الحملة علي السعودية حين تكون
خدمة لتلك الأجندة غير الخفية
بقلم : د.
عبدالوهاب الافندي
ليس التهجم علي فرد او جماعة او دولة من بعض الجهات شراً او
مصيبة، بل بالعكس قد يكون المديح منها هو الادانة والاهانة، وحين يسر شمعون بيريس
الي خلصائه بأنه يدعو الله ان يحفظ ديكتاتور باكستان برويز مشرف، فليست هذه بشري
للجنرال الذي يعلم ان بيريس ليس من اولياء الله الذين تفتح لدعواتهم ابوب السماء،
ولكنها نذير بأن الديكتاتور اصبح يخدم مصالح غير مصالح شعبه وامته.
وبنفس القدر فليس انتقاد الدول العربية وحكوماتها ذات السجل
المعلوم من الاثم في شيء، بل انه من فروض الكفاية. ولكن النقد انواع، فهناك نقد
للأنظمة لتقصيرها في حق شعوبها، ولعجزها عن الوفاء بواجب الدفاع عن استقلال الأمة
وحقوقها، والنكوص عن احترام حريتها وقيمها، وهناك نقد آخر محوره، ان هذه الانظمة
قصرت في خدمة حلفائها الاجانب، اي بمعني آخر، انها قصرت في الدوس علي حقوق الشعب
لمصلحة الاجانب، النوع الاول من النقد هو المطلوب والمندوب، اما النوع الثاني فهو
ضرب من الاجرام اسوأ من ذلك الذي ينتقده المنتقدون.
ولكن ثالثة الاثافي تأتي حين يعمد من يتطوعون بهذا النقد
الاجرامي الي تغليفه في غلاف النقد الأول، ويكشفون عن سوء الطوية حين يسوقون
عداواتهم للشعوب تحت ستار الدفاع عن حقوقها. ولعّل ادعي ضروب هذا النفاق اثارة
للغثيان هو ما حيانا به رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق بنيامين نتنياهو الذي دأب
علي انتقاد رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات بسبب انتهاكات حقوق الانسان
التي كانت السلطة تقع فيها. ونتنياهو يعلم قبل غيره ان السلطة ما جعلت الا لتتولي
نيابة عن اسرائيل نصيبا من قمع الانسان الفلسطيني، والا فهل يريدنا الزعيم
الاسرائيلي الهمام ان نعتقد بان اسرائيل سمحت بقيام كيان ينفق اكثر من نصف
ميزانيته علي الشرطة والامن وتشرف سلطته علي اكثر من عشرة اجهزة امنية مختلفة حتي
تتجسس هذه الاجهزة علي العدو الصهيوني وتدافع عن الشعب الفلسطيني ضد المحتل؟ وفي
حقيقة الامر فان شكوي نتنياهو وخلفائه هي ان وطنية افراد ومسؤولي السلطة
الفلسطينية غلبت علي التزاماتهم تجاه حلفائهم خاصة بعد ان تنكر نتنياهو ومن سبقوه
ولحقوه لأبسط التزاماتهم بموجب اتفاقات اوسلو.
ومن هذا المنطلق فان ما فاضت به الصحف الامريكية هذه الايام من
تحامل علي العرب والمسلمين عموما، وعلي بعض الدول العربية خصوصا، وعلي رأسها
السعودية ومصر وسورية لم يكن مما يراد به وجه الله. صحيح ان هذا النقد يشير الي
حقائق يعرفها الجميع، وهو ان هذه الانظمة تمارس القمع في حق شعوبها، وانها لا
تتمتع بشرعية وانها تعتمد في وجودها الي حد كبير علي الدعم الاجنبي، كما انها
تواجه تهديدا لمستقبلها وشكوكا في قدرتها علي البقاء. وهذه الامور لم تكن غائبة عن
فهم الامريكيين وغيرهم، وهي تحديدا الاسباب التي صارت مدخلا الي ابتزاز هذه
الانظمة واجبارها علي خدمة المصالح الاجنبية.
