<<ملطسة>> هذا الزمان!

 

 

 

بقلم : فهمي هويدي 

 

أصبح العرب والمسلمون <<ملطشة>> هذا الزمان. وان شئت أن تستخدم الوصف الفصيح فهو <<ملطسة>>، حيث اللطس في معاجمنا هو اللطم. ولكثرة ما تعرضنا لذلك اللطم من كل صوب، فلعلي لا أبالغ اذا قلت أننا نعيش عصر استباحة الأمة، على نحو لم يعرفه تاريخها الممتد، حتى في أوج الهيمنة الاستعمارية. فالاستعمار مارسته دول كبرى، جاءت بجيوشها واستهدفت ثروات بلاد بذاتها. أما في زمن الاستباحة فقد أصبحنا نتلقى اللطمات من كل من هب ودب، ونُقهر بلا جيوش، ونُهان بلا استثناء. ثم انه في ظل الاستعمار استنفرت الشعوب وهبت تناضل من أجل التحرير، أما في زماننا فقد تراجعت الهمة وحل الفتور، وصرنا عاجزين عن أي تحريك!

(1)

شخصيا، استشعرت أثر اللطمة صبيحة الأربعاء الماضي 23/10، وهي لم تكن لطمة واحدة، وإنما اثنتان. فقد وقعت يومذاك على خبرين في صحف الصباح، ما أن قرأتهما حتى أصابني الوجع، الذي استحضر في ذهني نموذج الملطشة وفكرة الاستباحة. في الخبر الأول ان الحكومة الأميركية قررت تجميد 12 مؤسسة وطنية سودانية عقابا لحكومة الخرطوم على موقفها في مباحثات السلام بالجنوب. أما قائمة المؤسسات المعنية فقد كانت مذهلة حقا، إذ ضمت مؤسسات حيوية مثل هيئة الإذاعة والتلفزيون وشركة السجائر الوطنية، ومؤسسات الكهرباء والبريد والبرق والبترول والسكر، وشركتي الشاي والمناطق والأسواق الحرة. وهو ما يعني ان القرار الأميركي استهدف توجيه ضربة قاضية وقاصمة للاقتصاد السوداني يراد بها ان تصيبه بالانهيار والشلل. وليت الدافع الى ذلك درء خطر هددت به السودان أمن الولايات المتحدة او مصالح شعبها، الأمر الذي قد يسوغ إعلان حرب اقتصادية عليها من ذلك القبيل، لكن المدهش في الأمر ان واشنطن لجأت الى تلك الخطوة لتركيع حكومة الخرطوم وإجبارها على الامتثال لشروط قيادة التمرد الجنوبي، بناء على قانون غريب أصدره الكونغرس باسم <<سلام السودان>>، ينص على فرض عقوبات على الحكومة السودانية اذا لم تحرز تقدما في عملية السلام مع المتمردين، ويلوح في الوقت ذاته بتقديم المسؤولين الى المحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

حين يفيق المرء من الذهول ويتأكد من أن ما وقعت عليه عيناه حقيقة وليس وهما، فان اسئلة عديدة تلح عليه، منها على سبيل المثال: ما شأن واشنطن بصراع داخلي في السودان عمره حوالى عشرين عاما؟ ولماذا التركيز على السودان بالذات من دون سائر الدول التي تحفل بالصراعات في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية؟ ثم من نصَّب الولايات المتحدة قاضيا في الموضوع؟ وهل أصبحت واشنطن مقرا لحكومة عالمية قررت من جانبها ان تتعامل مع شعوبنا بحسبانهم رعايا، يؤمرون، فلا يملكون إلا الامتثال والطاعة، وإلا حلت عليهم اللعنة وتعرضوا للعقاب؟ ثم كيف واتت اعضاء الكونغرس تلك الجرأة التي تصل الى حد الصفاقة، لكي يصدروا قانونا يقرر معاقبة حكومة الخرطوم اذا لم تحرز تقدما في عملية السلام، في حين يعفى الطرف الآخر من أي عقاب او عتاب اذا ما عوَّق التقدم في العملية ذاتها، وفرض شروطا يتعذر على أي دولة تحترم نفسها أن تقبلها؟ وكيف يمكن أن نفسر لجوء واشنطن الى معاقبة حكومة السودان على ذلك النحو، في حين تقدم في الوقت ذاته مئة مليون دولار على ثلاث سنوات مساعدة منها ودعما لحركة التمرد الجنوبي؟

(2)

