-
السياسات الاقتصادية لريجان فاقمت الأزمة بزيادة الفقر
والمظالم.
-
كلينتون فشل في تقديم أي حل.. لماذا؟
-
ننصح أهل الحكم في أمريكا وفي بلدنا: تعايشوا مع الصحوة الدينية
وإلا فإن العتف للأسف سيزداد.. ونحذركم في مصر من تزوير الانتخابات.
حين
وقع الانفجار الدموي الرهيب في أوكلاهوما شاهدنا و قرأنا العجب في الإعلام
الحكومي.."روز اليوسف" تورطت في سقطة مضحكة (باعتبار أن شر البلية ما
يضحك)، إذ انفردت باتهام المسلمين في أمريكا (بقيادة د.عمر عبد الرحمن) بأنهم خلف
تدبير الحادث، أما باقي الإعلام الرسمي فقد غلبت عليه الفرحة لأننا أصبحنا مثل
أمريكا!
إن
الإعلام الرسمي يعبر بطبيعة الحال عن رؤية أهل الحكم، وهؤلاء يرون أن أمريكا تجسيد
"للتقدم" و بقدر ما نحاكيها في كل ما تفعل،فإننا نتقدم في الطريق
الصحيح.. انهم يقيسون التقدم بالمعايير المادية وحدها، وعلي رأسها معيار متوسط
الدخل ،و ما يشتق منه في متوسط استهلاك الفرد في الغذاء أو الكهرباء أو
السيارات..الخ. ونحن لا ننكر أهمية هذه المعايير، فقد امرنا الله بإعمار الأرض لكي
ننعم بخيراتها، ولكن الحرص على ذلك ينبغي أن يكون في إطار تقوى الله و طاعته .. إن
التقدم عندنا هو في الأساس تقدم نحو الله، و أقرب الدول إلى الله هي عندنا الأكثر
تقدما، ثم تأتى وفرة الإنتاج الزراعي والصناعي بعد ذلك لتثبت إيمان المتقين و
لتعمق توادهم و تراحمهم.
ولا
يغرنك أن بعض أمم الكافرين و الفاسقين في بحبوحة من التقدم المادي.. فهذا لا يدوم
، وينتظر أصحابه عذاب عظيم في الآخرة بعد خزي الدنيا (أيحسبون إنما نمدهم به من
مال و بنين نسارع لهم في الخيرات بل
لا يشعرون). و المقصود انه لا ينبغي للعاصين أن يظنوا أن تركهم يتمتعون بما أعطاهم
الله يعني انه قد رضى عنهم ففاضت عليهم الخيرات بسرعة و كثرة .إن الله غير راض
عنهم و هذه النعم استدراج منة لهم .. و صدق الله العظيم.
إن
المتدينين جميعا يؤمنون بان الابتعاد عن سبيل الله يؤدى إلى انفراط المجتمع، و لو
بعد حين قد يطول..و نحن نري الآن بأعيننا كيف أن هذا الانفراط يؤدى بالضرورة إلى
تصدع الاقتصاد مهما كان بناؤه شامخا يخدع الناظرين..لقد رأينا هذا في الاتحاد
السوفيتي،و نراه الآن في الولايات المتحدة..
علامات الانهيار في المجتمع الأمريكي
..نحن نرفض تقليده
إننا نرفض إذن ما يجرى في مجتمع الولايات المتحدة ، ولا
نعتبره بالقطع نموذجا جديرا بالاقتداء ،بل نري أن اغلب مصائبنا الحالية يرجع إلى
أن من يحكموننا يتبعون أمريكا و يسعون في تقليدهم ،لان بعضهم عملاء و البعض الآخر
منبهر.
إن علامات الانهيار في المجتمع الأمريكي قديمة ، و لكنها
ظهرت في العقود الأخيرة على نحو صارخ. إننا الآن أمام انفراط ينتشر كالوباء ، و
أمام ظاهرة "ايدز" اجتماعي تقضى على منعة هذه الأمة و تجهز على نظامها،
ما لم ترجع عن غيها و تدركها رحمة الله.
