التفرد الأمريكي
بقلم : د. خالد عبدالله *
بعد انتهاء
الحرب الباردة بدا التذمر يتسع والشكوى تتزايد، من البلدان الكبيرة وبالذات
الأوروبية، من نزوع الولايات المتحدة نحو الاستئثار بصنع القرار والانفراد بمعالجة
القضايا الدولية. إذ باتت تعزف عن استشارة حلفائها أو إشراكهم بشكل جدي في ما تريد
فعله في شؤون ومناطق موضع اهتمامهم ومحل مصالحهم. ولأنها أضعفت أيضا الأمم المتحدة بالتوقف عن الإيفاء
بالتزاماتها المالية وبسيل من رجم الكلام، ثم أقرنت ذلك بالقول أنها لن تكف
عن باطلها أ و ترعوي عن ظلمها إلا
حينما تمتثل المؤسسة الدولية لشروطها. وحملها ابتزازها إلى كثير مما تريد في
العراق وفلسطين ويوغسلافيا وغيرها. بل أن غنجها قادها إلى أن تلاحق الهنات من
الأمور فاستبدلت الأمين العام للأمم المتحدة. وحينما وصل بوش إلى السلطة تطور
التفرد نوعيا. فأعلن للعالم أن المواثيق والاتفاقات لا تساوي لديه خردلة وأنها إن
أمضيت فإنما لتنتهك من الولايات المتحدة. فقد بدأ عهده بمرسوم جديد أن الولايات
المتحدة هي الحكم المطلق، على غرار العدالة المطلقة، تضع القوانين للآخرين وتلزمهم
بها حتى ولو انتقائيا ولكنها ليست مناطا لها. فبوش، وحزبه الجمهوري، يعتقد أن
أمريكا ضيعت على مدى ثمان سنوات من حكم كلينتون فرصة لإعادة صياغة العالم على
هواها ووفق مصالحها. فغلاة الجمهوريين يرون أن المكانة العسكرية والاقتصادية
والسياسية التي تحظى بها الولايات المتحدة نادرة الحدوث في التاريخ ولا ينبغي أن تفوت ما تتيحه لها من حيث تعظيم
المكاسب الجارية أو توطيد دعائم تفوقها ومد رحابه إلى مستقبل غير منظور. وقد أخطأ
البعض حين ظن أن النقد الجمهوري الجارح لإدارة كلينتون لتدخلها في بعض
المشاكل الدولية أو في الذهاب إلى المتحدة أحيانا منبعه الرغبة في الانعزال عن
العالم. فالحقيقة أنهم يريدون أن يمسكوا برقبة العالم وفي الوقت نفسه ينعزلوا عن مشاكله التي لا تلحق ضررا
بمصالحهم. فهم ينطلقون من نظرة رأسمالية بحتة لتعظيم المنافع وتخفيض الكلف، بل في
بعض جوانبها مالتوسية من حيث فليقتل الناس بعضهم البعض ما لم يطل هذا القتل
الأمريكان أو يهدد مصالحهم، ففي ذلك تخفيف للمشكلة السكانية العالمية. وحين نمعن
النظر في مشكلتين دوليتين متشابهتين من حيث بعدهما الإنساني ومختلفتين من حيث
طريقة المعالجة نتبين تجلي هذا المفهوم بأبشع صوره. فمذابح رواندا التي حصدت مئات
الآلاف من الأرواح لم تلق حتى بعض ما نالته المجازر في يوغسلافيا من اهتمام وفعل
أمريكي. فالأولى، لم يكن فيها مصلحة لدفع ضرر أو جلب منفعة، أما الثانية فمفعمة
بالمصالح. وأولى هذه المصالح إنهاء النفوذ الروسي لتمهيد المناخ السياسي للمصلحة
الثانية التي تتمحور حول السيطرة على نقل النفط من بحر قزوين إلى أوروبا عبر
البلقان. وثالثها إحكام تواجدها في أوروبا الذي بدأت الشكوك حوله تتعاظم في كثير
من الأوساط الأوروبية.
