بقلم : صالح النملة
تضع
الولايات المتحدة الأمريكية كل ثقلها السياسي والعسكري على حربها في أفغانستان حيث
يرى الساسة الأمريكيون ان الوضع الأفغاني هو أقصر الطرق وأسهل الحلقات من أجل
إعادة الهيبة السياسية لها بعد ان انكشفت أمام العالم اجمع بعد احداث نيويورك
وواشنطن وكيف ان أهم رموز قوتها الاقتصادية والعسكرية والأمنية تعرضت للضرب بكل
قوة وبشكل ملفت للنظر من حيث الدقة والإنجاز لم تستطع ان ترى الإدارة الأمريكية
التي صدمت بالحدث من التفكير المتوازن سوى اخراج ملفات قديمة ضد أفغانستان وقوى
سياسية داخل أفغانستان ولكن لماذا أفعانستان؟ ببساطة شديدة لأن الأهداف الأخرى
أكثر تعقيدا وتحتاج إلى وقت واعداد وهذا الوقت والاعداد غير متوفر للإدارة
الأمريكية وللرئيس بوش الذي وصل إلى البيت الأبيض تحت مظلة من الشك حول النظام
الانتخابي وليس فقط ذلك فإن عدم عمل شيء ما أي شيء من قبل الإدارة الأمريكية هو
الانتحار السياسي ونهاية الإدارة الحالية، إذاً العمل العسكري السريع هو من
الضرورات السياسية للإدارة ذاتها وللمكانة السياسية والدولية للولايات المتحدة
الأمريكية وكان لابد من البحث عن هدف وكان الهدف الأفغاني هو اسهل الأهداف في هذه
المرحلة وبالتالي كان لابد من القيام به وإنجازه.
إن الإدارة
الأمريكية اليوم لا يمكن لها ألا تكسب الحرب ان عدم كسب الحرب هو الهزيمة بعينها
ولذلك فإن الانتصار بالحرب هو وحده الخيار الوحيد أمام الإدارة الأمريكية وليس
هناك من خيار آخر ولكن المأزق الأمريكي اليوم هو ان الإدارة الأمريكية لا تعرف على
وجه الدقة ما هو الانتصار وما هي حدوده ناهيك عن أن حلفاءها لا يعرفون ما يدور في
ذهن الأمريكيين ولذلك فإن التكهنات بدأت في أروقة الإدارة الأمريكية وتوزعت على
أطراف المعمورة حيث تراوح مفهوم الانتصار إلى تحقيق الأهداف الأمريكية والتي أخذت
تتطور وتتوسع حسب تطور الأهداف والخيال السياسي لدى الساسة الأمريكيين ويمكن اجمال
هذه الأهداف بالتالي:
أولاً: هو
القبض على زعيم تنظيم القاعدة وتفكيك هذه المنظمة ثم توسع إلى
ثانياً:
حرب حركة طالبان واسقاطها بصفتها تحمي منظمة القاعدة ثم تطور إلى
ثالثاً:
إيجاد نظام بديل لنظام طالبان يكون قريبا من النظام السياسي الباكستاني ثم تطور
إلى
رابعاً:
نظام سياسي أفغاني يمثل جميع شرائح المجتمع الأفغاني ثم تطور إلى
خامساً:
إيجاد نظام سياسي موال للولايات المتحدة الأمريكية في هذه المنطقة التي تعد بمثابة
فراغ استراتيجي في الاستراتيجية الأمريكية وهذا يعني دخول أمريكا إلى منطقة آسيا
الوسطى والقرب من مناطق غنية بالموارد النفطية والغاز مما يعني مزيدا من الضغط على
روسيا والصين ومنتجي النفط في منطقة الخليج على ضفتيه العربية والفارسية.
ان المراقب
السياسي المحايد لا يستطيع ان يسلم بشكل مبسط ان كل هذه الحملة الأمريكية هي مجهزة
من أجل القبض على رجل واحد وحتى ان كان الهدف هو ذلك فإن آلية تحقيق الهدف غير
فعالة بل غير ذكية.
وإذا كان
الهدف هو الاطاحة بحركة طالبان في أفغانستان فإن الآلية كذلك غير فعالة وكان
بالإمكان توظيف ودعم الجيران الذين يكنون العداء للحركة الأفغانية دون الدخول بشكل
مباشر في الضرب العسكري الجوي العشوائي وجر الجيوش الهائلة إلى هذه المنطقة. ولذلك
فإنه لابد من البحث عن هدف معقول وفيه معقولية من أجل تبرير السلوك السياسي
الأمريكي والذي يمكن تلخيصه بالنقاط التالية:
أولاً:
الوصول إلى المناطق النفطية والغاز في آسيا الوسطى وهذا الوصول سوف يترتب عليه
انعكاسات هائلة على دول النفط في منطقة الشرق الأوسط وخصوصا ضفتي الخليج وهذا ما
يجعل دول النفط مطالبة بالتيقظ والحذر من انعكاسات الأحداث عليها على المستوى
المتوسط والبعيد.
ثانياً:
حرمان روسيا من مناطق نفوذها القديمة وإنهاء أحلام روسيا من نفوذها الآسيوي
التاريخي بل ووضع منطقة عازلة بين الصين والهند وروسيا.
ثالثاً:
ضرب البعد الاستراتيجي للصين والهند من أجل الاستفادة من المناطق النفطية الآسيوية
التي شكلت التحرك الصيني والهندي والباكستاني خلال العشر سنوات الماضية واجهاض مثل
هذه المحاولات وهذا ما يفسر قفز المشاغب البريطاني من أجل ركوب الخيل الأمريكي
الجامح من أجل الاستفادة من المغامرات الأمريكية الاستراتيجية كما فعلت بريطانيا
في حروب الخليج الأولى والثانية وذلك بتوظيف القوة الأمريكية لصالحها ولمصالحها.
رابعاً: ان
نجاح السيناريو الأمريكي في منطقة آسيا الوسطى والذي بدأ في أفغانستان هو اعطاء
مزيد من التحكم للإدارة الأمريكية ليس فقط بأسواق النفط بل والتأثير على منتجيه
ومستهلكيه أي أن تأثير الولايات المتحدة الأمريكية سوف يتعاظم على منتجي النفط
ومستهلكيه بشكل أكبر بكثير عما كان في السابق ان سيناريو انتصار امريكا الساحق في
أفغانستان يعد أكثر السيناريوهات كآبة على السياسة الدولية وسوف تكتشف العديد من
الدول منها القريبة من أفغانستان والبعيدة في المحيط الآسيوي سواء منها الدول
المهمة وغير المهمة الدول المنتجة أو المستهلكة للطاقة أقول ان هذه الدول سوف
تكتشف ان عدم انتصار الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحرب سوف يكون افضل
الخيارات السياسية والاستراتيجية المطروحة أمامها لأن عدم انتصار الولايات المتحدة
الأمريكية سوف يبقي على أهمية هذه الدول وان لها دورا تلعبه وان الانتصار الساحق
للولايات المتحدة الأمريكية يعني اضعاف العديد من الدول من دول المنطقة الآسيوية
واضعاف تأثيرها وان انتصار الولايات المتحدة الأمريكية سوف يسمح لها بنقل هذه
التجربة إلى مناطق عديدة من العالم من اجل خدمة ذاتها وخدمة اسرائيل وهذا ما يمكن
ان يطلق عليه سيناريو الانتصار المخيف.