تعقيب
على فتوى إباحة قتال المسلمين في أفغانستان
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
الجنسيات معاقد ولاء وبراء ( ! ) توجب أن يكون حاملها ظهيرا على أمته،
شاهرا لسلاحه في وجهها - إذا اقتضت المصلحة ذلك - حتى لا يكون مشكوكا في وطنيته (
! ) أو مطعونا في ولائه ( ! )
وقيادات الكفر هم أصحاب الولاية في توجيه الاتهام إلى من يشاءون، وحشد الحشود على من يشاءون
( ! ) وعلى العسكريين المسلمين في
جيوشهم أني يصدقوهم في ذلك وأن يظاهروهم عليه ( ! ) وانتساب المسلم إلى أحد الجيوش الكافرة يحصنه من أن تطاله
النصوص التي تحرم الاقتتال بين المسلمين ( ! ) وتحتم عليه أن لا يجد في صدره حرجا من قتالهم تحت راية خصومهم،
وحسبه في ذلك النية الصالحة، والقصد الحسن ( ! ) هذا غيض من فيض، مما حملته هذه الفتوى التي تحل للعسكريين
المسلمين في الجيش الأمريكي أن يشاركوا في المعارك القادمة، ضد أي فريق من
المسلمين، تقرر دولتهم أنهم يمارسون الإرهاب ضدها، أو يظاهرون أحدا على ذلك !
هذا هو الموجز أيها
السادة، والتفاصيل مريرة !! لم يكن في مقدور أحد من المراقبين مهما كان خصب الخيال،
أن يتصور أحدا ممن ينسب إلى العلم، ويحسب على الصحوة الإسلامية بوجه أو بآخر، أن
يتنقل بتقديم هذه الفتوى، التي تسوغ لجيوش الصليبية، بقيادة قوى الاستكبار
العالمية، أن تشن على فريق من أمة محمد حرب إبادة، وأن تعد العدة للزحف المدمر على
آخرين، ويفتي طائفة العسكريين المسلمين في هذه الجيوش بمشروعية المشاركة في هذه
الحروب، والمظاهرة عليها، وينسف آخر حصن من حصون التدين داخل قلوبهم، وهو التحرج
أو التأثم عند ارتكاب هذا المنكر، ويوهن عزائمهم حتى من مجرد المطالبة باستبدال
المشاركة في العمليات الإغاثية بالمشاركة في الأعمال القتالية !
ولا نريد أن نسترسل مع هذه الزفرات، فإن المقام
مقام جد لا هزل فيه، فقد دقت طبول الحرب، وبدأت آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ
تتساقط على بقعة من بلاد الإسلام، لتهلك الحرث والنسل ! وتشيع في الأرض الدمار
والخراب ! وهي مجرد بداية كما يقولون،
وستتلوها صواعق أخرى، في هذا الموقع، وفي مواقع أخرى، خطط لها الظالمون، وليعلم
الذين يغضون الطرف عن ذلك اليوم أنهم سيكونون وقود نيرانه غدا ! وأكلت يوم أكل
الثور الأبيض !
إن هذه الفتوى تشتمل
على جملة من الأغلاط العلمية والعملية،
وقبل أن نشرع في بيانها وتعقبها، نوطئ لذلك بإيراد جملة من المبادئ لا يسع
القارئ - مسلما كان أو غير مسلم- أن
يتجاهلها بين يدي قراءته لهذا التعقيب .
مقدمات بين يدي التعقيب
أولا : تعظيم أمر الدماء، وتغليظ العقوبة
عليها، واشتداد غضب الله على المجترئين عليها بغير حق ، مما استفاض تقريره في
الشريعة المطهرة ، وأكدت عليه نصوص الوحيين قرآنا وسنة ، فلا يزال العبد في فسحة
من دينه ما لم يصب دما حراما ، وكل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا ،
أو مؤمنا يقتل مؤمنا متعمدا ، ومن هنا كانت عقوبة القصاص في الشريعة ، صيانة لدماء
البشر، وحماية لها من المفسدين في الأرض ! وكانت عقوبة الحرابة - وهي أشد وأغلظ -
حماية للمجتمع من غوائل المارقين عليه ، وتأكيد لحرمة الأمن العام في الشريعة
المطهرة ، قال تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله
عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ( النساء : 93) وقال تعالى : ( ولكم في القصاص حياة ياأولى الألباب لعلكم
تتقون ) ( البقرة : 179 )
وهذا التعظيم للدماء في الإسلام شريعة عامة ،
لا يفرق فيها في الأصل بين مسلم وغيره ، فلا تستباح الدماء في دار الإسلام إلا
بإحدى ثلاث : القتل العمد العدوان ،
أوالزنا بعد الإحصان ، أوالردة بعد الإيمان ، قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل
دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والتارك لدينه
المفارق للجماعة ) ولا تستباح خارج دار الإسلام إلا في الحرب المشروعة التي تكون
لدفع العدوان : العدوان على بلاد الإسلام ، أو العدوان على الإسلام نفسه ، بفتنة
الناس عنه، أو صدهم عن سبيله، ووضع المعوقات في طريقه، ومصادرة حق البشر في
اختياره، قال تعالى : ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله
لا يحب المعتدين ) ( البقرة : 190 ) وقال تعالى : ( ومالكم لا تقاتلون في سبيل
الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه
القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا) ( النساء :
75 ) وفرق بين الحرب المشروعة كما عرفتها مواريثنا الفقهية والتاريخية ، والحرب المقدسة
كما شاعت في الأوساط الغربية ، والتي يراد بها إكراه أهل ملة على الدخول في ملة
أخرى عنوة وتحت بارقة السيوف ! فإن هذا ما لا يعرف له نظير في ملة الإسلام ،
انطلاقا من هذا المبدأ القرآني الخالد ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي
) ( البقرة : 256 )
ولهذه الحرب المشروعة شرائط وآداب لا تتحقق
المشروعية إلا باستيفائها ، منها على سبيل المثال : تجنب الغدر، فمن كان بينه وبين
قوم ميثاق وجب عليه أن يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم ، ولا يحل له أن ينكث فيه بحال، وإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم
على سواء ، وأعلمهم بالمنابذة والمصارمة ، والنصوص في ذلك صريحة وقاطعة ! قال
تعالى : ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين
) (الأنفال : 58 ) ومعنى قوله تعالى : فانبذ إليهم على سواء : أي أعلمهم بأنك قد
نقضت عهدهم ، حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم وهم حرب لك ، وأنه لا عهد بينك
وبينهم على السواء ، أي تستوي أنت وهم في ذلك ) ( تفسير ابن كثير : 578 ) وأخرج الإمام أحمد وغيره عن سليم بن
عامر قال : كان معاوية يسير في أرض الروم وكان بينه وبينهم أمد ، فأراد أن يدنوا
منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم ، فإذا شيخ على دابة يقول : الله أكبر ! وفاء لا غدرا
! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ومن كان بينه وبين قوم عهد، فلا يحلن
عقدة، ولا يشدها، حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء، قال : فبلغ ذلك
معاوية، فرجع، وإذا الشيخ عمرو بن عبسة .
ومنها تحريم قصد
العدوان على غير المقاتلين ، فإن من شريعته صلى الله عليه وسلم أن لا يقصد
بالعدوان إلى غير المقاتلين ، سواء أكانوا من النساء أو الأطفال أو الشيوخ أو
المنقطعين للعبادة في الصوامع والأديرة ونحوه. والنصوص في ذلك صحيحة وصريحة ، لا
يستثنى من ذلك إلا حالة الاختلاط وانعدام القدرة على التمييز، كما لو تترس
المقاتلون ببعض هؤلاء وجعلوا منهم دروعا بشرية ونحوه.