عند مستوى المؤسسات الأولية التي قام عليها المجتمع
البشرى منذ خلقة الله، أصبحت صلات الرحم في أمريكا تتقطع ، فبعد تصفية
"العائلة الممتدة" و شجرة العائلة التي تربط الجدود بالأحفاد ، و تربط
الأعمام و الأخوال و ما يتفرع منها من أبناء ، و بعد أن انحصرت الروابط في
"العائلة النووية" التي لا تشمل
إلا الأب و الأم و أبناءهما القصر ، ثم أخذت هذه تتهاوى هي أيضا، فنسبة
الزواج بين الرجال و النساء تتراجع بسرعة ، و حتى في إطار هذه النسبة فان عدد
حالات الطلاق (بدون أسباب مسئولة) قد وصل إلى أرقام قياسية ، و كذلك أرقام الشذوذ
الجنسي ،والاغتصاب،والإجهاض.. في كل هذا يتفوق المجتمع الأمريكي على مجتمعات
الأرض.. منتهى التقدم!
وبالنسبة للمخدرات ، فقد كشف بحث أخير عن أن 23 مليون
أمريكي تعاطوا مخدرا خلال الأيام الثلاثين السابقة على إجراء هذا البحث ، و من
هؤلاء ستة ملايين يشمون الكوكايين بشكل منتظم ، و نصف مليون يتعاطوا الهيروين ،
أما طلبة المدارس الثانوية و ما دونها فان 50 % منهم يدخنون الماريجوانا ، وواحد
من كل سبعة يشم الكوكايين .. و قدرت "لجنة الاستخبارات القومية
للمخدرات" أن المبيعات بالقطاعي تبلغ في أمريكا الشمالية (من الكوكايين
وحدة)22 بليون دولار .. و في دراسة ضخمة للمنظمة الدولية لمكافحة المخدرات (
التابعة للأمم المتحدة ) ، جاء في النتائج أن الخسائر الاجتماعية-الاقتصادية
للإسراف في تعاطى المخدرات في الولايات المتحدة تصل إلى 60 بليون دولار، و هذا
المبلغ هو ستة أضعاف ما كان علية الحال عام 1984.
إننا هنا أيضا أمام "تقدم" سريع تسبق الولايات
المتحدة فيه جميع بلاد العالم.
إلا أن جورج مكجفرن (المرشح الديمقراطي الأسبق
لرئاسة الولايات المتحدة) يرى أن
هناك ما هو اخطر من هذه المخدرات ، وغيرها من الابتلاءات، فهو يقول "سمعت في الأشهر الأخيرة من عدد من
المعلقين المرموقين إن حالات الحمل لدى المراهقات هي المشكلة الاجتماعية الأهم في
أمريكا .
وقال غيرهم إن الجريمة في المدن هي الأخطر .
وحاجج آخرون بأن المشكلة الأشد إلحاحا هي القسوة الزوجية
و القسوة تجاه الأطفال ، أو المشاكل التي تأتى عموما من الإهمال والجهل في تربية
الأطفال.. وكل هذه مشاكل خطيرة و لا شك ، ولكن المشكلة الأخطر في رأيي التي تساهم
في خلق المشاكل الأخرى، هي مشكلة الإدمان على الكحول. الإدمان على الكحل في نظري
(أي في نظر ماكجرفن) هو الشر الاجتماعي الأول في أمريكا.
لقد
قدم الرجل هذا التقييم بمناسبة نعيه لابنته التي سقطت بسبب هذا النوع من الإدمان،
وماتت وسط الجليد دون أن يلتفت إليها أحد.. وساء أكان تقييمه لإدمان الخمور عدوا
أول صحيحا أم كانت الآفات الأخرى أخطر، فإن الصورة العامة لمجمل الكارثة لا تختلف
كثيرا.
في
جرائم المدن حققت الولايات المتحدة كذلك أرقاما قياسية في الفترة الأخيرة. جرائم
القتل أصبحت خلال عام 1993، حوالي 25 ألف جريمة (!) وهناك الآن في السجون أكثر من
مليون مواطن أمريكي، وأكثر من ثلاثة ملايين خاضعين للرقابة القضائية.. ويعني هذا
إن عدد المسجونين قد تضاعف خلال 10 سنوات..لقد كانت دولة جنوب أفريقيا "في
عزها" صاحبة الرقم القياسي العالمي بسبب الأعداد الكبيرة من السود الذين
تضعهم في السجون، وكان هذا الرقم القياسي هو 3و3 مسجون من كل ألف من السكان،
والولايات المتحدة تضرب الآن هذا الرقم بجدارة، فعندها 4.3 مسجون لكل ألف من
السكان، أي أنها تفوقت على الحكم البشع لجنوب أفريقيا بنسبة 30%!