في الخبر الثاني ان الاتحاد الأوروبي هدد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بوقف التعامل معه، اذا فشلت حكومته الجديدة في الحصول على ثقة المجلس التشريعي الفلسطيني. ووقف التعامل مع الرجل لا يعني قطع الاتصال السياسي فحسب، وإنما يعني أيضا وقف المساعدات المالية التي تقرر منحها للسلطة الفلسطينية لإغرائها بالانخراط في عملية السلام. ومعروف ان اسرائيل ومعها الولايات المتحدة يتبنيان الدعوة الى إقصاء الرئيس عرفات، وإعادة بناء السلطة الفلسطينية من جديد. وبطبيعة الحال فان ذلك المطلب لم يقدم غيرة على الديمقراطية ولا حرصا على صدق تمثيل الشعب الفلسطيني ولا سعيا لقطع دابر الفساد المالي والسياسي الذي اتهمت به بعض عناصر السلطة، لكن المراد به شيء واحد هو أن تحل محل عرفات قيادة جديدة وفريق آخر ترضى عنه اسرائيل والولايات المتحدة، علما بأن عرفات قدم لهم أقصى <<مرونة>> ممكنة وتنازل لهم عن الكثير، لكن ذلك كله لم يكن كافيا، لأنهم لا يريدون قيادة <<متجاوبة>> بنسبة 70 أو 80%، إنما يريدون استعدادا للتنازل يصل الى مئة في المئة!

كنا نقول أن لأوروبا موقفا متميزا عن الولايات المتحدة، وأنها أقل انصياعا للإدارة الاسرائيلية، وأكثر اعتدالا في موقفها من العرب والفلسطينيين، لكن يبدو أن ذلك كله يتراجع الآن، حيث الظاهر أن حالة الرخاوة المخيمة على العالم العربي أغرت الأوروبيين بالانضمام الى طابور <<لطس>> العرب والمسلمين.

رسالة الخبرين واحدة. فحكومة السودان يجب أن تستجيب لشروط قيادة التمرد الجنوبي، والقيادة الفلسطينية يجب ان تنصاع للمطالب الاسرائيلية، وفي الحالتين ينبغي ان يدرك الجميع أنهم ليسوا أحرارا في تحري المصالح، لكن هناك أوصياء انتدبوا لرعاية حسن السيرة والسلوك في المنطقة، وبيدهم الكثير الذي يفعلونه لإجبار حكوماتها على الالتزام بحدود <<الأدب المطلوب>>، ولذلك فان من مصلحة تلك الحكومات أن تتجاوب بالحسنى مع ما يريده الأوصياء، أما من يتقاعس عن ذلك فهناك من سيتولى <<تأديبه>> على النحو الذي تقدم!

(3)

لم أتحدث عن استقواء الاسرائيليين على الفلسطينيين، وازدرائهم بالعرب أجمعين، كما لم أتحدث عن استقواء الأميركيين على العراقيين في جانب والأفغان في جانب آخر. فاستباحة هذه الشعوب أصبحت خبرا يوميا، لم تتوقف الصحف عن تسجيل وقائعه خلال الأشهر الأخيرة. وهي وقائع تقطع بأن الممارسات التي تتم بحق تلك الشعوب العربية والاسلامية تمثل انتهاكا صارخا لقيم القانون والأخلاق والأعراف.

لقد مررنا بما حدث مع السودان، وكيف صودرت أموال مؤسساته الحيوية. وسلاح المصادرة هذا مُشهر في وجه الجميع، حتى قامت الإدارة الأميركية خلال هذا العام بمصادرة أموال عشرات بل مئات المؤسسات والأشخاص في العالم العربي والاسلامي، ومن ثم أصبحت اي جهة ناشطة في العالم العربي والاسلامي معرضة للاغتيال بجرة قلم، بعدما انقلب الحال وأصبح الكل متهم حتى تثبت براءته.

في هذا السياق لا بد أن تستوقفنا الاجراءات المهينة التي أصبح يخضع لها العرب والمسلمون الذين يضطرون للتعامل مع الولايات المتحدة. فهم يُذلَّون في السفارات لكي يحصلوا على تأشيرات الدخول. وهناك عشرة آلاف طالب من أبناء عالمنا العربي والاسلامي ما زالوا منذ شهور عاجزين عن الحصول على تأشيرات لاستكمال دراستهم هناك، والذين يحصلون على تلك التأشيرات لهم صفوف خاصة يقفون فيها في المطارات الأميركية، وهناك تؤخذ بصماتهم وتلتقط صورهم، ويخضعون لمختلف صور الاستجواب والتحري، باعتبار ان الأصل في الجميع أنهم مشبوهون.