ثانيا : معقد الولاء والبراء في الشريعة هو
الإسلام وما جاء به من البينات والهدى ، فقد حرر الإسلام بني البشر من التعصب
للأعراق والألوان والألسنة ، ومحض ولاءهم للحق الذي نزل من عند الله ، وأمرهم أن
يكونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين ، وهو بهذا
لا يفرق بين من يقيم في دار الإسلام أو يقيم خارجها ، فهذه شريعة عامة تخاطب
المسلم أينما كان ، فوق كل أرض وتحت كل سماء ، فالمسلم لا ينصر أحدا على باطل ، مسلما
كان أو غير مسلم ، فردا كان أو كيانا سياسيا ، غربيا كان أو شرقيا ، قال تعالى : (
لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا
آباءهم أوأبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أؤلئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح
منه ) المجادلة : 21 ) أي لا يوادون المحادين ولو كانوا من الأقربين ، وقال تعالى
: ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها
وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله
فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) ( التوبة : 24 ) فأمر
تعالى بمباينة من حاد عن الحق فطغى ، واستحب العمى على الهدى ، ولو كان من أقرب
الأقربين ، فالقضية إذن ليست موقفا يقفه المسلم ضد الغرب عامة ، ولا ضد الولايات
المتحدة خاصة ، وإنما هو منهج عام ، الشرق والغرب فيه سواء ، فلو أن أحدا من بني
قومه تعدى وجار ، فإن نصرته له أن يضرب على يده ، وأن يمنعه من الظلم ، لا أن يشاركه فيه
، أو يعينه عليه ، فإن من نصر قومه على الباطل ، فهو كالبعير الذي تردى ، فهو ينزع
بذنبه ! كما قال صلى الله عليه وسلم ، وليس لنا مثل السوء ! وقد رأينا في تاريخ الإسلام
من ذلك العجب ، لقد رأينا كيف حرر الإسلام أتباعه من وصمة التعصب الأعمى للقبيلة
أو العشيرة ، بل ولأواصر النسب والرحم والقربى ، عندما لا تكون على الحق ، ولقد
كانت غزوة بدر امتحانا لهذا المعنى في نفوس المؤمنين ، فانتصر الولاء للإيمان على
الولاء لكل ما سواه، ولن تنسى ذاكرة التاريخ ما وقع في فتح سمرقند عندما استعدى
أهلها عمر بن عبد العزيز على القائد الفاتح، لأنه دخل عليهم ديارهم قبل دعوتهم إلى
الإسلام، فأمر قاضيه أن ينصفهم، فقضى ببطلان الفتح، وإخراج الجيوش الفاتحة
المنتصرة خارج سمرقند، حتى تستوفى إجراءات الفتح كافة، كما جاءت في النصوص
الشرعية، وانسحبت القوات فعلا، وكان ذلك سببا في إسلام أهل سمرقند !
أيها السادة:
بعد هذه المقدمات ،
نشرع في أهم ما جاء في هذه الفتوى من أغلاط علمية وعملية ، سائلين الله للذين
تحملوا تبعتها أن يردهم إليه ردا جميلا ، وأن يوفقهم إلى الإنابة إلى الحق
ومراجعته ، قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ، يوم تجد كل نفس ما
عملت من خير محضرا ، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا !
أهم الأغلاط التي
تضمنتها الفتوى
انطلاقها من فرية
الإدانة لحركة طالبان : وتحميلها مسؤولية الأحداث التي وقعت في الحادي عشر من
سبتمبر، وهو أمر لا تملك أمريكا ولا غيرها أدلة قاطعة عليه، تسوغ لها تحزيب
الأحزاب، وحشد الحشود، واستنفار القوى العالمية، لتدمير دويلة فقيرة منهكة، مزقتها
الحروب، وأهلكها الفقر والحاجة، ورغم أن الاستفتاء ينص في مقدمته على أن الغاية من
هذه العمليات العسكرية هو ( الانتقام من الذين يظن أنهم شاركوا في تدبير وتمويل
العمليات الانتحارية التي نفذت في
الحادي عشر من شهر سبتمبر، وردع وإخافة من ظاهروا على ذلك ) أي أن المستفتي يلفت نظر المفتي إلى أن
الانتقام هنا مبني على مجرد الظن
وأن الذين جيشوا الجيوش وحزبوا الأحزاب لا يملكون على ذلك أدلة قاطعة، لكن
الفتوى تتجاهل هذا، وتذكر في مستهلها ( أن الواجب على المسلمين أن يكونوا يدا
واحدة ضد الذين يروعون الآمنين ويستحلون دماء غير المقاتلين بغير سبب شرعي !! ) وهكذا تسابق الفتوى أجهزة الإعلام
اليهودية في إدانة حركة طالبان - ومعهم أسامة بن لادن - وتستنفر المسلمين في الجيش
الأمريكي لقتالهم في هذه الحرب الضروس ، وأن لا يجدوا في صدورهم حرجا من ذلك !
تكييف أحداث سبتمبر
على أنها من جنس الحرابة : التي تستوجب القتل، أو الصلب، أو التقطيع من خلاف، أو
النفي من الأرض! فقد كان مما نصت عليه هذه الفتوى : ( ولو أن هذه الأحداث
الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية عوملت بمقتضى نصوص الشريعة،
وقواعد الفقه الإسلامي ، لكان الذي ينطبق عليها هو حكم جريمة الحرابة ، الوارد في
سورة المائدة ، في قول الله تعالى : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون
في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من
الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) ( المائدة : 33 )
وما أشبه الليلة
بالبارحة ! عندما وقعت مسرحية حادث المنشية في مصر التي دبرها بعض الطغاة للتخلص
من قيادات العمل الإسلامي يومئذ - ( وهو الحادث الذي دبرته بعض أجهزة المخابرات
لإلصاق تهمة محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر بجماعة الإخوان المسلمين ،
واتخاذ ذلك ذريعة للتنكيل بهم ) وقد علق على إثرها لفيف منهم على أعواد المشانق -
كان بعض علماء السوء يخطبون على أعواد المنابر بآية الحرابة ، الواردة في سورة
المائدة ، ليقدموا للطغاة والجلادين
المبرر الشرعي لما بيتوه للدعوة ورجالاتها يومئذ من بطش وتنكيل!
إن الحرابة التي تتحدث
عنها سورة المائدة، والتي زخرت بتفصيل أحكامها كتب الفقه، إنما هي السرقة الكبرى، هي الجريمة التي تصدر عن
مجرد الرغبة الآثمة في إراقة الدماء، وترويع السابلة، وانتهاب المال تحت وطأة
السلاح ! ليس لأصحابها قضية، ولا لهم فيما يقدمون عليه أثارة من تأول، ولعل العودة
إلى كتب التفسير والفقه تجلي هذا الأمر .
فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ( أن
نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعوه على الإسلام،
فاستوخموا الأرض، فسقمت أجسامهم، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك،
فقال : ألا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبوا من أبوالها وألبانها ؟ فقالوا : بلى
، فخرجوا، فشربوا من أبوالها وألبانها ، فصحوا ، فقتلوا الراعي ، وطردوا الإبل ، فبلغ
ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبعث في آثارهم ، فأدركوا ، فجيء بهم ، فأمر
بهم، فقطعت أيديهم ، وسمرت أعينهم ، ثم نبذوا في الشمس حتى ما توا ) وقد روي الحديث بألفاظ أخرى مقاربة، وفي
بعضها أنهم ارتدوا عن الإسلام، وأصابوا الفرج الحرام، وأنهم سملوا أعين الرعاء،
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقتلوا وسملت أعينهم جزاء وفاقا، وقصاصا عادلا !
والعجيب أن أنس بن مالك رضي الله عنه - وهو
راوي الحديث - ندم على ذكره للحجاج الذي اتخذه ذريعة لتسويغ بطشه وجبروته ، فقد
روى ابن مردويه عن أنس من طرق كثيرة أنه قال : ما ندمت على حديث ما ندمت على حديث
سألني عنه الحجاج ، قال : أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله صلى الله عليه
وسلم ؟ قال : قلت : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة من البحرين
، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقوا من بطونهم ... وساق الحديث ،
قال : فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قطع
أيدي قوم وأرجلهم ، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا ، بحال زود من الإبل ، فكان
الحجاج يحتج بهذا الحديث على الناس . قلت : فما بال من يتنفل بتقديم هذا التكييف
إلى الصليبية العالمية ، وهي في مقام إعلان النفير العام على طائفة مستضعفة من
أمته ، لم يقم إلى الآن دليل معتبر على تورطها في هذا الحادث ؟!
أما كتب الفقه فهي زاخرة بالتأكيد على حقيقة
الحرابة، والتمييز بينها وبين ما قد يلتبس بها من جرائم أخرى، كجريمة البغي
والخروج على الإمام الحق بغير حق ونحوه !
ولقد فرق الإمام مالك بين البغي والحرابة فقال
: ( البغي يكون بالخروج على تأويل غير قطعي الفساد ، والمحاربون خرجوا فسقا وخلوعا
على غير تأويل ) الزرقاني : 8 / 192
وإن القوانين الوضعية لتفرق بين الجريمة
الجنائية والجريمة السياسية ، وتعطي لكل منهما ما يناسبه من الأحكام، مستصحبة
القصود والبواعث في كل حالة .
والسؤال الآن : هل نحن أمام جريمة جنائية بحتة،
لا أرب لمن تولى كبرها إلا انتهاب الأموال، وإراقة الدماء، حتى يصح تكييفها بأنها
جريمة حرابة ؟ إن الذين باشروا هذا
العمل قد أفضوا إلى ما قدموا، وكانوا هم أول وقود لهذا الهجوم، وفي طليعة ضحاياه،
وهذا بالقطع ينفي عنهم أن تكون الرغبة في انتهاب المال مستصحبة بوجه من الوجوه !
إذن ما هي الدوافع التي حملت هذا الفريق على
التغرير بحياتهم على هذا النحو المروع ؟ لقد مات هؤلاء وماتت معهم أسرارهم ، ويبقى
الله وحده هو العليم الخبير، وما بقي بيد البشر إلا التكهنات والتخرصات ، ومحاولة
استنطاق القرائن والملابسات ، والتماس الأدلة ، لعلهم يكشفون شيئا من غموض هذه
الحادث الجلل.
والذي يعنينا في هذا السياق : هب أن هذا الحادث
قد صحت نسبته إلى تنظيم القاعدة ، وعلى رأسها أسامة بن لادن ، كما يروج الإعلام
الأمريكي ، فهل يصح تكييفه على أنه صورة من صور الحرابة على النحو الذي تحاول
الفتوى تصويره ، وتتنفل بتقديمه إلى صناع القرار في الولايات المتحدة ؟!
إن تنظيم القاعدة – كما هو معلوم لدى المراقبين
لقضايا الأمة الإسلامية من الشرق أو من الغرب - حركة جهادية ،
أسست لدعم الجهاد الأفغاني إبان حربه مع الاتحاد السوفيتي ، وأبلوا في هذه المرحلة
بلاء حسنا ، وكان هذا على مرآى ومسمع من العالم أجمع ، وأول الناس علما بذلك صناع
القرار في الولايات المتحدة ، ثم انقضت أيام هذا الجهاد بهزيمة الروس ، وانسحابهم
من أفغانستان ، مخلفين وراءهم الملايين من الألغام : الألغام العسكرية التي قال
قائلهم : إنهم زرعوها في الأراضي الأفغانية
لتحارب الأفغان عشرين سنة قادمة !
وألغام من الخلافات والفتن بين المجاهدين شوهت وجه هذا الجهاد المبارك ،
وجعلته مضغة في أفواه الشامتين ! وألغام من الدس والوقيعة بين المجاهدين من أبناء
الصحوة الإسلامية - الذين هرعوا
لنصرة إخوانهم المجاهدين في أفغانستان -
وبين حكومات بلادهم ، فقد صوروا لها أن العائدين من أفغانستان قنابل زمنية
موقوتة ، لا تلبث أن تنفجر فتأتي على بنيان الأنظمة العربية من القواعد ! حتى أصبح
مجرد العودة من أفغانستان جريمة متكاملة الأركان ، تستوجب الإعدام ، أو الاعتقال
مدى الحياة في بعض البلدان !
وهكذا تعقدت السبل ، واستحكمت الحلقات أمام
شباب الجهاد ، الذي لم يعد أمامه - والحال كذلك - إلا أن يرتبط بقضية الجهاد إلى
الأبد ، ارتباطا محتوما لا بديل منه ولا مناص ، وأن يعتبروا أنفسهم كتيبة الجهاد
في الأمة ، حيثما رفعت للجهاد راية ، أو ركز له لواء ، هرعوا إليه ، ثم تجاوزت
نظرتهم حدود المحلية إلى العالمية ، فلم يعودوا يرون في العلمانية المحلية العدو
الأول - على شراستها في مواجهتهم - بل أصبحوا أعمق نظرا ، وأبعد رؤية ، بعد
تجاربهم الطويلة في أفغانستان ، فأدركوا أن العدو الأول الكامن وراء الكواليس ،
والذي يحرك كثيرا من القيادات المحلية كما تحرك الدمى في
مسرح العرائس ، والذي يمعن في عداوة الجهاد الإسلامي في كل موقع ، وينحاز إلى خصوم الأمة في كل مكان ، وفي كل
مناسبة ، والذي خطط ليجعل من الإسلام العدو القادم الذي يجتمع الغرب كله على
عداوته ، ويتكاتفون لتطويقه ، وتنكيس راياته ، هذا العدو إنما يتمثل في قوى
الاستكبار العالمي بقيادة الولايات المتحدة !