وبالنسبة
لجرائم على المنازل ذكر ميشيل ألبير في كتابه المهم (المترجم إلى العربية بعنوان:
الرأسمالية ضد الرأسمالية/ دار
الشروق: وقد استعنت ببعض بياناته في هذا المقال)، أقول إن ميشيل ذكر أنه أثناء
زيارته الأولى للولايات المتحدة في عام 1960، استرعى انتباهه أن الأبواب لم تكن
تغلق أبدا بالمفتاح، حتى عندما كان الناس يسافرون للإجازة لمدة 15 يوما، إذ لم تكن
هناك عمليا عمليات سطو حتى في المدن.. وفي زيارته الأخيرة، يقول المؤلف أنه تناول
العشاء في عمارة تطل على حديقة مركزية وتتألف من 75 شقة، ولاحظ أن المستأجرين
يستخدمون لحمايتهم 20 حارسا موجودين ليلا ونهارا في أربع ورديات، كل واحدة من خمسة
أفراد!
هذه
الصورة ليست استثنائية. ولذا فإن شركات الحراسة والشرطة الخاصة والحراس الشخصيين
من القطاعات التي يتسع أفرادها ونشاطها بمعدلات شاذة في ارتفاعها.. وكذلك فإن مبيعات
الأسلحة للأفراد تضرب كل الأرقام المقابلة في الدول الأخرى.
إن
القلق والاضطراب لا يصيبان الأفراد وحدهم، وكذلك فإن الانفراط في عقد المجتمع لا
يتجلى في الأسر فحسب، فالأمة كلها تنفرط..حتى عهد قريب، كانت الولايات المتحدة
تزهو بأنها تبني "أمة المستقبل" تستقبل المهاجرين من كل مكان وتصهرهم في
بوتقة واحدة. وهذا الزعم كان فيه بعض الصحة (وليس كل الصحة طبعا)، ولكن حتى هذا
القدر من الاندماج لم يعد قائما الآن، وانتهت حكاية البوتقة ، فأمريكا منذ
الثمانينات تشهد ما يسمى عندها "القبلية الجديدة" إذ أن مختلف الجماعات
القومية أصبحت ترفض الاندماج، وتنغلق على نفسها تشبثا بتقاليدها الخاصة وثقافتها..
بل بلغتها.
ريجان جاء يكحلها فعماها!
في هذا الإطار من الانفراط الاجتماعي جاءت السياسات
الاقتصادية للرئيس السبق ريجان (محاكاة لما بدأته تاتشر في إنجلترا ) لتدعم هذا
الاتجاه ،لما تضمنته من مظالم اجتماعية حيث اتسعت الهوة بين الأغنياء والفقراء .
·
فالطبقة المتوسطة التي كانت مفخرة
أمريكا أصبحت تنكمش ، ويصب المتساقطون منها في جمهور الفقراء . وهؤلاء الفقراء في
أمريكا يتزايد عددهم الآن باطراد، وكذلك تزداد درجة فقرهم، فدخل أفقر أربعين مليون
أمريكي انخفض بنسبة 10% خلال السنوات العشر الأخيرة. وتشير الإحصائيات الرسمية
لمكتب الميزانية في الكونجرس إلى أن "الهوة بين الأمريكيين الأغنياء والفقراء
قد اتسعت إلى درجة 2,5 مليون غنى أمريكي خلال الثمانينيات يحصلون عمليا في مطالع
التسعينيات على نفس مجموع دخل ال100 مليون الذين يحتلون أسفل مقياس الدخول" .
