هل وقعت الولايات المتحدة في الفخ الأفغاني ؟

 

بقلم : باتريك سيل

كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الاوسط.

 

 

بدأ مسؤولون كبار في الولايات المتحدة وأوروبا وفي تصريحات ليست للنشر - يكشفون تلميحاً عن شكوكهم الشخصية في ما يتعلق بالنتائج المتوقعة للحرب في افغانستان.

واقع الأمر ان الرياح لا تجري كما تشتهي السفن: فالغارات الجوية خلال الأسابيع الثلاثة لم تفضِ الي آثار حاسمة، ونظام طالبان لم يتقوض بعد، كما لم تحدث الانشقاقات بين صفوفه، كما كان متوقعاً، ثم ان الملا محمد عمر ما زال ماسكاً بزمام الأمور، ولم يتم العثور علي حليفه اسامة بن لادن - عدو الولايات المتحدة رقم واحد - ولا تمت تصفيته. وهذه كلها أمور لا تستدعي الدهشة في بلاد بمساحة افغانستان - بحجم فرنسا وربعها - حيث ينجح العدو في التبعثر في كل مكان، كما تصعب رؤيته أو تحديد أماكن وجوده وحيث لا توجد أهداف استراتيجية شديدة الأهمية وذات قيمة كبيرة . ثم ان الفرق الاميركية والبريطانية من الوحدات الخاصة التي تعتمد علي اسلوب اضرب واهرب بدأت عملها ميدانياً ولكن المردود الذي حصلت عليه هزيل لا يستدعي الحسد.

وعلي هذا، فمن الجائز ان تسقط بعض المدن الافغانية، بل ومن الجائز ان تُحتل بعض المواقع الاستراتيجية المهمة، ولكن قد يتعذر اخضاع المقاومة الافغانية المتمركزة في الجبال. بالإضافة الي ان العمليات العسكرية الجوية والبرية علي حد سواء، ستصاب بانتكاسة ماحقة، مع اقتراب فصل الشتاء القارس، ومع بداية شهر رمضان في 16 تشرين الثاني (نوفمبر).

تؤكد المصادر الغربية ان الاسبوعين المقبلين سيكونان حاسمين، ذلك ان الولايات المتحدة بدأت تخترق الخطوط الامامية لـ طالبان في شمال افغانستان، وهي تستعجل قادة التحالف الشمالي، خصوصاً الجنرال الاوزبكي عبدالرشيد دوستم، لاحتلال مدينة مزار الشريف ومطارها. وهذا من شأنه ان يوفر للقوات المعادية لـ طالبان قاعدة عسكرية مهمة داخل البلاد، تنطلق منها للزحف علي كابول.

ولكن الإعداد لهجوم قوات تحالف الشمال بطيء ومتعثر، ولم يبدأ تحركه بعد، ويشكو قادته من ان الدعم الاميركي له ما زال فاتراً، يفتقر الي الحماسة الحارة. وإذا ما تلكأ هجوم التحالف الشمالي فقد يتوجب علي الاميركيين ان يبادروا بهذا الهجوم بأنفسهم، وحينئذ سيجدون أنفسهم غائصين في وحل حرب لا يمكن الانتصار فيها، كما حدث للروس من قبلهم. وهذا هو السيناريو الكابوسي الذي يثقل علي الأوساط المسؤولة في واشنطن ولندن. من هنا أصبح واضحاً ان النصر السريع الذي راهنت عليه واشنطن بدأ يفلت من قبضتها، إن لم يكن قد فاتها نهائياً.

وفي أثناء ذلك، يرتفع عدد الضحايا: تتحدث مصادر طالبان عن مقتل ألف، وتخطئ القنابل الاميركية، علي ما يبدو أهدافها كما حدث في مدينة هيرات الغربية، حيث سقطت احدي القنابل علي مستشفي مدني. وهناك عشرات الألوف من الافغان المذعورين يفرون من الغارات الجوية الاميركية، وهؤلاء يتجمعون علي حدود باكستان محاولين اختراقها طلباً للنجاة.

وماذا يُقال عن ملايين الافغان الذين يواجهون المجاعة داخل البلاد؟ ان المنظمات الدولية المشرفة علي تقديم المساعدات الانسانية تطلب بإلحاح من الولايات المتحدة وقف الغارات الجوية كي يتاح لها ان توصل الغذاء والمساعدات الي هذه البلاد المنكوبة.

وفي أثناء ذلك أيضاً بدأ الرأي العام الاسلامي في العالم العربي، وفي باكستان واندونيسيا وماليزيا والفيليبين، يفقد هدوءه، ويتخذ مواقف أكثر تصلباً وقسوة تجاه الولايات المتحدة. فالقصف الاميركي المتواصل للمدن والقري الافغانية يثير غضبه وغيظه. وهذا معناه في نهاية الأمر ان الولايات المتحدة قد خسرت حرب الدعاية، وهي علي وشك ان تفقد قدرتها علي القيـــام بأية مبـــادرة سياسيــة.