لقد فتح عينيه فرأى أطفال الحجارة يقتلون في
فلسطين، بسلاح أمريكي، ودعم أمريكي، ولم تزل صورة الطفل محمد الدرة وأمثاله تمثل
جراحا غائرة في قلوبهم ! ورأى في إسرائيل الطفل المدلل لدى الولايات المتحدة، الذي
توطئ أقدامه فوق رؤوس العرب والمسلمين كافة، وتضمن له من التفوق العسكري ما يكفي
لإحالة المنطقة كلها إلى كومة من الرماد، وفوق ذلك تبذل له من الدعم السياسي في
الأمم المتحدة وغيرها من المحافل الدولية ما يحول دون مجرد صدور قرار بالشجب أو
بالإدانة، تستر به المنظمة الدولية عورتها، وتواري به سوأتها ! ورأى ما يزيد على
مليون طفل من أطفال العراق يموتون بمقاطعة أمريكية وكيد أمريكي ، في الوقت الذي
تحمي فيه رأس النظام الذي قاد شعبه إلى الهاوية ، والذي تبرر توطين قواعدها
العسكرية في الخليج وغيره بدعوى حماية المنطقة من أخطاره ، ورأى السودان يتعرض لما
يتعرض له من فتنة الجنوب بقيادة المتمرد الصليبي جون قرنق بدعم أمريكي وحماية
أمريكية ، ناهيك عن المقاطعة ، وإدراج هذه الدولة المجهودة المنهكة في قائمة الدول
التي ترعى الإرهاب ، لأن بها حكومة تنتسب إلى الإسلام ، وتحاول إقامة شيء من
شرائعه! ، ورأى ما وقع لليبيا من مقاطعة ظالمة للشعب الليبي دامت لبضع سنين ، دفع
ثمنها باهظا من قوته ومن استقرار حياته، في الوقت الذي لم تمس فيه للنظام شعرة
واحدة، ورأى مأساة المسلمين في البلقان، وسمع عن عمليات الاغتصاب الجماعي لنساء
المؤمنين ، والمقابر الجماعية لرجالهم في هذه المنطقة، وما جاورها، وأصابع الكيد
الأمريكي ملطخة بكل هذه الدماء النازفة : الحارة منها والباردة ! ورأى ما وقع من
انفصال لإقليم تيمور الشرقية في
أندونيسيا ، والمسارعة الأمريكية لمباركة هذا الانفصال ودعمه، حيثما شرق أو غرب
يرى مكر الليل والنهار! ويرى العداوة لا يرى أسبابها!
فهل لقائل أن يقول : هل على تنظيم القاعدة أو
غيره من حرج والحال كذلك أن تكون المواجهة مع قوى الاستكبار بقيادة هذا القطب
الأوحد مطلبا من مطالبه، وأولوية من أولوياته ؟! لاسيما إذا كان لم يدخل معها في عقد ولا عهد ، يحول بينه وبين
هذه المواجهة في موازين الشريعة، ألستم تقرؤون في القرآن ( ولمن نتصر بعد ظلمه
فأؤلئك ما عليهم من سبيل ، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض
بغير الحق ) ( الشورى : 41 – 42 ) أليست الأمة الإسلامية كلها أمة واحدة ؟ أليس
العدوان على أي جزء منها عدوانا عليها جميعا ، وانتهاكا لحرمتها قاطبة ؟! وإذا كان
للدول الإسلامية أو العربية مبرراتها في تجرع هذا القهر ، والإبقاء على شيء من
العلاقة مع الولايات المتحدة ، نظرا لاستضعافها في المجتمع الدولي ، والاستضعاف
كما يرد على الأفراد والتجمعات المحدودة ، قد يرد على بعض ما يسمى بالدول المستقلة
ذات السيادة ! حتى قال بعض الساسة : إنه كما يوجد بيت طاعة على مستوى الحياة
الزوجية ، يوجد بيت طاعة على مستوى العلاقات الدولية ! إذا كان هذا هو الحال
بالنسبة للدول الحكومات ، فإن مثل
هذه التجمعات ليس لديها ما يلجئها إلى ذلك ، فقد ترى - أيا كان خطأ هذه الرؤية أو
صوابها - أنها وحدها التي تسأل عن قرارها ، وتتحمل وحدها تبعاته ، ونحن في هذا
المقام نفسر ولا نبرر!
ولعل في حادثة أبي
بصير، وقتله أحد الرسولين الذين وفدا لاسترداده إلى أهل مكة ، وفراره إلى ساحل
البحر، وترصده لعير قريش ، وعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من ذلك ،
يمثل سابقة شرعية يمكن أن يقيس عليها هؤلاء كثيرا من مواقفهم المعاصرة ! وإن كان
الاستدلال بهذه الواقعة في خصوص هذه النازلة موضع نظر ، ويمكن أن يتعقب بأن هذا إن صلح في زمن جهاد الروس حيث تعدد
الرايات وعدم اجتماع المسلمين في أفغانستان يومها على إمام ، فإنه لا يصلح الآن
بعد اجتماع الكلمة على طالبان أو على الأقل بعد دخول هؤلاء في طاعتهم .
والخلاصة أن هؤلاء على فرض صلتهم بهذا الحادث -
وهو مجرد افتراض لم تنهض لإثباته أدلة -
فإن هذا العمل لا صلة له بقضية الحرابة التي تتحث عنها الفتوى ، ولا يمت
إليها بوجه من الوجوه ، وذلك لما يلي:
أن هذه الطائفة قد انقطعت للجهاد منذ زمن طويل
، على مرآى ومسمع من العالم أجمع ، ولم تعرف في الأمة بسلب ولا نهب ، ولا نسب
إليها فسوق ولا فجور .
أن كل من شارك في تنفيذ هذا الحادث كان أول
وقوده ، وفي طليعة ضحاياه ، وهذه النتيجة لم تكن مفاجأة له، بل كان يعرفها سلفا
كما يعرف أن دون غد الليلة ، الأمر الذي ينفي أن تكون لعاعة من الدنيا أو تعلق
بحطامها كان وراء شيء مما حدث !
أن الجهة المستهدفة ضالعة في عداوتها لقضايا
الأمة ، محاربة لها في فلسطين ، قاتلة لأطفالها في العراق ، مظاهرة على عداوتها في
كل مكان : في السودان وفي الشيشان وفي البلقان وفي البوسنة وفي كشمير وفي أندونيسيا.. الخ . إن لقائل منهم أن يقول : ألستم تزعمون أن
قضية الأقصى وقضية فلسطين هي القضية الأساسية للأمة الإسلامية ؟ والتي اتفق على
إدانة الغاصبين فيها من جميع طوائفها : سنيها ، وبدعيها ، على حد سواء ؟ وانعقد
عليها من الإجماع ما لم ينعقد على قضية أخرى ؟ أليست الولايات المتحدة هي التي
تظاهر على إخراحنا وقتل أطفالنا في هذه الأرض المحتلة ؟ أليس السلاح الأمريكي
والتقنية الأمريكية هي التي تضمن لعدونا التفوق العسكري ، وتحمله على أن يعربد على
أرضنا كما يشاء ؟ ألا تصبح قيادة الولايات المتحدة بهذه القضية وحدها محاربة لله
ورسوله ، وأنه يستحل منها ما يستحل من الأعداء المحاربين ؟ وإذا كانت حكومات
البلاد الإسلامية قد دخلت معها في عهود ومواثيق فذلك شأنها ، ولا يلزمنا من ذلك
شيء ؟!
أما قضية المدنيين ، فلقائل منهم أن يقول :
إننا لا نقصد هؤلاء بعملياتنا ابتداء ، لكن ما يأتي من ذلك تبعا وليس قصدا فهو في
محل العفو ، أو على الأقل في محل الاجتهاد ، إننا نقصد إلى ضرب مواطن القوة في هذه
الدولة العاتية : القوة العسكرية والقوة المالية, فبالسلاح والمال تقوم الأمم أو
تنهار ، لا سيما إذا لم تتيسر لنا وسيلة أخرى للنكاية ، نظرا للاختلال الرهيب في
موازين القوى بين الطرفين ، وقد يستدل بعضهم بما ورد في السنة متعلقا بالبيات ( أي
الهجوم ليلا ) والرمي بالمنجنيق كما حدث في نصب المنجنيق على أهل الطائف في عهد
النبوة ، وعلى أهل الاسكندرية في عهد عمرو بن العاص ، وقتل الترس وهم من يتترس بهم
الكفار من المسلمين ويتخذون منهم دروعا بشرية ونحوه ، وقد يقول قائل منهم إن المدنيين هم ممولوا هذه
الجرائم التي ترتكبها أمريكا في مواجهة الأمة بما يدفعونه لها من ضرائب وبما
يقدمونه لها من مكوس.