إن الولايات المتحدة مع هذه التطورات تأكد موقعها في
"المقدمة" ، فهي تسبق كل الدول الصناعية في نسبة الفقراء من مواطنيها
(ياله من سبق !)..إن نسبة الفقراء في أمريكا تبلغ 17 % وفي المقابل فان نسبتهم في
ألمانيا والدول الاسكاندينافية لا تتجاوز 5 % ، وفي سويسرا 8 % .إلا أن بعد
الخبراء يرون تقديرا آخر ، وفقا لحساباتهم فان نسبة الفقراء في سكان أمريكا 20 %
وليس 17 % ، ولا يدخل في ذلك المهاجرون سرا و الذين تتزايد أعدادهم بمعدلات كبيرة.
وينعكس ذلك على ما أصاب التعليم قبل الجامعي ، فالهوة
بين أمريكا، والدول الصناعية الأخرى تتسع في هذا الشأن في ألمانيا واليابان على
سبيل المثال اغلب الطلاب مستوى متوسطا، بينما النتائج البالغة السوء تكاد تنعدم،
أما في الولايات المتحدة فأن الامتحانات الجادة لاختبار القدرات لا تنتظم أصلا!
إن الامتحانات لا تجرى إلا في 200 جامعة من بين 3600
..ودعك من العنف ضد المعلمين الذي تشتهر به المدارس الأمريكية، فإننا نكتفي هنا
بذكر أن الأبحاث أثبتت أن المذاكرة في المنزل لا تتجاوز الساعة في الولايات
المتحدة، بينما يشاهد التلميذ برامج
التليفزيون ثلاث ساعات على الأقل !
وبالنسبة للصحة ، معروف أن الولايات المتحدة لا يوجد بها
نظام عام للتأمين ضد المرض. والعلاج الخاص تزيد تكلفته على قدرة الفقراء. إن نصيب
الصحة في ميزانية الدولة الأمريكية يعتبر الأدنى بالمقارنة مع الدول الصناعية
الأخرى كافة (أي دول منظمة OECD )، وبالتالي لا غرابة في أن تكون
نسبة الوفيات بين أطفال الولايات المتحدة ضعف النسبة في اليابان ، ولا غرابة في أن
تكون الولايات المتحدة في هذا الأمر (أي نسبة الوفيات بين الأطفال) في المركز
الثاني و العشرين على نطاق العالم .. ويقال أحيانا أن هذه الصورة البشعة ترجع إلى ارتفاع
نسبة وفيات الأطفال بين بعض الأقليات العرقية وهذه تفرقة عنصرية بشعة .. إنها عذر
اقبح من ذنب ، ومع ذلك فان ارتفاع ضحايا الإهمال بين الأطفال لا يكفى القول السابق
في تفسيره، فحتى بالنسبة للأطفال البيض يلاحظ فارق كبير بين عدد وفيات الأطفال
الرضع البيض والعدد المقابل في الدول المتقدمة صناعيا .. ومعروف أن المعدلات
الأمريكية للتطعيم ضد الأمراض تقل في المتوسط بنسبة 40 % عن معدلات الدول الصناعية
الأخرى ، بل إنها تقل حتى عن معدلات بعض الدول الفقيرة
**************
لقد ذكرت أن السياسة الاقتصادية التي بدأها ريجان فاقمت
التحلل الاجتماعي، حين بالغت في إعلاء الفردية على حساب الجماعة، فزعمت أن
التراحم بين الناس يقوض النمو
الاقتصادي ، وأن التنافس في السوق يعنى أن يدوس القوى الضعيف، بل يفترسه .. وقد
توالت نتائج هذا المنهج على النحو الذي أشرت إليه ، فتسارع التحلل في بناء المجتمع
، وعلى عكس ما تصور أصحاب المنهج الوحشي أدى ذلك إلى وكسة الاقتصاد الأمريكي (من
حيث قدرته الإنتاجية والتنافسية ) وليس إلى إصلاحه و الاندفاع بنموه .
الأمريكية في قيادة التطور التكنولوجي و زيادة
الإنتاجية، ولن أستطرد في تراجع القدرة على المنافسة مع الشركات الأجنبية (خاصة في
القطاعات الأكثر تقدما ).. ولكن لا باس من الإشارة إلى ملاحظة ممثل شركة تويوتا
اليابانية ، فقد أجتمع الرجل مع مائتين من الخبراء و المسئولين في شركات أمريكية
تورد قطع غيار لشركته اليابانية (تويوتا)، وكانت الملحوظة تقول : إن معدل
القطع المعيبة الواردة من المصانع
الأمريكية يبلغ مائة ضعف ما هو علية الحال في اليابان!