قضية السعودية تحديدا وموقعها من الازمة الاخيرة تعتبر مثيرة
للاهتمام، كونها تعامل في نفس الوقت علي انها الجاني والضحية، ومحور الصراع،
فالمتهمون في الاحداث الاخيرة جلهم من المواطنين السعوديين اذا صدقنا المصادر
الامريكية. وهذا بدوره حول السعودية من دولة صديقة لأمريكا الي اعتي عدو.
المواطنون السعوديون اصبحوا اليوم يواجهون بالشك والتجهم اينما حلوا، بينما كانت
العواصم الغربية في الماضي تحتضنهم بدون تحفظ، وتستقبلهم بدون الحاجة الي تأشيرات
الدخول، الحكومة السعودية نفسها اصبحت متهمة لأنها لم تشارك الامريكيين الرسميين
ارتيابهم في كل مواطن سعودي وكل مصرف وشركة ومؤسسة اقتصادية سعودية.
السعودية ايضا هي الضحية لان الجناة اذا صح التقدير حول هويتهم
ومقاصدهم السياسية، يستهدفون النظام السعودي وتحالفاته قبل استهداف امريكا، بل
انهم لم يوجهوا ضربتهم الي امريكا الا ردا علي تحالفها مع النظام واقامة التحالفات
العسكرية والسياسية معا، وهذا بدوره يؤكد ان السعودية هي ايضا موضوع الصراع، اذ ان
هدف خصوم الولايات المتحدة هنا في نهاية المطاف هو انقاذ السعودية من براثن امريكا
بزعمهم حتي تخلص لهم، وتصبح توجهاتها هي توجهاتهم.
كل هذه التداعيات تجعل موقع السعودية حرجا للغاية، وتضعها في
قلب عاصفة من التناقضات ليست كلها من صنعها. وتزداد حراجة الموقف كونه يصدق تماما
مقولات اسامة بن لادن وعصبته، فجماعة بن لادن يتهمون السعودية بأنها اصبحت ارضا
محتلة، ويعلنون ان حربهم هي حرب تحرير، فأي مفارقة تصدق هذا القول اكثر من اعلان
امريكا انها ستستخدم قواعدها الجديدة في السعودية كمركز لقيادة عملياتها ضد اسامة
بن لادن؟ ولكن المفارقة الاكبر هي ان القوات الامريكية التــــي ارسلت بزعم حماية السعودية
وتعزيز امنها اصبحت بوجودها هناك مصدرا لتهديد امن السعودية وزعزعة استقرارها،
واعجب من ذلك هو ان هذه القوات التي جاءت لحماية السعودية اصبحت هي نفسها في حاجة
الي حماية قوات الامن السعودية.
وهكذا فإن الوجود الامريكي الذي قصد به فيما علمنا تعزيز أمن
السعودية أصبح عبئاً مزدوجاً علي أمنها: أولاً لأنها اصبحت في حد ذاتها مصدر تهديد
لهذا الأمن، وثانياً لأنها أصبحت تفرض علي المملكة اعباء اضافية في سبيل توفير
الأمن لها.
ولسنا هنا بصدد العودة الي تناول موضوع المقامرة السياسية
الخطرة التي دخلت فيها دول الخليج بعد ان اختارت إدخال البعد الخارجي في معادلات
أمن الخليج، وخلط الأوراق بصورة لا يعلم الا الله اين سيكون مستقرها، ولكن من
الواضح ان الاحداث الأخيرة هي جزء من تداعيات تلك اللعبة الخطرة. واذ تجد السعودية
الآن نفسها في وضع لا تحسد عليه، حيث تتهم من قبل طائفة من مواطنيها بالتفريط في
السيادة، بينما تتهم من قبل امريكا والغرب بالتمسك بسيادتها اكثر من اللازم،
اختارت جهات معينة في المعسكر الغربي ان تشن اعنف حملة علي المملكة، وهي حملة لا
تختلف عن تلك الحملة علي الطالبان، بمعني ان القصف يطال كل شيء، وكل الاسلحة
تستخدم. فالنظام السعودي يتهم بالفساد، وبالعجز، وبانتهاك حقوق الانسان، وبالتواطؤ
مع الارهاب درءا لشره، وبانه مصدر التمويل الأول للارهاب، وبانه لا يريد التعاون.