بل قد يقول قائل منهم : إن الفتوى المذكورة
تبيح للمسلم أن يقاتل المسلمين تحت الراية الأمريكية ، وأن لا يجد حرجا من امتداد
ويلات هذه العمليات إلى المدنيين من المسلمين ، فإذا كانت ضرورات القتال - لدى من
أصدروا هذه الفتوى - تسوغ للمقاتلين من غير المسلمين أن يصيبوا بعملياتهم أهدافا
مدنية ، ما دامت ليست مقصودة لهم ابتداء ، وتسوغ للمسلمين في جيوشهم مظاهرتهم على
ذلك ، فلماذا لا يطبق نفس المنطق عند محاكمة العمليات التي تقوم بها التجمعات
الجهادية ضد قوى الاستكبار العالمية ؟!
ولا يخفى أن كل هذه الاستدلالات قد تفسر ،
ولكنها لا تبرر على كل حال ، فالاستدلال بالبيات والرمي بالمنجنيق وقتل الترس يمكن
أن يتعقب في هذا المقام ، بأن هذا كله وقع إبان قتال قائم قد دارت رحاه
بالفعل واستوفى الشرعية ، فأعلن
القتال ، وتمايزت الصفوف ، ونبذ كل فريق إلى الآخر على سواء ، وكان المقصود ابتداء
بهذه العمليات أما الواقعة المعاصرة فقد كان استهداف غير المقاتلين - على الأقل
على مستوى المركز العالمي للتجارة هو الأصل - وما يصيب غيرهم من المقاتلين فإنما
يقع تبعا ، فانعكس الوضع فامتنع
القياس ، وأما ما يتعلق بمظاهرة القوم على المسلمين في فلسطين فالذي تولى كبر
المظاهرة هي القيادة السياسية والقيادة العسكرية ، وليس العامة من المدنيين
وأمثالهم فإنهم مغيبون عن كثير مما يجري على الصعيد الدولي ، وأما دفع الضرائب فهي
مكوس يدفعها المسلم وغير المسلم ، سواء رضي أم سخط ، ولا يدفعها عندما يدفعها بقصد
المظاهرة على المسلمين أو على غير المسلمين ، ومن هنا فإننا نؤكد مرة أخرى أن المقصود هو إبراز جانب التأول
الذي ينفي عن هذه الأعمال وصف
الحرابة ، في حالة ثبوت نسبة شيء من هذه الأعمال إلى أحد من هؤلاء ، وتبين خطأ
مسارعة الفتوي إلى تكييفها على هذا النحو الظالم! وليس المقصود تسويغ العمل أو
تبريره .
تسويغ قتال المسلمين تحت راية المعتدين !
لقد أجازت الفتوى للمسلمين في الجيش الأمريكي
أن يقاتلوا إخوانهم من المسلمين حيثما وجهتهم هذه الدولة ! سواء في أفغانستان، أو
في أي منطقة من العالم، وفاء بحقوق المواطنة، ودفعا لتهمة الإخلال بها ! فقد جاء
في صدر الاستفتاء أنه حول ( مدى جواز مشاركة العسكريين المسلمين في الجيش الأمريكي
في المهمات القالية وسائر ما تتطلبه في أفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين ) وجاء
في نهاية الفتوى نصا : ( والخلاصة :
أنه لا بأس إن شاء الله على العسكريين المسلمين ، من المشاركة في القتال في
المعارك المتوقعة ، ضد من تقرر دولتهم أنهم يمارسون الإرهاب ضدها ، أو يؤوون
الممارسين له ، ويتيحون لهم فرص التدريب والانطلاق من بلادهم ) فالولايات المتحدة
هي التي تحدد من هم خصومها من المسلمين ! وأجهزة استخباراتها شهود عدول ! متى قررت
أن هذه الجهة أو تلك هي المعتدية ، وجب عليهم التوجه لقتالها ! وأن لا يكون في
صدورهم حرج من ذلك ! وتضيف الفتوى لذلك : أن على المسلمين أن لا يبالوا بامتداد
آثار عملياتهم القتالية إلى الأبرياء من عامة المسلمين ، ممن ليس لهم في ذلك ناقة
ولا جمل ! وأن لا يتحرجوا من النصوص التي تجعل دم المسلم على المسلم حراما، وتتوعد
من واجه أخاه المسلم بسلاحه بالنار ، قاتلا كان أو مقتولا ، بدعوى أن هذه النصوص
لا تتحدث عن مثل هذه الحالة ، التي يكون فيها المسلم جنديا في جيش نظامي ليس له من
أمر قيادته شيء ، وإنما تتحدث عن الحالات الفردية التي يملك المسلم فيها أمر نفسه
، فيستطيع أن يبنهض بالقتال أو أن يمتنع عنه ، وعلى
هذا فنحن كما يقول أحد المحللين أمام شيك على بياض تملأه العسكرية الأمريكية كما
شاءت ، وقد وقع أهل الفتوى، ولا حرج !
وتحتوي هذه الفتوى على جملة من المجازفات نوجزها فيما يلي : تسويغ مظاهرة
المشركين على المسلمين ، متى قرر المشركون أن المسلمين هم المعتدون ! وقد علم من
دين الإسلام بالضرورة بطلان ذلك وتحريمه إلى الأبد ، ومثل هذه البدهيات لا تحتاج
إلى حشد أدلة وسوق براهين وحسبنا
قول الله عز وجل : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم
بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق ) ( الممتحنة :
1 ) وقد نزلت هذه الآية وما بعدها فيما هو أدنى من ذلك بكثير ، في كتاب كتبه حاطب
بن أبي بلتعة في لحظة من لحظات الضعف البشري إلى أهل مكة يخبرهم فيه بما اعتزم عليه رسول الله صلى
الله عليه وسلم من قتالهم ، فكيف بمن يظاهر على فريق من أمته بالسلاح ، ويشارك
مشاركة فعلية فيما يشن عليه من حروب إبادة شاملة ؟!
تقديم
شهادة الكفار في باب الدماء، والأموال، والأعراض، على شهادة المسلمين، فمتى
قرر هؤلاء الكفار إدانة جهة من الجهات، فقد ثبتت عليها التهمة، واستحقت العقوبة،
وإن راغمت بذلك أهل الأرض قاطبة من المسلمين! فقد كان فيما ذكرته الفتوى في
خلاصتها كما سبق : ( أنه لابأس إن شاء الله على العسكريين المسلمين، من المشاركة
في القتال في المعارك المتوقعة، ضد من تقرر دولتهم أنهم يمارسون الإرهاب ضدها، أو
يؤوون الممارسين له، ويتيحون لهم فرص التدريب والانطلاق من بلادهم ) وقد علم
بالضرورة من الدين بطلان هذا المسلك، الذي يغني فساده عن إفساده، فلم يقل بتسويغه
أحد من المسلمين على مدى هذه القرون المتطاولة ! بل علم فساده من المعقول وطبائع
الأشياء، إذ كيف تتحول دعوى الخصم إلى شهادة مقبولة، ويكون هو نفسه الحكم ، ويكون
هو نفسه القائم بالتنفيذ ، فيجمع له بين الخصومة والشهادة والقضاء والتنفيذ ؟!!