 

تحديان: الجمرة الخبيثة واسرائيل

بالإضافة الي مشاكلها في افغانستان، تتصارع الولايات المتحدة مع تحديين جديين آخرين، لكنهما من طبيعة مختلفة: ففي داخل الولايات المتحدة، أثار الخوف من الجمرة الخبيثة هلعاً واسعاً، وأصاب الحياة الاعتيادية للناس بالخلل. وعلي رغم الجائزة المالية الكبري التي رصدتها الإدارة الاميركية - مليون دولار - لم يتقدم احد حتي الآن بالكشف عن سر الظروف البريدية المسممة بمسحوق الجمرة الخبيثة التي ارسلت الي عدد من الشخصيات الاعلامية المرموقة وعدد آخر من السياسيين المعروفين. بل ان هاجس الجمرة الخبيثة، أخذ يتحكم في آلية توزيع البريد في كل مكان، حتي في البريد المرسل الي البيت الأبيض. وقد توفي حتي الآن اثنان من موظفي البريد هذا الاسبوع متأثرين بإشكالات في التنفس نتيجة استنشاقها ذرات الجمرة الخبيثة، كما أعلن عن عدد آخر من المرضي ثبتت اصابتهم بالمرض الخبيث، في حين يخضع عشرة آلاف عامل حالياً للفحوص الطبية.

إن مؤسسات الاسعاف في الولايات المتحدة منشغلة حتي الاختناق برصد هذه الآفة الوافدة، مما يؤكد ان أهم وأكبر دولة في العالم قد أرغمت علي اتخاذ موقف الدفاع.

أما التحدي الآخر الذي تواجهه واشنطن، فهو آتٍ من الخارج، لا من أعداء الولايات المتحدة وانما من حليفتها و زبونتها اسرائيل. فقد أقحم ارييل شارون، رئيس وزراء اسرائيل - مستغلاً اغتيال رحبعام زئيفي وزير السياحة المعروف بكراهيته الشديدة للعرب - جيشه داخل سبع مدن فلسطينية، وتوغل فيها متسبباً في مقتل 40 فلسطينياً حتي الآن.

رفض شارون طلبات اميركية بالانسحاب الفوري من بينها طلب شخصي من الرئيس بوش نفسه، وأعلن انه لن يسحب جيشه قبل ان يقبض ياسر عرفات علي قتلة وزير سياحته زئيفي ويسلمهم الي اسرائيل.

اختار شارون اللجوء مرة اخري الي العنف، متذرعاً بحق اسرائيل المزعوم في الدفاع عن النفس ، تماماً كما كان يفعل دوماً، طيلة حياته، رافضاً المفاوضات، لأن هذه المفاوضات - في منطوقه - لا بد من ان تؤدي آخر الأمر الي عودة الأرض الي الفلسطينيين.

يعتمد شارون، بتحديه لإدارة بوش، علي أصدقاء اسرائيل في الولايات المتحدة، خصوصاً في الكونغرس المعروف بتعاطفه الشديد مع اسرائيل. ولكن اذا عجز الرئيس بوش ووزير خارجيته كولن باول عن اعادة شارون الي بيت الطاعة فستصاب صدقية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بطعنة قاتلة، علماً ان هذه الصدقية متدنية اساساً من قبل.

 

الهاجس الاقليمي

لكن هذا كله لا يُنهي مشاكل واشنطن: اذ تفتقر الحملة العسكرية الاميركية الي الصدقية، بسبب عدم وجود بديل سياسي يخلف نظام طالبان في افغانستان حتي الآن. فالمشاحنات بين الفصائل الافغانية، والخلافات العاصفة بين الدول المجاورة لافغانستان، تقف حائلاً دون تشكيل ائتلاف أو تحالف مقنع، بمقدوره ان يتسلم الحكم في كابول بعد سقوط طالبان ، وان يخلق الظروف المواتية لإعادة إعمار البلاد، فضلاً عن تصفية خلايا تنظيم القاعدة لأسامة بن لادن.

لم تتوقف الولايات المتحدة، وبريطانيا، بل والمبعوث الخاص للأمم المتحدة الاخضر الابراهيمي، عن الاعلان بأن مستقبل افغانستان منوط بأيدي الشعب الافغاني . لكن هذا الاعلان يبدو غير واقعي حتي الآن، فالدول المجاورة لافغانستان لا تخفي ان لها مصالح حيوية في هذا البلد، والكل يعمل من أجل قولبة نظام ما بعد طالبان ليكون في خدمة مصالحه.