*************
ما علينا.. إنني أركز هنا بشكل خاص على ما له صلة
بالانفراط الاجتماعي، أي على صلة هذا الانفراط بانهيار التوازنات الكلية في
الاقتصاد الأمريكي.
بعد أن خرج هذا المجتمع الأمريكي عن عباد الله وطاعته،
انقلب (هو والمجتمعات التي تشبهه) إلى عبادة " أوثان حديثة": أقصد
مبالغتهم في التعصب للأمة، وأقصد كذلك "وثن" النمو المادي و الاقتصادي
لهذه الأمة ، أصبح هدفا مقدسا ومشروعا تحقيقه بنهب المستضعفين و قتلهم بعشرات
الملايين .
ولكن مع زيادة الجرعة المادية و الدنيوية في العقود
الأخيرة ، تراجع الولاء للأمة أيضا ، وأصبح "الوثن" المقدس المعبود
حاليا هو الفرد بشهواته وغرائزه المحررة من أي قيد أو قيم .
إن
سقوط "وثن الأمة" بعد الكفر بالخالق وأوامره، جعل الفرد لا يهتم بتاريخ
الأمة التي ينتمي إليها أو
بمستقبلها. لقد بلغت الأنانية أقصاها ولم يعد الفرد مستعدا للتضحية أو لعمل الخير
من أجل الآخرين، سواء أكان هؤلاء الآخرون من معاصريه، أم من الأجيال التي سبقت، أم
من الأجيال التي ستأتي.
·
إن إشاعة هذا المناخ الذي أدى إلى
انفراط المجتمع، أدى في الاقتصاد إلى غلبة الحاضر على المستقبل، وغلبة النزعة
الاستهلاكية على التوجه للإنتاج، وقد انعكس هذا في العجزين التوأم في الاقتصاد
الأمريكي : عجز الموازنة العامة وعجز الميزان التجاري، لقد أصبح الاقتصاد الأمريكي
الآن -كما نعلم- أكبر مدين في العالم، بينما كان أكبر مقرض منذ أقل من 17 سنة.
ويعني ذلك أن الشعب الأمريكي يعيش الآن على أعلى من دخله اعتمادا على الاستدانة:
وهو في هذا لا يهتم بالأجيال القادمة التي سيقع عليها عبء سداد هذه الديون.. ليس
هناك من يفكر في مستقبل الأمة، فكل فرد غارق في تعظيم نصيبه الشخصي من الدنيا..
وملعون أبو أي اعتبار آخر أسمى.
·
ويدخل في ذلك إهمال الأصول العينية
الإنتاجية، فهي تنهار وتتراجع : وما دام الدف هو مجرد زيادة الدخول وبأقصى سرعة،
فقد يكون بيعها أولى من مشاق الاستثمار وإدارة المشروعات. ولذا فإن البورصة أصبحت
أهم من البنوك.. ومضاربات البورصة هذه تولد أرباحا عالية زائفة (نعم هي زائفة على
عكس الدخل الحقيقي المتولد من إنتاج عيني زراعة أو صناعة).. وتضخم الأرباح المالية
على النحو الحالي من خلال البورصات
هو ونوع من الورم الخبيث والعياذ بالله، أو هو أشبه بفقاعة لن تلبث أن تنفجر مخلفة كارثة مؤكدة.. وأرجو أن
أشرح هذا في مقال قادم إن شاء الله، ولكن أكتفي هنا بالقول إنه إذا كان الربا في
البنوك يؤدي في يقيننا إلى البوار الاجتماعي والاقتصادي بعد فترة، فإن الربا الأشد
في البورصات (وفيه مقامرة أيضا) مصائبه أكبر على أصحابه.