إن شهادة غير المسلم
على المسلم لا تقبل إلا في حالة الوصية في السفر، إذا أصابت الشخص مصيبة
الموت ولم يجد من يستشهده غيرهم،
وهي قضية مدنية بحتة، لا مصلحة لها فيها ولا خصومة، ولا يظهر فيها أثر لعداوة ولا
غير عداوة، قال تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين
الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم
مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا
ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إني إذا لمن الآثمين) ( المائدة : 106 ) هذا
فضلا عن اتفاق أهل العلم على أن العداوة الظاهرة مانعة من قبول الشهادة، فلا تقبل
شهادة العدو على عدوه، لا سيما إذا كان موضوع الشهادة هو موضوع الخصومة ، حيث يصبح
بذلك خصما وحكما في آن واحد!
رفع الحرج عن امتداد
آثار العمليات الانتقامية التي تقوم بها جيوش الكفار إلى الأبرياء من المسلمين من
المدنيين، نساء كانوا أو أطفالا أو شيوخا أو زمنى ونحوه ، ما دام المسلم قد نوى
بهذه العمليات أن يحق الحق وأن يبطل الباطل ! لأنه لا يستطيع منع هذه التداعيات
ولا تخفيفها ، وما لا يستطيعه المسلم فهو ساقط عنه لا يكلف به ، وأحسب أن هذه هي
المرة الأولى التي يسطر فيها أن إحقاق الحق وإبطال الباطل يمكن أن يتحقق من خلال
مقاتلة المسلمين تحت راية المشركين ! وأن القتال تحت الراية الصليبية يرفع عن
المقاتل إثم امتداد آثار قتاله إلى
غير المقاتلين من المسلمين، ثم ما هو المبرر لهذا كله ؟ تجيبك الفتوى بأنه : دفع
أي شبهة تلحق به في ولائه لوطنه أمريكا !!
تقديم الولاء على أساس المواطنة على الولاء على
أساس الإسلام ، فمتى حدث تعارض ، قدم الولاء الوطني على الولاء الديني ، فترخص
الدماء ، ويضرب الذكر صفحا عن جميع التداعيات ، فقد ذكرت الفتوى في معرض تسويغها
لقتال المسلمين تحت راية الكافرين أنه (
مغتفر في جانب الأضرار العامة التي تلحق مجموع المسلمين في الجيش الأمريكي
بل وفي الولايات المتحدة بوجه عام إذا أصبحوا مشكوكا في ولائهم لبلدهم الذي يحملون
جنسيته ، ويتمتعون فيه بحقوق المواطنة ، وعليهم أن يقوموا بواجباتها ) وقد استفاض في نصوص الوحيين قرآنا وسنة
أن معقد الولاء والبراء هو الإسلام وحده ، وأنه ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين
أولياء من دون المؤمنين ، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) ، وأنه ( لا تجد قوما
يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أوأبناءهم
أو إخوانهم أو عشيرتهم ) ، وقد سبق تفصيل القول في ذلك في المقدمات !
دعوى أن النصوص التي تنهى عن مقاتلة المسلمين
لا تتناول الحالة التي يقاتلهم فيها تحت راية الكافرين ، عندما يكون مواطنا في
دولتهم ، وجنديا في جيوشهم النظامية ، وهكذا يكون مقاتلة المسلمين تحت راية
الكافرين ليس داخلا في إطار النهي عن الاقتتال بين المسلمين ، مع أنه أدخل في باب
التحريم وأولى بالزجر والتغليظ
،لأنه إذا حرم على المسلم أن يقاتل أخاه المسلم منفردا أو مع جماعة من
المسلمين ، فأولى أن يحرم عليه مقاتلته
تحت إمرة الكافرين ، وتحت لواء جيوشهم المدججة بالسلاح ! لأن مثل هذا الحال يجتمع
في تحريمه نوعان من الأدلة : أولهما : نصوص تحريم الاقتتال بين المسلمين من ناحية
، وثانيهما : نصوص النهي عن مظاهرة المشركين على المسلمين من ناحية أخرى
ولقد نعى الله على
اليهود في كتابه اقتتالهم تحت رايتي الأوس والخزرج ، فقد والى فريق منهم الأوس ،
ووالى فريق منهم الخزرج ، فكان يقع القتال بين المعسكرين ، فيقاتل اليهودى المحالف
للأوس اليهودي المحالف للخزرج ، فإذا انتهى القتال كانون يفادون الأسارى من
الفريقين ، فنعى الله عليهم ذلك وجعله إيمانا ببعض الكتاب وكفرا ببعض ، وذلك في قوله تعالى : ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا
تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ، ثم أنتم
هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان
وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون
ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى
أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ( البقرة :84 ) فقد نعى الله على اليهود اقتتالهم تحت رايتي الأوس والخزرج ،
ولم يجعل من وجودهم تحت هذه الرايات عذرا لهم ، ومانعا يمنع من لحوق الإثم لهم ،
واستحقاقهم العقوبة في الدنيا والآخرة ! يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره : ( يقول
تبارك وتعالى منكرا على اليهود الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالمدينة ، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج وهم الأنصار ، كانوا في
الجاهلية عباد أصنام ، وكانت بينهم حروب كثيرة ، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل : بنو قينقاع ، وبنو النضير –
حلفاء الخزرج – وبنو قريظة حلفاء الأوس ، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم ، قاتل كل فريق مع
حلفائه ، فيقتل اليهودي أعداءه ، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر ، وذلك
حرام عليه في دينه ، ونص كتابه ، ويخرجونهم من بيوتهم ، وينهبون ما فيها من الأثاث
والأمتعة والأموال ، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها ، استفكوا الأسارى من الفريق
المغلوب عملا بحكم التوراة ، ولهذا قال تعالى ( أفتؤمنون
ببعض الكتاب وتكفرون ببعض )، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : ( أنبهم الله بذلك من فعلهم ، وقد حرم عليهم في التوراة سفك
دمائهم ، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين : طائفة منهم بنو قينقاع
حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة وهم حلفاء الأوس ، فكانوا إذا كانت بين الأوس
والخزرج حرب ، خرجت بنوا قينقاع مع الخزرج ، وخرج النضير وقريظة مع الأوس ، يظاهر
كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه ، حتى تسافكوا دماءهم بينهم ، وبأيديهم
التوراة يعرفون فيها ما عليهم ولهم ، والأوس والخزرج أهل
شرك يعبدون الأوثان ، ولا يعرفون حنة ، ولا نارا ، ولا بعثا ، ولا قيامة ، ولا
كتابا ، ولا حلالا ، ولا حراما ، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم - تصديقا
لما في التوراة ، وأخذا به - بعضهم
من بعض : يفتدي بنو قينقاع ما كان
من أسراهم في أيدي الأوس ، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في
أيدي الخزرج منهم ، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم ، وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم
، مظاهرة لأهل الشرك عليهم ، ، يقول الله تعالى ذكره حيث أنبهم على ذلك : (
أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) أي تفادوهم بحكم التوراة وتقتلونهم ، وفي حكم
التوراة أن لا يقتل، ولا يخرج من داره، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله، ويعبد
الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا، ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة ) تفسير ابن كثير : 85
بقي شيء لابد من ذكره في نهاية التعقيب على هذه
النقطة : أنه قد يسع المسلم في بعض الأحوال أن لا ينصر أخاه المسلم، إذا لم يهاجر
إلى جماعة المسلمين، وكانت خصومته مع قوم بينه وبينهم ميثاق، قال تعالى : ( والذين
آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين
فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ) ( الأنفال : 72 ) فهؤلاء الذين لم
يهاجروا إلى جماعة المسلمين، يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي
يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم من الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع
المسلمين، بيد أن لهم حق النصرة إذا استنصرونا في الدين على قتال عدو لهم ليس
بيننا وبينه ميثاق، أما إذا استنصرونا على قوم من الكفار، بيننا وبينهم ميثاق ،
فلا نصرة لهم في هذه الحالة ، لقوله تعالى : (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر
إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ) ، يقول ابن كثير ( أي مهادنة إلى مدة ،
فلا تخفروا ذمتكم ، ولا تنقضوا أيمانكم ، مع الذين عاهدتم ). لكن الذي لا يسعه بحال من الأحوال أن
يظاهر عليه المشركين ، وأن ينحاز مع الكفار المحاربين لقتاله معهم ، فإننا لا نعرف
أحد من علماء الأمة أباحه ، ولا سطر قط في ديوان من دواوين الإسلام !
