حقائق محزنة حول  ما سمي بتنظيم " الوعد "  الذي زعمت مجلة المصور ارتباطه ببن لادن

 

في أواخر شهر مايو عام 2000 تم القبض على الداعية السلفي الشيخ نشأت محمد أحمد على إثر معلومات تسربت عن دعمه للمجاهدين في فلسطين وكذلك المجاهدين من الشعب الشيشاني ، وبعد القبض عليه تعرض لتعذيب شديد لمدة ست ساعات متواصلة ، وتم القبض على مجموعة من الشباب تعرضوا جميعاً للتعذيب حتى شلَّت أيدى الكثير منهم جراء التعذيب ، وما زالت آثار التعذيب باقية على أجسادهم حتى اليوم ، وبفعل التعذيب الشديد اعترف الشباب بتقديم تبرعات ودعم مادي للانتفاضة الفلسطينية وذلك عن طريق الحدود في رفح وعن طريق أحد قادة حماس في الأردن ، وبالضغط والتعذيب المتواصل تم القبض على الكثير من الأفراد الذين دفعوا تبرعات مالية لدعم الانتفاضة الفلسطينية ، وتعرض الكثير منهم للتعذيب لمجرد تقديمه التبرع المالي للشعب الفلسطيني ، وجدير بالذكر أن لائحة المشاركين في هذا الدعم كانت تضم أسماء لها حساسيتها وقد تم استبعادها من لائحة الاتهام الرسمي مراعاة لوضعهم السياسي والاجتماعي مثل نجل السيد الدكتور عصمت عبد المجيد أمين عام جامعة الدول العربية سابقا ، ونجل السيد المهندس حسب الله الكفراوي وزير الاسكان السابق ، وغيرهم من الأسماء " الثقيلة " وتم استبعادهم من لائحة الاتهام رغم بروز أسمائهم في جمع التبرعات للانتفاضة .

ومن الملفت للنظر أن كثيرا من الذين تم القبض عليهم في هذه القضية هم من المناطق المرتفعة المستوى المادي والثرية ، وكان اللافت للنظر أن التحقيقات حاولت أن تجمع المتهمين في تنظيم لتوجيه تهمة محاولة قلب نظام الحكم ، خاصة بعدما استشعرت الأجهزة الأمنية الحرج من طبيعة هذه القضية وعدم وجود أدلة اتهام فيها أو أحراز أو شيئ ، كما أن هناك قلقا من تعاطف الرأي العام معهم باعتبارهم يدعمون قضية الشعب الفلسطيني وتحاكمهم وتجرمهم السلطات المصرية على ذلك ، كما حاولت ضغوط الأجهزة انتزاع اعترافات منهم بأنهم ينضمون إلى تنظيم الجهاد أو غيره ، كما وقعت ضغوط كبيرة على الشيخ نشأت لكي يعترف على بعض الدعاة السلفيين لإدخالهم ظلما في القضية أمثال الشيخ محمد عبد المقصود والشيخ فوزي السعيد وسيد العربي ومحمد حسان ، إلا أنه رفض وتحمل آلام التعذيب على توريط بعض الدعاة بغير حق أو ذنب ، وقال معظم المقبوض عليهم أنهم لا صلة لهم بأي تنظيم أو جماعة وإنما هم طلبة علم ينتمون إلى التيار السلفي العام ، يحفظون القرآن ويتعلمون علوم الشريعة ، وأنهم لما رأوا مذابح الصهاينة في فلسطين رأوا أن أقل الواجب الشرعي يفرض عليهم تقديم العون المالي لإخوانهم في فلسطين لمعاونتهم على الصمود في وجه الوحشية الصهيونية ، وأنهم لم يتخيلوا أبدا أن يتم القبض عليهم أو محاكمتهم وبعضهم سأل المحققين : لو كنت مكاني هل ضميرك يسمح لك بأن تتجاهل عذاب إخوانك في فلسطين .

وتصاعدت أحداث الاتهامات لتشمل مجموعة من الطلبة من داغستان يدرسون بالأزهر في التحقيق معهم على أساس أنهم يقومون بتوصيل الأموال للشعب الشيشاني الصامد في وجه الغزو الروسي ، واتهم أحدهم بأنه خبير مفرقعات ، وتم تحريز بعض المواد الكيماوية قال الطالب الداغستاني أنها كيدية ولفقت له ولا يدري عنها شيئاً.