·
إن كل شيء عندهم أصبح قابلا للبيع
يحقق ربحا عاليا عاجلا الآن وفورا.. إن الدولار الأمريكي يواجه انهيارا غير مسبوق
في الأسابيع الأخيرة وهو يفقد بالتالي عرشه كعملة دولية وحيدة (مع كل الامتيازات
التي يحققها ذلك لأمريكا واقتصادها)، وأصبح مؤكدا أن يدخل معه الين الياباني
والمارك الألماني قيادة النظام النقدي.. إلا أن وول ستريت (حي رجال المال و
الأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية ) لا يرى في هذا الانحدار المأساوي إلا أنه
فرصة تجعل الأصول الموجودة على الأراضي الأمريكية سلعة رخيصة بالنسبة للأجانب ، و
بالتالي سيندفع هؤلاء لشراء العقارات و الشركات الأمريكية المتعثرة أو التي تعرض
نفسها للبيع، وتنقل مجلة نيوز ويك عن رجال الأعمال الأمريكيين في وول ستريت أن
خلاصة الموقف هي أن "أن أمريكا أصبحت صفقة .. ونحن الأمريكيين بوسعنا أن
نبيعها بالجملة"!
أن هذا الانحطاط لا يمكن في إدارة الاقتصاد و سياسته ، و
لكنة ينبع من تفسخ المجتمع ومؤسساته ، بحيث لم يعد هناك من يهتم بغير نفسه وبغير
ما يكسبه لشخصه أو لمؤسسته المباشرة .. لم يعد هنالك من يهتم بالصالح العام أو
بمستقبل الأمة .. و هذا النسيج الاجتماعي المهترئ يمنع إصلاح الاقتصاد على نحو
جذري .
زيادة الإرهاب .. و انهيار النظام
إن هذا التحلل وهذه المظالم تدعمها لقوة الدولة ، و
تدعمها عصابات منظمة ومسلحة ، وتدعمها كذلك أجهزة الإعلام الشيطانية التي تغسل
العقول وتشعل الغرائز الجنسية والتطلعات الاستهلاكية ، وتحارب كل من يذكر الأخلاق
النبيلة أو التضحية من أجل الوطن باعتباره أبله و متخلفا .. وما بالك بمن يذكر
الله و اليوم الأخر ؟!
وتزيد قتامة الاحتمالات ، حين نعلم أن النظام السياسي
الأمريكي، بوضعه الحالي وبإجماع
دارسيه، لا يملك القدرة على قيادة الإصلاح المنشود ، فحتى إذا ملكت بعض قياداته رؤية صحيحة لأصل
المشاكل ، وأرادت أن تغير القائد السائدة و السياسات ، فإن أصحاب المصالح الأنانية
المستفيدين من النظم المتهرئة الحالية يمنعون هذه القيادات من التغير ..
والتليفزيون الشيطاني الأمريكي على قرارات الرئيس أصبح أقوى من تأثير مستشاريه أو
أية مؤسسة معاونة.
و معروف أن كلينتون نجح في الانتخابات على أساس أنه نصير
"المستضعفين" ولكن برنامجه لم يكن موجها إلى جذور الأزمة في المجتمع
الأمريكي ، إلى انهيار القيم و غلبة الفردية النفعية ، وقد وضع في سلة واحدة :
الفقراء والملونين واليهود إلى جانب الشواذ جنسيا والمطالبات بالإجهاض! و لكنه بعد
نجاحه لم يوف بوعده إلا في الشواذ والإجهاض .. وفي اليهود طبعا .. بينما ظل
الفقراء و الملونون على حالهم بلا تعليم أو علاج لأن الجو السائد يمنع الموسرين من
قبول ضرائب تنفق منها الدولة على المحتاجين في التعليم و الصحة باسم العدل أو باسم
التكافل الاجتماعي.
***************************
إن العنف شديد و موروث في المجتمع الأمريكي، ومع تفاقم
الانفراط ومع انسداد طريق الإصلاح سيزداد العنف للأسف من غير شك لقد رأينا
اضطرابات لوس أنجلوس الجماهيرية في العام الماضي (على يد الملونين المقهورين )، ثم
رأينا انفجار أوكلاهوما مؤخرا (على يد البيض الرافضين للعقائد المادية السائدة )
.. ولا تندهشوا، مع تصاعد هذا الاتجاه ، ومع احتمال سقوط مدو اقتصادي ومالي ، إن
انهار النظام الأمريكي فجأة!
نعم هذا ممكن ومتوقع ..ونذكر المتشككين بأنه لم يكن هناك
من يتصور انهيار الاتحاد السوفيتي و الكتلة الشيوعية الأوروبية .. ولكنه انهار
فجأة بأمر الله ليكون معجزة لكل من يعتبر "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان
عاقبة المجرمين" .. وصدق الله تعالى "حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت
وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن
بالأمس . كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون".
·
والحقيقة أن مفاجأتنا في انهيار
الاتحاد السوفيتي تظل من مفاجأتنا المحتملة في الانهيار الأمريكي . إن انهيار
الشيوعية والاتحاد السوفيتي لم يكن
سبب أزمة الاقتصاد في المقام الأول ، ولكنه حدث بسبب انفراط المجتمع بعد سقوط
"الأوثان" التي قام المجتمع السوفيتي على عبادتها من دون الله .. وقد
كان عباد الله الواحد الأحد موقنين بحتمية انهيار هذا المجتمع الذي أعلن الإلحاد
بصفاقة غير مسبوقة، ولكن غياب البيانات و المؤشرات المعلنة في الاتحاد السوفيتي لم
يكن يجعلنا نتصور أن وعد الله سيتحقق بهذه السرعة وبهذه الجسامة.. أما في حالة
الولايات المتحدة ، فإن كل العالم وكل الظواهر التحلل مرصودة كما بينت .. وبالتالي
فإن بوسعنا أن نتوقع أن أمر الله سيأتيها ليلا أو نهارا فتكون حصيدا .. و من
واجبنا أن نقيم حساباتنا على هذا الأساس، ولذا ننصح المجاهدين في كل أقطار
المسلمين والمستضعفين بالصبر والثبات، فالميزان يتحرك لصالحنا وفرج الله قريب.
**********************
لأن نذر الانهيار في المجتمع الأمريكي تظهر واضحة، وإن
تعذر علينا أن نعين شكل الانهيار القادم أو وقته.
ولكن ما دام بوسعنا أن نتحدث عما يجرى ويتفاعل حاليا في
المجتمع الأمريكي ، بفضل نظامه المفتوح الذي يسمح بكشف كثير من وقائعه وأحداثه
فإننا نسجل إلى جانب ما ذكرنا أننا نرى في الأمة الأمريكية اتجاهات متصاعدة تناهض
النزعة الدنيوية المادية السائدة، مدركة أن هذه النزعة تنافى الفطرة وتزيل
الاطمئنان والابتسامة، بل تهدد التقدم الاقتصادي ذاته. إن هذه الاتجاهات تتخذ
أشكالا دينية من كل صنف، وهى في كثير من الأحيان ساذجة أو متضاربة (و الحقيقة أن
هذا الحال يصدق على كل الدول الصناعية شرقا و غربا بدرجة أو أخرى ).. و نحن لا نرى
بأسا في ذلك، فالعودة للإيمان الصحيح قد تتطلب درجات ومراحل حتى يأذن الله بالهدى
، ولنذكر هنا مثال سيدنا إبراهيم علية السلام :"و كذلك نرى إبراهيم ملكوت
السماوات والأرض وليكون من الموقنين *فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى
فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربى فلما أفل قال لئن
لم يهدني ربى لأكون لأكو نن من القوم الظالمين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى
هذا اكبر فلما افلت قال يا قوم إني
برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من
المشركين " .. صدق الله العظيم.
********************************
* و لكن هذه الاتجاهات الدينية أو الروحية في الغرب ما
زالت مستضعفة ومقهورة .. ومن واجب الصحوة الإسلامية المعاصرة أن تسعى في ترقيتها
وترشيدها وفق المفاهيم الصحيحة لدين الله ، حتى تتجه إلى الاعتدال و القسط .