تسويغ الانتقام بالظنة
فقد جاء في الاستفتاء أن الهدف من هذه العمليات
القتالية هو الانتقام من الذين يظن أنهم شاركوا في تدبير وتمويل العمليات
الانتحارية ، التي نفذت في الحادي عشر من شهر سبتمبر ، وردع وإخافة من ظاهروا على
ذلك ، وجاء في الفتوى – كما سبق - ( أنه لابأس إن شاء الله على العسكريين
المسلمين ، من المشاركة في القتال في المعارك المتوقعة ، ضد من تقرر دولتهم أنهم
يمارسون الإرهاب ضدها ، أو يؤوون الممارسين له ويتيحون لهم فرص التدريب والانطلاق من بلادهم ) ، وقد تقرر في
جميع الشرائع السماوية ، وجميع القوانين الوضعية ، تحريم الانتقام بالظنة ، فالمتهم بريء إلى أن تثبت إدانته
، والحدود الشرعية تدفع بالشبهات ، وليس لقاض مسلم أو غير مسلم أن يقدم على عقوبة
أحد لم تثبت في حقه الجريمة التي يتهم بها، فلا تستحل الدماء ، وينشر الدمار،
بمجرد ظنون وهواجس ، ومن فعل ذلك فقد بغى وتجاوز الحد ، وحق على العالم كله أن
يوقفه ، وأن لا يظاهره على بطشه ورغبته في الانتقام بحال من الأحوال.
ونحن بهذا لا ننكر حق البشر في دفع الصائل ورد
العدوان ، لكن هذا لابد أن يتم في إطار ضوابط الحق والعدل، التي اتفقت عليها
الشرائع السماوية ، والقوانين الوضعية على حد سواء ، أما أن يستضعف فريق من الناس،
وتكال لهم التهم جزافا ، تصفية لحسابات قديمة، أو تحقيقا لتوسعات جائرة ، فهذا
الذي لاتصلح به دنيا ولا يصلح به دين! وفي خصوص هذه النازلة لم تقدم الولايات
المتحدة أدلة دامغة ولا غير دامغة تبرر لها هذا البطش الذي تمارسه في مواجهة الأبرياء
والعزل في أفغانستان ، وفيما تتوجه إليه في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، بل إن
الأمر على النقيض من ذلك ، فكل الدلائل تشير إلى تورط جهات أخرى في هذا الحدث ، لا يبعد أن تكون من داخل الولايات
المتحدة ذاتها ، نظرا للاحتراف والدقة التي نفذت بها هذه العمليات ، والتي تتجاوز
إمكانات هذه التجمعات التي تعيش في دولة نائية مزقتها الحروب ، وأنهكها الضنك
الاقتصادي ، والتخلف التقني ، ولا يكاد يجد أحد من السواد الأعظم فيها قوت يومه!
ومن ناحية أخرى فإن من
ضوابط العقوبة في كل من الشريعة والقانون أن تكون عادلة ، وأن لا تطال غير
المذنبين ، وأن لا يقع القائم بها في عين ما أنكره على خصومه من قتل الأبرياء ،
وترويع الآمنين ، والتضرع في دماء العزل ، لمجرد البطش والانتقام والإرهاب ، وإلا
فإنه يفقد بذلك سند مشروعيته ، ويعود على حجته بالنقض!
لقد اتفقت الشرائع السماوية والقوانين الوضعية
على تحريم قصد غير المقاتلين بالعدوان ، فإذا كان لا يجوز لمن قاموا بهذه العمليات
أيا كانت هويتهم أن يقصدوا إلى قتال الأبرياء والعزل ، فإنه لا يجوز وبنفس المستوى
للولايات المتحدة أن تهدم دولة بأكملها ، لما تتوهمه من عدوان طائفة تعيش على
أرضها ، وهو وهم لم يقم على أساس ، ولم تقدم عليه أدلة مقنعة ولا غير مقنعة إلى
الآن !
إزالة آخر حصن من حصون
التدين ، وهو الإنكار بالقلب :
وذلك بإصرار الفتوى على عدم المبالاة بالتحرج
الذي يجده المسلم في صدره ، وهو يقاتل أخاه المسلم تحت راية المشركين ، أو الحرج
الذي يجده عندما تمتد آثار عملياته القتالية إلى غير المقاتلين ، من العامة
والمدنيين ، وأن هذا التحرج مرفوع عنه في الأولى بعدم امتداد النصوص التي تحرم ذلك
إلى مثل حالته ، وفي الثانية بالنية الصالحة ، وعدم قدرته على منع هذه الآثار ،
وفي كليهما بدرء المفاسد التي تلحقه عند الامتناع عن القتال ، والإخلال بواجبات
المواطنة ! مع ما هو معلوم- كما سبق - من أنه إذا حرم على المسلم أن
يقاتل أخاه المسلم منفردا أو مع جماعة من المسلمين ، فأولى أن يحرم عليه مقاتلته تحت إمرة الكافرين ، وتحت لواء
جيوشهم المدججة بالسلاح ! لأن مثل هذا الحال يجتمع في تحريمه - كما سبق - نوعان من الأدلة : أولهما :
نصوص تحريم الاقتتال بين المسلمين من ناحية ، وثانيهما : نصوص النهي عن مظاهرة
المشركين على المسلمين من ناحية أخرى . ومع ما هو معلوم من أن المفاسد المذكورة
وأضعافها لا تبيح قتل أو قتال امرئ مسلم بغير حق ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في
حجة الوداع فيما أخرجه مسلم وغيره ( فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض
) وقد رأينا إجماع الفقهاء على أن
الإكراه على القتل ليس بعذر ، ولو أتى على نفس المكره ، لاستواء كلا النفسين في
الحرمة ، وأن مشروعية الالتحاق بالجيوش الكافرة منوطة عند من أجازها بألا تحمله
على قتال مسلم ، وألا تكرهه على شهر
السلاح في مواجهة أمته أو فريق منها ، وكل من تكلم في الترخيص بالالتحاق بهذه
الجيوش ربطه بهذا الشرط ، وبالتأكيد على بقاء الولاء خالصا لله ولرسوله ولجماعة
المسلمين . ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون
الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون )
( المائدة : 55 - 56 )
أما الاستدلال على ذلك بقول النبي صلى الله
عليه وسلم ( إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ) فلا يبعد أن يكون من جنس
تحريف الكلم عن مواضعه ، فإن الحديث يقول : ( إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )
ونحن هنا أمام أمر محظور منهي عنه ، وهو قتال المسلمين، ومظاهرة أعدائهم من
المشركين، فأولى أن ينطبق عليه صدر الحديث، وهو مطلق الاجتناب والانكفاف، وليس
عجزه الذي يربط ذلك بالوسع والطاقة!
