الحرب الجوية على افغانستان.. وأحكام القانون الدولي؟؟

 

بقلم : عبدالرؤوف التل 

 

ما مشكلة هذا العالم الاسلامي؟ الذي ينزف جراحا، وكل شعوب الاسلام تتوق لأن تلتئم هذه الجراح، حتى تتفرغ لصنع مستقبلها، وتخفيف المعاناة عن مئات الملايين من جماهير المسلمين الذين يعيشون على هامش الحياة جوعا، ومرضا، وفقرا، وجهلا، واقتتالا في الداخل وحروبا تشن عليهم من الخارج.

ما مشكلة هذا العالم الاسلامي؟ الذي ان تعرض لأزمة او وقع في مأزق تتكالب عليه الدنيا بلا رحمة ولا شفقة، تمزق القنابل المتساقطة على ارضه من الجو والبحر والبر اجساد الرجال والنساء والاطفال والأغنام حتى الحمير كما نشاهد في هذه الحرب القذرة حتى الطيور تمزق اجنحتها الواهنة بفعل القنابل المتساقطة من الطائرات او بواسطة صواريخ كروز الموجهة بدقة لتدمير الحياة بدون رحمة.

الحرب الجوية الرهيبة التي يشنها على افغانستان ما يسمى بالتحالف العالمي بقيادة الولايات المتحدة اغنى واقوى دولة في العالم، على افقر شعب ولن اقول اضعف شعب، لأن الاسابيع الاخيرة اثبتت ان القوة لا تقاس بعدد الطائرات والاساطيل والجيوش البرية بل بالارادة القوية والعزيمة الانسانية المليئة بالايمان بالله سبحانه وتعالى وبأن صاحب الحق وصاحب القضية لا تهزمه الطائرات والصواريخ.

وهذه هي افغانستان تقبل التحدي رغم فقرها وضعفها وتتعرض لحرب استعملت فيها وتستعمل الاسلحة الاكثر فتكا وتدميرا. وهي احدث ما زودت به مصانع الحرب ترسانة الجيش الامريكي وحليفتها المملكة المتحدة وجيشها.

هذه الحرب الجوية غير المسبوقة بعدد الطائرات والاساطيل والصواريخ العابرة للقارات، ما مدى قانونيتها واتفاقها مع احكام القانون الدولي والشرائع والمواثيق الانسانية.

ترى هل تطرق القانون الدولي بأحكامه للحرب الجوية؟ ام اقتصرت نصوصه واحكامه على الحروب الكلاسيكية المعروفة في العصور السابقة لاختراع الطيران والصواريخ ذات المسافات البعيدة، والمقصود بالحرب الكلاسيكية هي الحرب البرية والبحرية التي تحرك فيها الجيوش برا وبحرا لتحتل دولا وتقضي على جيوش، وهذا النوع من الحروب منذ عصور بعيدة نظمها القانون الدولي، ووضع لها احكاما، وبين كيفية معاملة المدن والقرى، والقوى البشرية غير المحاربة، وكيفية معاملة الاسرى في الحرب والواقع انه توجد نصوص قانونية واتفاقيات دولية عديدة لمعالجة هذا النوع من الحروب.

ولكن الحروب الجوية بالمناطيد والطائرات والصواريخ العابرة للقارات حديثة نسبيا لم تظهر الا في الحرب العالمية الاولى وكانت الطائرات محدودة المدى، والاسلحة التي تستعملها ايضا محدودة التأثير ولم يكن العقل البشري قد اكتشف اسلحة ذات دمار شامل قادرة بقذيفة واحدة وبلحظة قصيرة تدمير مساحات واسعة جدا زمن العمران، وابادة الوف البشر ومخلوقات الحياة الاخرى.

اذن فالحرب الجوية حديثة، عمرها فقط بضع عشرات من السنين، والقانون الدولي، لم يضع بعد احكاما تفصيلية لمعالجة ما ينشأ عن هذه الحرب من خراب ودمار وابادة للحياة، ولمعرفة الاجتهادات التي توصل اليها فقهاء القانون الدولي في الحرب الجوية، حيث بحث هذا الموضوع جيدا الدكتور علي صادق ابو هيف العميد السابق لكلية الحقوق في جامعة القاهرة، ورئيس قسم القانون الدولي فيها سابقا، والدكتور علي صادق ابو هيف موسوعة في القانون الدولي، وله دراسات وابحاث عديدة باللغة العربية واللغات الاخرى ومن اشهر كتبه كتاب »القانون الدولي العام«، الذي درس فيه اشخاص القانون الدولي والنظاق الدولي، والعلاقات الدولية والتنظيم الدولي والمنازعات الدولية والحرب والحياد.

وفي كتابه المذكور آنفا فصل خاص بالحرب الجوية تحدث فيه عن مشروعيتها، ونطاقها وما يترتب عليها من آثار.

يبين لنا الدكتور علي صادق ابو هيف ان مشروعية الحرب الجوية كانت محل نقاش وحوار واخذ ورد بين الفقهاء حتى ،1914 وكان فريق منهم لا يقر استعمال الطائرات كأداة للقتال نظرا للاضرار التي تلحقها بالآمنين (كما نراه الآن في افغانستان من دمار وخراب وكما رأيناه في العراق منذ عشر سنوات وما زال يبعث الرعب والموت والخوف للرجال والنساء والاطفال ويضع الدمار على نطاق واسع، وكما هو حادث في فلسطين حيث نشاط الجيش الصهيوني الذي يستعمل الطائرات المروحية وطائرات اف 16 في القتل والتدمير والاغتيال الذي يقع على الابرياء بدون ذنب جنوه الا انهم يتشبثون بوطنهم والعيش فيه احرارا).

يقر الدكتور ابو هيف انه رغم تقدم الطيران واسلحته الفتاكة وبالرغم من اسلحة الجو الفتاكة واجهزة الفضاء الحديثة التي ظهرت منذ الحرب العالمية الثانية فان الوضع القانوني للحرب الجوية لم يتقدم خطوة واحدة عما كانت عليه قبل سنة 1914 ولم تتمكن مجموعة الدول وضع القواعد التي تخضع لها الحرب الجوية.

ورغم انه تم عقد مؤتمر في واشنطن 1922 لوضع قواعد للحرب الجوية وتشكلت على اثر ذلك لجنة اجتمعت في لاهاي سنة 1923 الا ان المشروع الذي وضعته لم يخطُ خطوة واحدة للامام في سبيل اقراره من الدول المعنية في صورة اتفاق ملزم لها.

وقامت الحرب العالمية الثانية وانتهت، ولعبت الطائرات دورا كبيرا في هذه الحرب.. كان دورا مرعبا وقاسيا ومدمرا للحضارة وللانسان تضاءلت الى جانبه جميع العمليات الحربية البرية والبحرية، لتبدأ الدول تتسابق في صنع الطائرات المقاتلة، وابتكار انواع مختلفة من القذائف والصواريخ واسلحة الدمار المهلكة للحياة على وجه الارض كل ذلك استعدادا للحرب القادمة.

ويقر الدكتور علي صادق ابو هيف ان الدول المعنية لم تقم حتى الآن بوضع قواعد قانونية ملزمة للدول في حالة وقوع حرب جوية وكأن الدول لا تريد ان تضع قواعد لضبط الحرب الجوية حتى لا تغل يدها في التصرف ويبقى لها حرية المبادرة في القتل والتدمير.

وخطورة الحرب الجوية على الحضارة ما نشاهده الآن، من دمار وخراب وضحايا تتعرض لها افغانستان، حيث يقتل البشر بالمئات وجثث الآدميين وأطرافهم تتطاير في الفضاء كأنها طيور، وقتل الالاف من الماشية والحيوانات يدل على بشاعة هذه الحرب التي لا يحكمها عقل ولا منطق، وليس لها الحد الادنى من الضوابط الاخلاقية والقانونية فهي مأساة انسانية مروعة سيذكرها التاريخ للأجيال القادمة.

صحيح انه لا يوجد الآن نصوص في القانون الدولي بحكم الحرب الجوية، لهذا لا يعني ان تترك لتحكم المحاربين وان يبقى يسود هذه الحرب اعمال القسوة والهمجية كما يقول الدكتور ابو هيف فهو يرى ان هناك احكاما عامة تفرضها قواعد الاخلاق ومبادىء الانسانية وتخضع لها الحرب الجوية كسواها من الحروب البرية والبحرية.

ولما كانت الحرب الجوية في اساسها حرب تدمير، وكان الضرب من الجو أهم عملياتها واخطرها على الاشخاص والاموال وبالتالي كانت هذه الحرب اجدر بالتنظيم والتقيد بالقانون للتخفيف من هولها، يرى الدكتور ابو هيف ان رأي الفقه استقر على الأخذ بفكرة الاهداف العسكرية فيجوز للطائرات مهاجمة هذه الاهداف وتدميرها ان وجدت، ولا يجوز تدمير سواها حيث توجد، ولكننا نشاهد في الحرب الجوية على افغانستان، ان الاهداف المدنية مثل المستشفيات والمدارس والمساجد، ومراكز الصليب الاحمر للمساعدات الانسانية غدت اهدافا حربية يتم تدميرها وابادة الحياة فيها، وحتى هذه اللحظة لم نشاهد تدمير مراكز عسكرية ومواجهات بين جيوش فكل الذي نشاهد، طائرات عمياء تقصف من الجو، وتقتل وتبيد مخلوقات.

يطلعنا الدكتور ابو هيف على اجتهادات القانون الدولي التي توفق بين مصلحة المحاربين التي تتطلب القضاء على كل ما ينتجه العدو لتغذية اداة الحرب، ومصلحة السكان المدنيين الذين تجب حمايتهم من اخطار الهجوم الجوي، وقد اخذ مشروع لاهاي للحرب الجوية بهذه الفكرة فقرر في المادة ،24 ان الضرب من الجو لا يكون مشروعا الا اذا كان موجها ضد هدف عسكري، وتنص الفقرة الثانية من المادة ان الاهداف العسكرية تشمل القوات العسكرية، والمنشآت العسكرية والمخازن والمستودعات العسكرية، مخازن الاسلحة والذخائر والمهمات العسكرية، خطوط المواصلات والنقل التي تستعمل في اغراض حربية، وتقرر الفقرة الثالثة انه في حالة ما اذا كان موقع الاهداف المبينة في الفقرة الثانية - بحيث لا يمكن معه تدميرها دون ان يؤدي ذلك الى وقوع ضرب اعمى بين السكان المدنيين - فعلى الطائرات ان تمتنع عن التدمير، هذا ما قرأناه في كتاب »القانون الدولي العام« لمؤلفه الدكتور علي صادق ابو هيف، وهو ما لعله حتى الآن لم يسمع بها ساسة واشنطن ولندن التي تشن طائراتهم حربا مسعورة ضد فقير اعزل لا يملك سوى ارادته وقدرته على الصمود. وحتما صاحب الحق سينتصر، ونصير الباطل المغرور بقوته سيهزم مركولا على دبره لأن هذه سنة الحياة.