في أية لحظة، ومن دون إبداء أية أسباب، يتعرض <<ذوو البشرة الداكنة>> المقصود هم العرب والمسلمون بطبيعة الحال للترحيل والطرد خارج البلاد. وذلك أهون من الاختفاء حيث لا يعرف من ألقى القبض على الواحد منهم، ولا طبيعة التهمة الموجهة إليه، ولا المكان الذي أودع فيه، وليس للمحتجز ان يتصل بأحد من أسرته او أن يوكل محاميا. وقد يلقى لعدة أشهر في سجن قصي، او يحتجز في سفينة بعرض البحر، او يرسل الى سجن <<غوانتانامو>>، حيث المصير المجهول، باستثناء الذهاب بلا عودة.

ثمة آلاف التفاصيل الأخرى التي ترسم ملامح الصورة، والتي يتعلق بعضها بأوضاع المسلمين الأميركيين الذين يعيشون داخل البلاد. لكن ما يدهش له المرء حقا ليس تلك اللوثة التي انتابت الأجهزة الأميركية واقترنت بدرجة عالية من الفظاظة (نائب رئيس الوزراء الماليزي ذهب ليلقي كلمة بلاده أمام الأمم المتحدة في نيويورك، وأجبر على خلع حذائه وحزام سرواله قبل صعوده الى الطائرة التي حملته من لوس أنجلوس!) إنما المدهش اكثر ان ذلك كله لم يقابل بما يستحقه من استياء وغضب في العواصم العربية والاسلامية. استثني من ذلك احتجاج رئيس وزراء ماليزيا على ما أسماه بالهستيريا الموجهة ضد المسلمين، وما نقل على لسان وزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبد العزيز الذي قال أن الأميركيين سيعاملون بالمثل حال وصولهم الى المملكة أدري ان السكوت في هذه الحالة ليس علامة رضى، لكن ذلك لا بد أن يثير تساؤلا آخر: هو علامة ماذا إذن؟!

(4)

انفتح باب الاجتراء على العرب والمسلمين على مصراعيه. فقد انتقلت العدوى من الولايات المتحدة الى اوروبا. وتلاحقت القوانين والإجراءات العنصرية التي لاحقت <<جنس>> العرب والمسلمين في ما يخص الهجرة وإجراءات الاقامة وارتداء الحجاب وافتتاح المدارس وبناء المساجد. وكل هذا حتى في روسيا التي يعيش في داخلها نحو 20 مليون مسلم.

تبنت الحركات القومية المتعصبة حملة العداء للمسلمين في مختلف الدول الأوروبية، ودعا بعض قادة رابطة الشمال في إيطاليا الى طرد المسلمين من البلاد ومنعهم من اقامة شعائرهم، ومنهم من نادى بحظر دخول المسلمين الى إيطاليا من الأساس. وفي بلجيكا أثير جدل حول خطورة دروس الدين الاسلامي، لأن طالبا أشاد في أحد تلك الدروس بالعفة الجنسية، ولم يعترض المدرس على ذلك، فيما اعتبر منه تأييدا لفكرة العفة. وهو ما أثار غضب وزير التعليم الذي اعتبر موقف المدرس <<رجعيا ومتخلفا>>. أما في هولندا فإن خطباء المساجد تعرضوا لحملة ترهيب وابتزاز، وأجبروا على الالتحاق بدورات لتعلم اللغة الهولندية، لكي يلقي بها خطب الجمعة. وفي تلك الأجواء المتحاملة على العرب والمسلمين، نجح في انتخابات بلدية روتردام رجل من غلاة اليمين يعمل استاذا لعلم الاجتماع اسمه ييم فورتان، كان قد أعلن في برنامجه انه يطالب بتعديل الدستور لاستثناء المسلمين من المساواة العادلة امام القانون!