ومن غرائب هذه القضية أن الاتهام فيها تناول أحد المصريين ويحمل الجنسية الأمريكية واسمه محمد هشام سيف الدين وقد عاد لمصر وأنشأ مزرعة من عدة أفدنة وقد داهمت قوات الأمن المزرعة فلم تجد فيها شيئا ، ثم قالوا بعد ذلك أنهم وجدوا فيها " طلقة رصاص " مدفونة تحت الأرض .

وآخر يسمى خالد محمد يملك مصنعاً لإعداد التجهيزات الرياضية وأدوات الصالات الرياضية وضبطوا عنده عصا للعب البيسبول وقد اتهم أنها آلة تشبه الآلات الحادة وقد ذكر المتهم أنه ساهم في عمل صالات رياضية للشرطة والجيش ولا يكن عداءاً للشرطة أو الدولة كما أنه مواطن عادي ، وكل ما في الأمر أنه تبرع للانتفاضة الفلسطينية بمبلغ مالي .

وقبض أيضاً على مجموعة من الأشخاص يعملون في مهنة الغطس ووجه إليهم الاتهام بأنهم كانوا يهربون السلاح لرجال المقاومة الفلسطينية للمساهمة في عمليات مناهضة لدولة " صديقة " وهي إسرائيل .

وكانت أكبر المفاجآت في هذه القضية هي القبض على مجموعة حوالى خمسة وعشرين فرداً ، وكان سبب القبض عليهم هو قيامهم بجمع أموال وتوصيلها إلى أهالي وأولاد أسر المتعقلين المسجونين في السجون المصرية منذ سنوات ، بعضهم في السجن الآن أكثر من اثنتي عشرة سنة بدون محاكمة ، وأسرهم في حالة من البؤس الشديد ومن المثير للسخرية أن بعضهم كان سبب القبض عليه هو قيامه بتوصيل دجاج أو كيس فاكهة لأهالي وأسر المعتقلين.

وقد اتهم بعض المتهمين بأنهم هربوا أسلحة إلى الانتفاضة داخل فلسطين عبر منفذ رفح ، وتم القبض على بعض سكان مدينة رفح وكانت الاتهامات تدور حول تواجد الشيخ نشأت في منطقة رفح منذ شهور ولكنه علل ذلك بكون تواجده للتجارة ، وأنه كان يشتري أرضا للزراعة والاستصلاح ، وقد ضبط مبلغ حوالي 80 ألف جنيه مع أحد المقبوض عليهم ويدعى مجدي إدريس  ، وقد علل ذلك المبلغ بأنه لتجارته وأعماله ولكن أجهزة الأمن قامت بتحريزه على أساس أنه من أموال التبرعات التي تجمع لدعم الانتفاضة والشيشان وقد ضبط أيضاً مبلغ حوالي 10 آلاف جنيهاً مع أحد المقبوض عليهم وهو عمر عبد العزيز وهو مشلول القدمين وتعرض للتعذيب على أساس أن هذه الأموال لمساعدة أسر المعتقلين المودعين السجون منذ سنوات ، وكان أكثر ما يزعج أجهزة الأمن هو عدم وجود رابط تنظيمي حقيقي بين المتهمين وأن الرابط بينهم لا يعدو أكثر من علاقات صداقة وأن تفاعلهم كان للتعاطف الديني مع إخوانهم المسلمين في فلسطين والشيشان وسوء أحوال أسر وأولاد وأهالي المعتقلين في السجون المصرية ، ولكن أجهزة الأمن بعد أن عجزت عن إيجاد شكل تنظيمي لهؤلاء المتهمين ذكرت في مذكرة تحريات المباحث أن بعض المتهمين خطط لاغتيال شخصيات من أجهزة الدولة والفنانين والأمن ونحو ذلك ، رغم أن أحدا من المتهمين لم يعترف بذلك ولم يقع شيئ من ذلك أصلا .

وقد حاولت أجهزة الأمن التكتم على هذه القضية وعدم نشر أي أخبار حولها خاصة مع تصاعد الانتفاضة الفلسطينية وتصاعد التعاطف الطاغي للشعب المصري معها ووقوف جميع المؤسسات والتنظيمات والهيئات والأحزاب في مصر مؤيدة للانتفاضة وخاصة المؤسسة الدينية الرسمية ممثلة في الأزهر الشريف.

ولكن تسرب خبر لوسائل الإعلام وقد أشادت بعض الصحف بهذه المجموعة حتى كتبت جريدة الأسبوع في الصفحة الأولى تنظيم يتعاطف معه المصريون ، ثم جرى عقب ذلك تعتيم كامل على هذه القضية ومنع نشر أي شيئ عنها منعا لإحراج أجهزة الأمن ، وكان الاتجاه في جهات التحقيق القضائي أن يتم حفظ القضية والإفراج عن المتهمين لعدم وجود جريمة من الأصل وعدم وجود أي أدلة جدية ، ومن العجيب أن أجهزة الأمن ظلت طوال هذه الشهور غير قادرة حتى على اختيار اسم لهذه المجموعة لأنه لم يكن بينهم أي رابط تنظيمي أصلا ، وظل الوضع معلقا لخمسة شهور حتى وقعت الأحداث الدولية الأخيرة ، وفوجئ المتهمون والمحامون وأقاربهم والإعلاميين بخبر تنشره مجلة المصور عن القبض على مجموعة من تنظيم القاعدة التابع لأسامة بن لادن ، ثم تتابعت الصحف المصرية من ورائها لإعلان الكشف المثير عن تنظيم لابن لادن ، ولزوم التسويق الإعلامي اختارت الأجهزة لهؤلاء اسما شاعريا جديدا فسموهم " تنظيم الوعد " ! ، وزيادة في التوابل ذكرت أن من بين أعضائه اثنين تلقوا تدريبات على الطيران في أمريكا ـ مثل محمد عطا ـ وهي معلومة صحيحة وضعت في سياق كاذب ، فهما يعملان في مصر للطيران وكل جريمتهم أنهما تبرعا بجزء من مالهما للانتفاضة الفلسطينية ، وكل هذا مما أصاب الجميع بالذهول لأن الاختلاق والتأليف لا يصل بالخيال إلى هذا الحد ، وتم انتزاع هؤلاء الأبرياء من النيابة المدنية إلى المحاكم العسكرية بقرار من رئيس الجمهورية ، لضمان إدانتهم والحكم عليهم مهما كانت الاتهامات فارغة أو الأدلة منعدمة ، لأن المتيقن أنهم لو بقوا في المحاكم المدنية لتمت تبرئتهم قطعا لانعدام وجود قضية من أساسه ، وكان قرار الإحالة على المحاكم العسكرية خبرا مذهلا هو الآخر لأنه منتهى التعنت مع هؤلاء الأبرياء ، ثم فوجئ الناس بعد ذلك برئيس الجمهورية يعلن في حوار منشور أن هذه المجموعة لا صلة لها بتنظيم القاعدة وابن لادن ، ثم عادت مجلة المصور لتكذب رئيس الجمهورية وتؤكد أنهم ينتمون إلى ابن لادن تمويليا ، وبدا أن هناك " طبخة " متعجلة ، قصد منها إهداء رقاب هؤلاء الأبرياء لإرضاء الغضب الأمريكي من الحكومة المصرية ، وما زال الناس في حيرة مما حدث ولا أحد يعلم مصير هؤلاء البائسين الذين أوقعهم حظهم العاثر بين مطرقة الأمن وسندان الضغط الأمريكي ، وقد علم من جهات التحقيق أن الاتجاه الآن نحو استبعاد أي حديث عن صلة المقبوض عليهم بالانتفاضة الفلسطينية وإسقاط جميع التهم المتعلقة بهذا الجانب ، حتى لا تتعرض الحكومة للحرج أمام الرأي العام ، وحتى يمكن الربط بينهم وبين ابن لادن الذي تتهمه الحكومة المصرية بأنها لم يسبق له أي اهتمام بالقضية الفلسطينية ، واللافت للنظر الآن أن هناك تعتيما تاما على هذه القضية في الصحافة المصرية ، وحتى المراسلين العاملين في مصر مما يطرح أكثر من علامة استفهام حول أسباب ذلك  .