وحينما
وقعت الهجمات الانتحارية على نيويورك وواشنطن وأعلنت واشنطن أنها ستقيم تحالفا
لمحاربة الإرهاب دب التفاؤل في أوصال الكثير من الدول التي ظنت أن ضخامة الأحداث
ولدت قناعات جديدة لدى أمريكا ستؤدي
إلى تحول جذري في سياساتها. فالبلدان الصغيرة التي تنوء بالمشاكل استبشرت أن نجمها
بزغ لأن أمريكا في محنتها ستدرك رزايا الآخرين وستعمل الفكر والجوارح في حل
مشاكلهم وعونهم على تجاوز مآسيهم، فأسرعت، حتى تلك التي أذاقتها أمريكا الأمرين،
تعلن الحداد والتطوع في الخدمة على قدر المستطاع. ولكن سرعان ما اكتشفت أن أمريكا
ليست في ذلكم المزاج. فباكستان التي بذلت كل ممكن لا زالت تخضع لبعض العقاب،
والعرب وجدوا أن كرم أمريكا في توزيع الأمنيات عند مستهل حرب الخليج الثانية كان
أعظم مما تلقاه الآن. أما الآخرين الذين ضعضعتهم وأفقرتهم العولمة الرأسمالية فلم
يكونوا حتى على البال.
والبلدان
الكبيرة ظنت أن أمريكا أيقنت بعد الأحداث عقم التفرد وأنها ستصلح ما أفسدته على
الأقل خلال الأشهر الأولى من حكم بوش. فأسرعت تتنافس على دخول التحالف حتى تضمن من
خلال المشاركة بعض المنافع، كما بدأت تتزاحم على تحسين وتعزيز مواقعها في هرم
الهيمنة الدولية. فبريطانيا أفرطت في تقديم الخدمات وفي تبني صيحات وشعارات الحرب
الأمريكية حتى كادت تتماهى فيها يحدوها في ذلك دوافع متنوعة وأغراض مختلفة. فعدا
عن أن موقفها منسجم مع اتجاه عام للسياسة البريطانية وبالذات العمالية يستظل
بالسياسات الأمريكية ويتفاعل معها مما قوى مركزها في مواجهة منافسيها الأوروبيين،
الألمان والفرنسيين، لكن مجيء بوش إلى السلطة قلب الوضع. إذ بدت أولويات بوش
مختلفة عن نهج كلينتون، حيث برز
التفرد الكامل منهجه وحيث أصبحت المكسيك الصديق الأكبر لبلده مما سقط في يد بلير
حتى قدمت له الهجمات الانتحارية مخرجا من حيرته. فبدأ يصول ويجول بالسعاية بعد أن رد إليه اعتبار الصديق وقوي موقفه
في القارة الأوروبية حتى تفاخر بأن بريطانيا هي الجسر بين أوروبا وأمريكا. ثم
مكنته الأحداث من أن يخمد ولو لحين جذوة المعارضة لسياساته الاقتصادية التي أضرت
بالفقراء والطبقة المتوسطة حيث لوى أعناق الاهتمام إلى الخطر الطارق على الأبواب.
وسارعت
ألمانيا إلى توسيع مشاركتها العسكرية إلى مدى جديد تحت جنح هوس الحرب وحمى الإرهاب
حتى لا تثير الهواجس الداخلية أو المخاوف الخارجية. فهي تعرف أن تأكيد نفوذها
وبسطه بما يتناسب مع قوتها الاقتصادية يستدعي أنيابا ويتطلب مخالبا في عالم ما زال
لا يفل الحديد فيه إلا الحديد. ووقفت فرنسا حيرى بين أمرين يصعب التوفيق بينهما في
هذه الحرب الأمريكية ، أن تحافظ على نهجها المستقل في السياستين العسكرية
والخارجية عن الولايات المتحدة وأن لا تهدر ما قد تنال من غنائم في ما لو شاركت في
إعادة ترتيب العالم الذي تحث إليه الخطى الولايات المتحدة. وقد أفقدها التأرجح بين
الحالين رضا أمريكا. ولكن من يدري
كم ستغنم فرنسا إن طاحت المقادير بما تعد له أمريكا، ويبدو هذا ظن بعض السياسيين
الفرنسيين.