في إحدى خطب الجمعة بروتردام انتقد خطيب المسجد الشذوذ الجنسي واعتبره ضارا بالمجتمع. وبرغم ان الرجل، وهو مهاجر مغربي اسمه خليل مومني، كان يخاطب المسلمين في مكان عبادة خاص بهم، إلا أن كلامه سجل عليه وأقام الدنيا ولم يقعدها. وشكته 50 منظمة لأنه تعدى على <<قيم>> المجتمع. وطالب سياسيون هولنديون بتقييد حرية المساجد في ممارسة النقد. وحين تتابعت حملات تجريح المسلمين وعقائدهم في مختلف العواصم الغربية، وكثفت في كتب وما لا حصر له من المواد الاعلامية، من اوريانا فلاتشي في إيطاليا الى ميشيل هوالباك من فرنسا ومارتن ايميس في انكلترا، وانتهاء بجيري فولويل وبات روبرتسون، وأضرابهما من الكارهين والمتعصبين في الولايات المتحدة، لم يُحدث ذلك صدى يذكر في العالم الاسلامي. ولا أريد أن أقارن بالمصير الذي يلقاه أي كاتب او أكاديمي او إعلامي اذا ما وجه نقدا ولو خفيفا للسياسة وليس العقيدة في اسرائيل. وكيف ان ذلك كفيل بأن ينهي حياته السياسية والثقافية والمهنية، ويضطره للاعتذار، وقد يساق الى القضاء بتهمة معاداة السامية.

جدير بالذكر في هذا الصدد ان الحكومة البريطانية كانت قد وعدت في العام الماضي، وهي تعد قانون الارهاب، بحظر إثارة الكراهية والدعوة لها على أساس ديني، لكن وزير الداخلية ديفيد بلانكيت شطب ذلك البند في آخر لحظة.

(5)

بعد زيارة لإسرائيل هذا الصيف، نشرت الكاتبة البريطانية هيلينا كوبان، المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، سلسلة من المقالات في <<الحياة>> اللندنية، ذكرت في إحداها ما نصه: يحلو للأميركيين الشكوى من التطرف الذي تدعو اليه بعض المدارس الدينية الاسلامية في انحاء العالم، لكن هل دققوا في التعاليم المليئة بالحقد التي تنشرها مدارس اليشيفا والكوليل (الدينية) في اسرائيل والضفة الغربية وخارجها (<<الحياة>> 11/7).

ملاحظة الكاتبة البريطانية مهمة، وتصب في مجرى <<الاستباحة>> الذي نتحدث عنه، وهو ما نجده أيضا في الهند، التي يسيطر عليها اليمين الهندوسي (يمثله حزب بهاراتيا جناتا الحاكم) الذي يكن قادته بغضا للاسلام والمسلمين. هؤلاء الهندوس المتعصبون هدموا المسجد <<البابري>>، أحد أقدم المساجد التاريخية في الهند، في إطار مشروعهم لبسط الهيمنة الهندوسية على أرجاء البلاد. هذه المواقف المعادية للمسلمين تبثها المنظمات الهندوسية بين شبابها، وقد نشرت مجلة <<نيوزويك>> في عدد 24/7/2001 تقريرا عن أنشطة تلك المنظمات، وكيف انها بدأت تبث افكارها في مناهج التعليم بعد تولي اليمين للسلطة، لتعبئة الهنود ضد المسلمين وتأييد استئصالهم. تتجلى تلك الاستباحة في أعلى درجاتها في وسائل الاعلام الأميركية، وهو ما رصده وسجله الاستاذ جاك شاهين (أميركي من أصل عربي) في كتب عدة أحدثها مؤلفه الذي صدر في العام الماضي بعنوان <<العرب الأشرار جدا>>. فضلا عن ذلك فالمراجع الثقافية الأوروبية، والمناهج الدراسية، مسكونة بذات الروح، التي تزدري بالعرب والمسلمين وتقدمهم في صورة سلبية، بدرجات متفاوتة.

حين يطل المرء على المشهد من هذه الزاوية يخلص الى ذات النتيجة، إذ يدرك ان التحريض على العرب والمسلمين والتشهير بهم، أناسا وعقائد، حلال للجميع، وهو قاعدة عندهم. أما اذا عبر البعض عندنا عن مخاصمتهم للغرب او انتقادهم لقيمه، حتى اذا تم ذلك على سبيل الاستثناء، فإنه يغدو مشكلة مدوية، يجرح بسببها المسلمون، ويطالبون بتنقية المناهج من أمثال تلك <<الشوائب>> على الفور، وإلا حلت بهم لعنة الأوصياء وتعرضوا لسخطهم وعقابهم.

إن المرء ليحتار في تحديد الأجدر باللوم، هل هم الذين يتطاولون علينا ويستكبرون، أم اولئك الذين يسكتون على المهانة، ويديرون خدهم الأيسر كلما لطموا على الخد الأيمن؟

 

نقلا عن السفير