لقد ساعدت باكستان علي اقامة نظام طالبان الذي تسيطر عليه اكثرية بشتونية، ودعمته علي امتداد خمس سنوات ضد تحالف قوي الشمال المؤلف من الطاجيك والأوزبك. وقد فعلت اسلام اباد ذلك مدفوعة بسببين: أولهما لأن باكستان بحاجة ماسة الي نظام تابع في كابول يوفر لها العمق الاستراتيجي ضد الهند، وثانيهما لأن باكستان بحاجة ايضاً الي احتواء مطالب البشتون الهادفة الي اقامة باشتونستان الكبري الممتدة علي طرفي الحدود الافغانية - الباكستانية. ومعروف ان بريطانيا قسمت في عام 1893 القبائل البشتونية الي قسمين لحماية امبراطوريتها الهندية، كما رسمت خط دوران البغيض الذي لم يرض أحداً. ومنذ ذلك الحين يناضل البشتون من اجل توحيد بلادهم، غير ان هذه الوحدة ستؤدي، اذا ما تحققت، الي تجزئة باكستان وفقدانها اقليمها الشمالي الغربي.

لقد انقلب الجنرال برويز مشرف، رئيس باكستان ضد طالبان بتأثير الضغط الاميركي، أو علي أمل الحصول علي بعض الجوائز المالية لبلاده، لكن مصالح باكستان تبقي هي هي من دون تغيير، فالاستخبارات الباكستانية ستستمر في دعم طالبان سراً، ولن تخفف باكستان من عدائها القاطع لاحتمال تسلم تحالف الشمال الحكم في كابول، علي رغم ان الولايات المتحدة تعلق الكثير من الآمال علي هذا التحالف. وما زال الرئيس مشرف يصر علي ان تشارك عناصر معتدلة في طالبان في أية حكومة افغانية مقبلة، لكن الدول المجاورة مثل الهند وروسيا وايران - وهي معروفة بمساندتها تحالف الشمال - تؤكد بأن لا وجود لعناصر معتدلة في طالبان . وعلي هذا، فإن كل طرف، ولأسبابه الخاصة، يعارض أي شكل من أشكال حكم طالبان في المستقبل، من دون ان يحدد مواصفات الحكم البديل بدقة.

وعلي رغم الاتصالات الودية بين جورج بوش وفلاديمير بوتين، فإن روسيا عازمة علي إبعاد الولايات المتحدة عن آسيا الوسطي. ومن جهة اخري، تطمح الهند الي الرد علي خاصرة باكستان التي تشكل تهديداً مستمراً في افغانستان حصراً، في حين ترغب ايران، التي ترفض استمرار حكم طالبان ، في حصول قبائل الهزارة الشيعة علي حصتها في حكومة كابول المقبلة.

علي واشنطن ان تتعامل وتتصارع مع تعقيدات وتناقضات السياسات المتباينة في آسيا الوسطي. لقد اختارت اوزبكستان كقاعدة اساسية للقيام بهجوم بري ضد افغانستان. ويقال بأن ما لا يقل عن ألف عنصر من الفرق الخاصة الاميركية يتركزون الآن في قاعدة كماناباد الجوية الأوزبكية، علي بعد 200 كيلومتر من الحدود الافغانية، وسيزداد عدد هذه الفرق الخاصة قريباً.

وتشكل اوزبكستان، بسكانها الـ25 مليوناً، أكبر دولة في آسيا الوسطي، علي الحدود الشمالية لافغانستان، ولها أطماع توسعية في افغانستان، وقد يحلو لها ان تلعب دور الشرطي الاقليمي بمساعدة الولايات المتحدة، ولكن شعب اوزبكستان يخشي من انتقام الاصوليين المتطرفين الاسلاميين اذا ما فشلت الولايات المتحدة في تحقيق نصر حاسم وسريع.

وغير بعيد، هناك طاجيكستان بسكانها الـ5 ملايين، وهذه راغبة في ان تبقي الي جانب روسيا، علي أساس ان الجيش الروسي يظل اكبر مصدر لتشغيل اليد العاملة فيها. اما تركمانستان المحاصرة من كل جهة، فعدد سكانها لا يتجاوز الـ5 ملايين ايضاً، ولكنها تملك احتياطياً ضخماً من الغاز، والحلم الكبير الذي لا يزال يراود قادتها هو مد أنابيب داخل افغانستان لتصدير غازها الطبيعي الي باكستان. لكن البنوك الغربية وشركات النفط الاميركية تفضل الانتظار حتي سقوط حكم طالبان ، قبل ان تبدي اهتماماً جدياً بهذا المشروع!

هل بمقدور الولايات المتحدة ان تنتصر في افغانستان باستخدامها قوي اقليمية تابعة من دون ان ترغم علي ان تزج بقواتها في اتون المعركة؟ وإذا ما قررت ان تنشر قواتها، فهل سيكون أداؤها أفضل من أداء القوات الروسية عام 1980؟

لقد دخلت بريطانيا ثلاث حروب ضد الافغان في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لحماية الحدود الشمالية لامبراطوريتها الهندية وايقاف الزحف الروسي. لكن بريطانيا فشلت هي الأخري في اخضاع القبائل الافغانية المتمرسة في فنون القتال والمقاومة.