مثل هذا الهجوم الكاسح ينبئ بوجود تحالف عريض يتولي كبره لكل
طرف فيه اجندته غير الخفية. فهناك اللوبي الصهيوني الذي انتهز هذه الفرصة للتشنيع
علي كل ما يمت للاسلام بصلة، ولممارسة الابتزاز الذي برع فيه، وهناك اليمين الديني
المتطرف الناقم علي السعودية لاسباب خاصة، ثم هناك الليبراليون الذين لم يعودوا
يذكرون من ليبراليتهم الا العداء للدين. اضافة الي ذلك فان هذا الهجوم يعبر عن
التخبط وفقدان التوازن. فهذا القصف الموجه، مثل القصف علي افغانستان، يريد ان يدمر
كل شيء قائم دون ان تكون له فكرة عن البديل.
مصر وجدت نفسها في الموقف نفسه، وان كان بدرجة أقل، فهناك قصف
مركز علي الموقف المصري والتحفظات المنطقية التي عبرت عنها القيادة المصرية تجاه
الموقف الامريكي الأهوج، والطريف ان الموقف المصري كان من قبل نصح الصديق لصديقه،
ولكنه فسر علي غير ذلك.
وفي كلا الحالين نجح هذا الهجوم في هدفه المبدئي، وهو إنجاح
عملية الابتزاز. الآن أصبح الجدال ليس حول أحقية أمريكا في الاملاء علي حلفائها ،
بل حول مدي انصياع هؤلاء الحلفاء من عدمه. فكل من قادة السعودية ومصر يقسمون بالله
جهد ايمانهم انهم نفذوا كل ما طلب منهم وزيادة، ويستشهدون علي ذلك بشهود عدل من
امثال رامسفيلد وباول. وهكذا يكون الخصوم وضعوهم حيث أرادوهم.
كانت هناك محاولات ضعيفة من قبل هذين النظامين وغيرهما للرد
بالمثل، كما في اتهام الجهات خلف هذه الحملات بان لهما حقدا دفينا ضد الاسلام، او
اتهام لوبيات بعينها بأنها تقف وراء الحملة للنيل من مكانة هذا البلد او ذاك. ولكن
هذا الخيار غير متاح في النهاية. اولا لأن القيادات كانت تعلم بما يحمله هؤلاء
الحلفاء من حقد لم يكن دفينا في يوم من الايام، بل كان ظاهرا للعيان علي الدوام.
ولكن هؤلاء ظنوا ان هذا الحقد يمكن ترويضه واستخدامه استخداما موجها كما تستخدم
الطاقة النووية. وهكذا تم توجيه هذا الحقد باتجاه ايران زماناً ثم العراق
والسودان، واليوم افغانستان.
ومنذ أزمة الخليج وحتي قبلها (كامب ديفيد عند البعض) اختارت
هذه القيادات قطع الجسور مع مواطنيها من جهة، ومع الاخوة في العروبة والدين من جهة
اخري. والآن لم يعد الرجوع الي الشعب والاستناد اليه خياراً، كما ان احياء التضامن
العربي والاسلامي غير متاح علي المدي القريب.
لم
يبق إذن الا الانصياع الكامل، واتباع ما يملي والتعلق بأمل ان يكون القديس شمعون
بيريس مستجاب الدعوة عند ربه، وقبل ذلك ان يتعطف الشيخ بيريس بأن يذكر اصحابنا في
دعائه، فالرجل شحيح ببركاته هذه الأيام، ودعواته لا يلقاها الا ذو حظ عظيم.