أما روسيا
بوتين فيشغلها أمرين ، أن تطلق يدها في الشيشان فلا ينغص عليها الغرب حربها ضدها بدعم معنوي أو غيره، وأن تدخل
إلى حلف الناتو. وهذا ما يخشاه الكثير من السياسيين في شرق أوروبا لأن دخول روسيا
لن ينهي عزلتها فحسب بل سيكون عتبتها إلى ولوج السوق الأوروبية. وسيمكنها ذلك من
المشاركة الفعالة في إعادة صياغة حلف الناتو ومن عودة نفوذها إلى منطقة شرق
أوروبا.
لكن
البلدان الكبيرة بدت تقرأ الخيبة على لوحة السياسة الأمريكية. فقد كان الخط مقروءا
والصوت مسموعا منذ البداية فهذه حرب أمريكا تقرر مداها ومحتواها وليس على بلدان
العالم إلا أن ترد الجميل أو أن تخشى البطش. فمقولة إما معنا أو مع الإرهاب كانت
تعبيرا صادقا عن كنه هذه الحرب، ومن أعياه
فهم الإيجاز فصله له وزير الدفاع الأمريكي حينما قال" أنه ليس هناك
تحالف واحد في هذا الجهد بل هناك عدد من التحالفات المرنة التي ستتغير
وتتطور". واستطرد في القول " دعني أعيد التأكيد بأن المهمة تحدد التحالف
وأن التحالف لا ينبغي أن يحدد المهمة". وما قالته أمريكا بعنجهية وزير دفاعها
هو أنها لن تقبل تحديدا جغرافيا لحربها أو تقييدا لممارساتها حتى الرمزي منها مثل
احترام شهر رمضان، فمن لم يأخذ بشروطها فعليه أن يترك التحالف مغضوبا عليه. ولذلك
لا عجب أن تصب الصحافة الأمريكية جامها على من يطلب الذهاب إلى الأمم المتحدة أو
يعارض ضرب بلدان أخرى.
ولا ينبغي
أن يثير ذلك الاستغراب، فأمريكا الدولة الأعظم في العالم تدرك أن الكثير من
الإمبراطوريات قد عصفت بها رياح التغيير حين ضعفت وحين تمكن غيرها. فهي لا تريد أن
تكون قوية فحسب بل تريد أن يبقى الآخرون ضعفاء. وهي تسعى لأن تسيطر تماما على
مفاصل التقدم في العالم كي تبقى فجوات القوة بينها وبين الآخرين واسعة. وإحدى
مفاصل التقدم في عصرنا الراهن الطاقة التي خاضت من أجلها خلال العقد الماضي الحرب
في الخليج والبلقان وتخوض الآن من أجلها الحرب في أفغانستان. وفي حربها الجديدة لا
تطيق شروط الحلفاء أو تما هل الأمم المتحدة.
والنفط
المصدر الأساسي للطاقة أصبحت موارده شحيحة، إذ يقول الخبراء وأهل الصناعة أنه تم
حتى الآن اكتشاف 90% من احتياطي
النفط وأن إنتاجه قد يبلغ قمته في عام 2005 أو في عام 2010 وبعد ذلك سيبدأ
بالانحدار. ويشكل نفط بحر قزوين مخزونا كبيرا من احتياطي النفط ولكن دونه عقبات.