وإلى من يتصورون أنها حرب بين الإسلام والمسيحية نقول بل
هي حرب يتحالف فيها كل المتدينين ضد الماديين الدنيويين الكافرين بالله و بالبعث
وحساب الآخرة . إن إخواننا المسيحيين في مصر قائمون معنا على هذا العهد ، وكانوا
معنا دائما ضد أعدائنا و ظالمينا .. ولكننا نتكلم هنا عن المسيحية في بلاد الغرب
التي يرى كثير من دوائرها الآن (بعد تجارب مريرة طويلة) صدق ما نطالب به وقد ظهر
حلف هؤلاء مع الأمة الإسلامية لأول مرة جبارا ومؤثرا في مؤتمر السكان في القاهرة
(1994) ، حين وقف المتدينون صفا ضد مطالب الدنيويين الاستعمارية بتهديد كيان
الأسرة و تشجيع الإجهاض والشذوذ ، بل وإبادة أكرم مخلوقات الله باسم تحديد النسل .
نصائح لأهل الحكم في مصر
و في أمريكا
إننا لا ندري كيف ستتطور الأمور في الدول الصناعية، وهل
سيتمكن المتدينون من تنظيم قواهم، وهل سيشرح الله صدور مواطنيهم لما يدعون إليه؟
وهل سيتم ذلك في وقت قريب؟ علم هذا كله عند الله، ولكننا ننصح أهل الحكم في
الولايات المتحدة، وفي غيرها، فإذا لم تفتحوا باب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة،
وإذا لم تفتحوا طرق التغيير بالوسائل السلمية الديمقراطية، فإن العنف في
مجتمعاتكم، كما سبق أن ذكرنا سيزداد بالقطع. وأصحاب العنف من أمتكم أخطر جدا من
أصحاب أي عنف "مستورد"، فأصحابكم على كفاءة تكنولوجية رفيعة، ولهم قدرات
تمويلية كبيرة. والحقيقة أن كل الدارسين الغربيين لشئون الإرهاب تحدثوا عن هذا
الذي ذكرته، وكل ما شرحوه عن احتمال استخدام تفجيرات نووية صغيرة أو كيمائية، كان
يتضمن ما تتيحه الإنجازات التكنولوجية المعاصرة وتضعه في يد الإرهابيين الأمريكيين
أو اليابانيين.. وقد ظهرت النذر
العملية الآن لكل ذلك.
ولكن
ما دمنا ننصح أهل الحكم في أمريكا وفي غيرها، فمن واجبنا من باب أولى أن نمد النصح إلى أهل الحكم عندنا.
إننا
نقول لأهل الحكم: إذا كانت محاولة إطفاء نور الله في بلاد الغرب مستحيلة. إن أمتنا
لن تستبدل ما هو أدنى بالذي هو خير.
أمتنا لن تقبل تقليد النموذج الأمريكي وحضارته المادية المتداعية، وتصر على بعث
حضارتها الإسلامية بمبادئها الوسطية العادلة التي تجلب الخير في الدنيا والآخرة.
إن
هذا الاختيار لا رجعة فيه يا أهل الحكم بعد انقشاع الإفك والضلال، ترى هل ترون
وتسمعون؟ إننا نلحظ أنكم مصرون على اضطهاد ومطاردة كل من يقول مثلما قلت مصرين على
مواجهة الطوفان!
إننا نراكم تنشرون بالفعل وعبر إعلامكم الرسمي قيم
الحضارة الغربية المادية بكل ما يتضمنه ذلك من فسق وفساد ونهب وترف سفيه، ومن
إشاعة للظلم والفقر بين المستضعفين،
وحين أدى كل هذا إلى عنف وسفك للدماء فرحتم لأنكم أصبحتم نسخة طبق الأصل من
أمريكا!
حسنا،
افعلوا ما شئتم، ولكن هل توجد طريقة لتغيير هذه السياسات والأوضاع إن أراد الشعب
ذلك؟ وإذا أصررتم على تزوير الانتخابات القادمة لتسدوا سبيل التغيير السلمي، فهل
يعني ذلك إلا تحريضا على مزيد من العنف؟
·
إنني أقول قولي هذا، وكل ما يجري
على الساحة يدل على أن نيتكم في التزوير مبيتة بالفعل، ويثبت أنكم ترفضون الالتزام
بأية ضمانات لنزاهة الانتخابات العامة القادمة.. إلا أن حزب العمل ينصحكم بأن
تتقوا الله من أجل محاصرة الفتن والقلاقل.
ألا هل بلغت؟