وأما الاستدلال بقاعدة ارتكاب أخف الضررين، فإن
القاعدة في ذاتها صحيحة ولا شك ، ولكن يبقى بعد ذلك التوفيق أو الخذلان في حسن
تطبيقها، والالتفات إلى شرائطها، وتحقيق مناطها بدقة، فلابد أن يكون الضرران
محققين، فإن كان أحدهما محققا، والآخر مظنونا أو متوهما، فلا مجال لتطبيق هذه
القاعدة، ولا بد أن يكون أحدهما أكبر من الآخر، بموازين الشريعة، وليس بموازين
الهوى، أو المصلحة المجردة كما يتوهمها كل أحد، والسؤال الآن : أيهما آكد وقوعا
وأكثر تيقنا : ما يترتب على هذه العمليات من إراقة الدماء المحرمة، أم ما يتوقع من
بعض الأضرار النفسية أو المادية للممتنعين عن المشاركة أو لغيرهم من عامة المسلمين
؟! والسؤال الآخر : أيهما أعظم عند الله : استباحة دماء المسلمين بغير حق، أم شيء
من الحرج النفسي أو المادي الذي قد يلحق بهؤلاء المجندين من المسلمين في الجيش
الأمريكي عند الامتناع عن المشاركة في قتال فريق من أمتهم ، في دولة يقرر دستورها حرية التدين ،
وحرية الإرادة ، وحق المقاتل في الامتناع عن القتال ، إذا كان هذا القتال يتنافي
مع معتقداته الدينية ، وثوابته الإيمانية ؟! أتكون الوظيفة مدنية كانت أو عسكرية
أكثر قدسية في ميزان الإسلام من حياة مسلم، والجنسية
الأمريكية أعظم حرمة من حرمة دماء المسلمين؟ اللهم غفرا ! وأعجب من هذا كله
الاستدلال لهذه المشاركة أو الاعتذار عنها بالمحافظة على الولاء للدولة التي
يحملون جنسيتها ويعملون في جيوشها !! وهذا لعمر الحق معقد جديد للولاء والبراء ،
ما سمعنا بمثله إلا من أمثال هؤلاء ، أو في مثل هذه الفتوى ! ولله في خلقه شؤون!
إضعاف التوجه إلى
استبدال العمليات الإغاثية بالعمليات القتالية :
وذلك فيما نصت عليه الفتوى عندما سئلت : عما
إذا كان يسع العسكريين المسلمين في الجيش الأمريكي ، أن يطلبوا الخدمة مؤقتا في
أثناء هذه المعارك ، في الصفوف الخلفية للعمل ، في خدمات الإغاثة وما شابهها
؟ فكان الجواب : أن ذلك مشروط بما ( إذا لم يسبب حرجا ولا
ضررا ، وإلا فإنه لا ينبغي هذا الطلب ) ثم مثلت لهذا الضرر بالشك في ولائهم ( ! ) أو تعريضهم لسوء ظن
( ! ) أو لاتهام بالباطل ( ! ) أو لإيذائهم في مستقبلهم الوظيفي ( ! ) أو للتشكيك
في وطنيتهم ( ! ) وأشباه ذلك فإنه لا يجوز عندئذ هذا الطلب ! هذه هي نماذج الضرر
التي تسوغ الفتوى مع توقعها مظاهرة المشركين على المسلمين، وانحيازهم
إلى معسكر الكافرين في حروب شاملة ،
صرح مؤججوها أنها طويلة المدى، وأنها ستمتد إلى عشر سنين، وجيشوا لها من الجيوش
والعتاد ما يكفي لإبادة العالم !
وعلى هذا فلا سبيل إلى طلب التحول إلى العمليات
الإغاثية - عند من أصدروا هذه الفتوى - إلا إذا انتفت جميع هذه المحاذير ، وكأن كل
واحد منها على انفراده أكبر من حرمة دماء المسلمين , وأفتك بالدين ، وأذهب للمصلحة
، من الانسلاخ عن جماعة المسلمين ، والانحياز إلى معسكر الكافرين ! وقد علم من
الدين بالضرورة عند أهل العلم ، بل وعند السواد الأعظم من العامة ، تعظيم شأن الدماء
، وتعظيم أمر الولاء والبراء ، وأن زوال الدنيا أعظم عند الله من إراقة دم امرىء
مسلم بغير حق ، وأن مصلحة حفظ النفس تلي في المرتبة مصلحة حفظ الدين ، وأنها مقدمة
على مصلحة حفظ المال وغيره من بقية المقاصد .
والعجيب أن يفتح العامة من العسكريين بابا
لتقليل المفسدة المتوقعة في هذا المقام ، وهم أعرف بدولتهم وأنظمة جيوشها ، فيقف
بعض أهل الفتوى في وجههم ، ليوهنوا هذا التوجه ، ويغلقوا هذا الباب ، ويعبدوا لهم
الطريق للولوغ في دماء المسلمين في هذه الحرب الضروس !
وفي نهاية المطاف أتوجه بهذه الزفرة إلى كل من
يحملون هموم العمل الإسلامي في هذه الأمة أفرادا كانوا أو مؤسسات : لقد أسفر الصبح
لذي عينين ، وتخندقت كل قوى الاستكبار العالمية في خندق واحد ، لا ضد دولة من
الدول ، ولا ضد شعب من الشعوب ، وإنما بالتحديد ضد تجمعات الصحوة الإسلامية
المعاصرة ، وفيما أعلنوه من قائمة المؤسسات التي نعتوها بالإرهاب وأعلنوا عليها
الحرب أبلغ الأدلة على ذلك ، ولا يأتي ذكر الدول إلا تبعا باعتبار إيوائها لهذه
المؤسسات ، أو دعمها لها ، فهل يعي رجالات الحركة الإسلامية هذا المعنى ؟ وهل
يحملهم هذا على رأب صدوعهم ، وجمع شتاتهم ، وتضميد
جراحاتهم ، وإصلاح ذات بينهم ، والخروج من حظوظ أنفسهم ولو إلى حين ؟!!
وأخيرا : فإننا نهيب بالسادة الذين مهرت هذه
الفتوى بتوقيعهم ، أن يراجعوا أنفسهم ، وأن يتداركوا موقفهم ، وأن لا يحبطوا
جهادهم وسابقتهم ، فإن منهم من له بلاء حسن في نصرة الإسلام ، والذب عنه على مدى
عقود طويلة من السنين، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ، وإن الحق
قديم لا يغيره شيء!
والله نسأل أن يردنا
وإياهم إليه ردا جميلا، وأن يحملنا في أحمد الأمور عنده، وأجملها عاقبة، وأن يرينا
الحق حقا وأن يرزقنا اتباعه، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر
عليه . اللهم آمين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين .