نهاية مجرم حرب

 

بقلم : فوزي الأسمر

 

عندما شغلتُ الحاسوب صباح يوم الأربعاء (2001/10/17)، وجدت على البريد الإلكتروني رسالة صديق من فلسطينيي عام 1948، يبشر فيها مصرع وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئي÷ي، المشهور بكنية "غاندي"، ويقول: لقد انتقل (استعمل كلمة ترنسفير) إلى العالم الآخر.

وكان غاندي قد انتُخب للكنيست لأول مرة في عام 1988على أساس برنامج "ترنسفير" الداعي إلى طرد الفلسطينيين من الأراضي المحتلة، وكذلك الفلسطينيين من عام 1948، إلى الأردن،. وقد عُرف عنه تطرفه وكراهيته للعرب، ولغير اليهود بشكل عام، بل ولكل يهودي لا يخدم إسرائيل. فقبل عدة سنوات، وعندما عُين مارتن إندك لأول مرة سفيراً لأمريكا في تل ـ أبيب، لم يعجب زئي÷ي أن إندك يتبنى الموقف الأمريكي، حتى لو كان سفيراً أمريكياً، بل عليه أن يكون يهودياً أولاً، وأن يخدم إسرائىل علناً.

واستغنم زئي÷ي فرصة وجود إندك في احتفال رسمي، وتقدم منه وشتمه بسبب مواقفه، واستعمل اصطلاحاً يستعمله المعادون لليهود في العالم لتحقيرهم وهو "صبي يهودي" (جويش بوي). وثارت ثائرة إندك الذي قال لزئي÷ي إن آخر مرة شتمه فيها شخص بهذا الاصطلاح كان في المدرسة الثانوية وأنه حطم أسنان ذلك الشخص. وعندها قال زئي÷ي، وهو يخلع معطفه: "تفضل لنرى"، وأنتهى الموضوع بتدخل بعض الحاضرين في ذلك الاحتفال.

إلى هذه الدرجة وصلت الكراهية عند زئي÷ي. وكل من تابع تصريحاته، يعرف مدى كراهيته واحتقاره للعرب. فقد كان إرهابياً في تفكيره، ومجرماً في رؤيته، وحاقداً في نفسيته. وقد نقل هذه الصفات إلى كل من تعامل معهم، ومن ثمَّ أقام حزباً سياسياً يحمل هذه الأفكار.

كما أنه كان مقتنعاً أن العرب "متخلفون عقلياً"، وأنه يجب عدم التعامل معهم كبشر، ونعتهم بنعوت مختلفة كان أخرها أنهم "براغيث". وقد وصل به الاستخفاف بالعرب لدرجة أنه صرَّح مرة رداً على سؤال لماذا لا يقبل أن يرافقه حرس خاص، بأن العرب يخافون عندما يسمعون اسمه ولن يجرؤ أحد منهم على الاقتراب منه. إلى هذه الدرجة وصل به الغرور.

وعندما فشلت فكرة طرد العرب من فلسطين، تبنى زئي÷ي فكرة الإبادة الجماعية، وشجع على قتل واغتيال الفلسطينيين، وإنزال أقصى العقوبات بهم، بما في ذلك محاصرتهم وتجويعهم، حتى "يتركوا بأنفسهم" الأراضي الفلسطينية. ولكن هذا الأمر لم ينجح أيضاً.

وكان هو أول المؤيدين لأرييل شارون، عندما انتُخب رئيساً للوزراء، وشجعه على القيام بتدمير ما يمكن تدميره في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقتل واغتيال كل عنصر فلسطيني، بما في ذلك رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات. كما كان يطالب بعدم السماح لعرفات بالتنقل، وأنه يجب أن يطرد من فلسطين على الأقل.

وقبل أسبوع من مصرعه، دخل في حوار عنيف مع شارون، كون أنه اعتقد أن شارون قد بدأ "يتخاذل" أمام ضغوط الإدارة الأمريكية، وأن هذا التخاذل سيؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية "على جزء من أرض إسرائيل"، ولهذا السبب قدم استقالته يوم الاثنين 2001/10/15، من الحكومة، إلا أنه قُتل قبل الموافقة على الاستقالة من جانب شارون.

وكالعادة، سارعت وسائل الإعلام الأمريكية، المرئية والمسموعة، ليس فقط بإذاعة الخبر، بل أجرت مقابلات مع عدد من الاسرائيليين لسماع ما عندهم. ولم تكن غريبة المواقف التي أعلنوها، حيث إن أحداً منهم لم يتطرق إلى خلفية زئي÷ي العنصرية/الفاشية، وأفكاره المسمومة. وفي مقابلة مع أحد المسؤولين الاسرائىليين على شبكة "الإذاعة الشعبية" التي تبث على مستوى القارة الأمريكية كلها، قال هذا المسؤول، محاولاً جذب العطف على مصرع "غاندي": "إنني لا أستطيع أن أفهم اغتيال شخص بسبب آرائه السياسية".

وكالعادة أيضاً، لم يقم الصحافي بتوجيه سؤال عن أسباب الاغتيالات التي تقوم بها إسرائىل ضد عناصر سياسية فلسطينية وعربية، على غرار الشهيد مصطفى الزبري المشهور بأبي علي مصطفى، قائد "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" يوم 2001/8/27، وهو جالس في مكتبه في مدينة رام الله، بهجوم صاروخي. أو القيام باغتيالات بسبب الآراء على غرار اغتيال الأديب غسان كنفاني، والمؤرخ السياسي نعيم خضر، والشاعر الوطني كمال ناصر وغيرهم من المفكرين الفلسطينيين، ألم تغتلءهم إسرائيل بسبب آرائهم وكتاباتهم؟

إن إسرائيل تعتبر كل مقاوم فلسطيني أو عربي بأنه "إرهابي" ولهذا فإنها تشن حرب إبادة ضد كل العناصر التي تعتقد أنها تشكل خطراً عليها، بغض النظر إذا كان ذلك عن طريق الكتابة السياسية أو الأدبية أو الرسوماث أو الأبحاث الأكاديمية، كلها تُصب في خانة "الإرهاب" عند الإسرائيليين.

ومرة أخرى، يسارع الرئيس الأمريكي جورج بوش شخصياً بإدانة مقتل رحبعام زئي÷ي ويصفه بأنه "عمل خسيس وحقير"، ويطلب من رئىس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات أن يعثر على المنفذين وتقديمهم للمحاكمة. ولكن الرئىس بوش لم يفعل نفس الشيء عندما اغتالت السلطة الإسرائيلية، وباعتراف رسمي منها، الشهيد أبو علي مصطفى وغيره. ويتهم بوش هؤلاء الذين قاموا بهذه العملية، بأنهم يطعنون الجهود الأمريكية لتهدئة الأوضاع، على حد تعبير المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض.

وليس غريباً أن لا ترى واشنطن الاحتلال والعمليات الإجرامية التي تقوم بها إسرائيل على أنها هي التي تضع العثرات في وجه المحاولات الأمريكية للوصول إلى استقرار في المنطقة. إنه من الصعب أن يمر يوم بدون أن يستشهد فلسطينيون، فشارون لا يقل إجراماً عن زئي÷ي، ويعرف الأمريكيون أنه هو الذي يضرب المواقف الأمريكية عرض الحائط، دون أن تجرؤ الإدارة الأمريكية على وضعه عند حده. لقد قال أكثر من مسؤول فلسطيني إن إسرائيل لم تحترم ليوم واحد وقف إطلاق النار.

إن هذه المواقف الأمريكية لن تساعد على جلب السلام والاستقرار، لا لإسرائيل ولا للفلسطينيين ولا للعالم بشكل عام. يجب على أمريكا أن تتخلص من عقدة "ازدواجية المواقف"، إرضاءً لمصالح السياسيين الامريكيين الذين يتطلعون إلى إعادة انتخابهم، إن هذه المواقف المزدوجة، وعدم القدرة على مواجهة الصهيونية وإسرائيل، هي التي تثير الحقد والغضب ضد أمريكا.