فبحر قزوين تتشارك شواطئه مجموعة من البلدان إيران وأذربيجان وروسيا وكازاخستان
وتركمنستان تثور بينها مشاكل حول استغلال بحر قزوين. لكن أمريكا وجدت طريقها إلى
الجمهوريات الإسلامية الجديدة غير أن العقبة الكأداء هي نقل النفط حيث يوجد إلى
حيث يحتاج إليه. وتكمن المشكلة في أن أمريكا لا تريد للنفط أن ينقل عبر أراضي
بلدان منافسة، روسيا والصين، أو معادية كأيران. ولذلك ذهب التفكير أولا إلى نقله
عبر خط أنابيب تمتد تحت بحر قزوين وفي أراضي أذريبيجان وجورجيا ومن ثم تركيا، أما
الخط الأقصر فهو عبر أفغانستان. وقد كان جزء من التصور الأمريكي أن وجود قوة واحدة
كطالبان تحكم أفغانستان مسهلا لمشروع نقل النفط مما يفسر دعمها ابتداء لطالبان
وسكوتها بل تشجيعيها للدعم الباكستاني والسعودي لهيمنة طالبان على أفغانستان. ولكن
مكرها ارتد إليها. فالحرب الجارية تصبو ليس فقط إلى وضع من تطمئن إليهم في الحكم
في أفغانستان بل وفي بدء تواجد لها في دول المنطقة تؤمن هيمنتها على مخزون نفط بحر
قزوين وتحاصر الصين وروسيا وإيران. وهذه الهيمنة لا تتحقق بضربات خاطفة أو فترة
قصيرة بل تتطلب جهودا متواصلة وحربا متعددة الأبعاد طويلة. وهذا ما يقصده
الأمريكان حينما يتحدثون عن حرب أعوام وليس أشهر.
ويبدو أن
حرب النفط هذه ستمتد إلى مناطق النفط الأخرى وأعني العراق فنذرها تترى لكن
استهلالها يعتمد على نجاح أو إخفاق حربها في أفغانستان. فإن فشلت في مسعاها أو كان
الثمن باهظا فربما تقوم بأعمال انتقامية فحسب. لكن نجاحها قد يشجعها على نقل حربها
إلى العراق. وما نقل عن خلاف داخل الإدارة الأمريكية حول هذا الموضوع لم يكن خلافا
على المبدأ وإنما على تحديد الأولويات. فوزير الخارجية الأمريكية يريد حصر الحديث
عن أفغانستان ليس لأنه أقل حقدا على العراق وإنما لأنه يريد تحقيق النجاح في
أفغانستان أولا الذي يصعب دون تحالف متراص خلف أمريكا ثم ينقله النجاح على جناحه
إلى منطقة أخرى. ومن هنا يمكن قراءة تصريحات وزير الدفاع الأمريكي عن تغير التحالف
وتطوره. فبعض الذين يقبلون بضرب أفغانستان الآن قد لا يقبلون بتكرار الأمر نفسه في
بلد أخر.
ومع حرص
أمريكا على حلف متماسك لكنها بدأت منذ الآن في التحضير للمستقبل. فما تتعرض له بعض
البلدان العربية وبخاصة السعودية ومصر من تأليب ونبز في الإعلام الأمريكي ولمز
ووعيد من بعض المشرعين إن هو إلا
لتليين مواقفها وإخضاعها لضرورة الموافقة على ما تزمع أمريكا فعله ضد بلد عربي أو
أكثر. ولن يشفع لكثير من البلدان العربية حرصها على صداقة أمريكا بل وممالأتها لها
في منطقتنا وفي أصقاع مختلفة من المعمورة لكي تنجو من شرها أو تفلت من غشمها إن استدعت مصالحها ذلك.
وفي مواجهة
الخطر الداهم لا يجوز للبلدان العربية أن تصمت على ما يجري في أفغانستان. فوقفة
حقيقية ضد العدوان الأمريكي لا تقتضيه فحسب الواجبات الأخلاقية والدينية، بل تمليه
متطلبات الدفاع عن الذات. فالظن أن الصمت يدرأ ضررا أو أن الإذعان يجلب نفعا سراب
طالما أودى بطالبيه. ولا تحتاج البلدان العربية لأن تفتش في ثنايا التاريخ كي تتعظ
من عبره في أن القوى التي ترى في فوهة المدفع ينبوعا للعدالة لن تثنيها سلامة
النية أو حسن الطوية حتى تبلغ مقصدها
إلا أن ترى دونه سدا منيعا، بل عليها أن تنظر في صفحات حاضرنا المليئة
بالدروس.
---------------------------------
*الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن