مشروع مجلس الأمن بشأن العراق

 

 

 

بقلم :د. محمد صالح المسفر

 

تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية أخيرا إلي مجلس الأمن الدولي بمسودة مشروع قرار في شأن العراق الشقيق، يعبر في جوهره عن عدم رغبة دولة الاستكبار العالمي في وصول لجنة الرصد والتحقق والتفتيش ولجنة الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلي بغداد للعمل علي تجريد العراق من سلاحه، وقد نصت الفقرات العاملة في ذلك المشروع ضمنا علي مطالبة النظام السياسي في بغداد بالإذعان المطلق للشروط الأمريكية والإسرائيلية وإلا فان الحرب لا محالة واقعة. إنها وثيقة حرب وشروط إذعان.

بعد أن اصبح المشروع وثيقة استسلام أمام مجلس الأمن بصورته الرسمية راح حواريو الإدارة اليمينية الأمريكية المتطرفة يؤكدون مواقفهم فهذا كبيرهم بوش الابن يؤكد بأن هدف السياسة الأمريكية بالعراق هو إسقاط النظام السياسي واستبداله بحاكم عسكري أمريكي هو الجنرال تومي فرانكس.

وراح الآخر يجوب بعض عواصم العالم العربي وعواصم أخري ومنها تركيا، وفي تقديري أن هدف زياراته تلك هو شرح سياسته كحاكم عسكري منتظر للعراق كما يشرح خططه العسكرية لمهاجمة العراق واحتلاله، وقد ذكرت الصحف العربية والأجنبية تلك الخطط كما أنه في تقديري قدم طلب العون والمساعدة من تلك الدول التي زارها لتسهيل مهامه فيما سيوكل إليه من قيادته، كلا من مكانه تتضمن المساعدة المطلوبة تسهيلات عسكرية ولوجستية وكبت جماح المواطن العربي ومنع المسيرات والتظاهرات في كل أرجاء الوطن العربي حتي لا يتأثر الرأي العام الأمريكي والأوروبي بمواقف الرأي العام في الوطن العربي. ولكي تستطيع وسائل الإعلام الغربية المناصرة لأمريكا وكذلك وسائل الإعلام الأمريكية إقناع مواطنيها بأن هناك رغبة شعبية ورسمية في العالم العربي في إسقاط النظام القائم في بغداد بدليل عدم وجود رأي عام يعبر عن رفض الغزو الأمريكي للعراق.

في مطلع الأسبوع الحالي وفي أيام اجتماعات مجلس الأمن الذي يحتدم النقاش بين أعضائه الدائمين حول المشروع الأمريكي، خرجت جماهير حاشدة في كل من سان فرانسيسكو وواشنطن ونيويورك وكذلك في مدن ألمانيا الكبري والمدن الأسترالية ومدن أخري في أوروبا تطالب العالم وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية بعدم شن الحرب علي العراق أو تهديده بتغيير نظامه السياسي، إذا الرأي العام في أوروبا ليس بحاجة إلي رأي عام عربي يحرضه ولكن من العيب الشديد والسخرية أن تكون عواصم العرب هادئة من المسيرات والمظاهرات إلا مظاهرات علي استحياء سارت من وراء الأسوار في بعض العواصم العربية.

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في تكثيف تواجدها العسكري في المنطقة فقد أمرت بإبحار حاملتي طائرات أمريكية إلي منطقة الخليج يصاحب كل واحدة منهما ثلاث مدمرات وطرادان وفرقاطة وغواصة هجومية يضاف إلي ذلك أسراب من طائرات الأباشي وغيرها من الطائرات الحربية، بمعني آخر، فإن المواطن في منطقة الخليج ستحجب عنه رؤية الشمس مع مطلع شهر كانون الاول (ديسمبر) هذا العام من كثرة الطائرات الحربية الأمريكية والبريطانية ومن آثار ما ستفعله في العراق كما حدث في مطلع عام 1991م، كما أن مياه الخليج سيحل بها كارثة بيئية وأكثر مما هي فيه حاليا. فإذا تواجد فيه ثلاث حاملات طائرات أمريكية مع مساعداتها التي اتينا علي ذكرها أعلاه واخريان بريطانيتان إلي جانب بواخر وزوارق وطوربيدات حربية وناقلات نفط ترمي بمخلفاتها في مياهه فأي خليج سيصبح صالحا لصيد الأسماك وتحلية المياه التي تعتمد معظم دول مجلس التعاون الخليجي عليها بدرجة تزيد عن 98% من أجل الحياة.

الاستعدادات الأمريكية عسكريا وسياسيا تتتابع والمجتمع الأوروبي ينتابه القلق علي ما سيحدث في الشرق الأوسط خوفا علي مصالحه تارة، وأخري خوفا من كارثة إنسانية سيصعب علاجها علي المدي البعيد.

كل هذا يجري والقادة العرب ما برحوا يتهامسون ماذا سيحدث بعد إسقاط النظام السياسي في بغداد بفعل القوة الأمريكية الباغية. كلهم يعلنون بأصوات عالية بأنهم ضد أي عدوان انفرادي علي العراق ويشترطون قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي، يفهم من ذلك بأنه لا مانع لدي بعضهم من التعاون والتفاعل مع أي قرار أممي يجيز غزو العراق الشقيق.

يا للهول!! لا مانع عند بعض الزعماء العرب من إعلان الحرب العالمية الثالثة بقيادة أمريكا علي الدولة العراقية ـ شقيقة الدول العربية وعضو جامعتها وعضو اتفاقية الدفاع العربي المشترك ـ شرط أن يصدر قرار أممي.

كان الأولي والأجدر بولاة الأمر أن يرفضوا استخدام القوة أو التهديد بها ضد أي دولة عربية طبقا لمبادئ الأمم المتحدة وأهدافها. لقد استوقفني تصريح لوزير خارجية دولة عربية مرموقة أعلن في أكثر من مناسبة وفي وسائل إعلام عربية وعالمية متعددة بلغات مختلفة بأن بلاده وقعت علي ميثاق الأمم المتحدة وأنها ستلتزم بتطبيق وتنفيذ أي قرار يصدر في الشأن العراقي.

عجيب أمر ذلك الوزير العربي الذي مضي عليه في منصبه ما يزيد عن عشرين عاما ولم يستدع من الميثاق إلا تلك المقولة التي فرضها المنطق الأمريكي الأرعن، كم كنت أتمني وغيري أن يقف ـ معاليه، سموه، سعادته ـ أمام عدسات التلفزة العالمية ليقول بدلا من قوله المشار إليه ما يلي إن مبادئ الأمم المتحدة وأهدافها لا تجيز استخدام القوة أو التهديد بها ضد أي دولة كانت، كما أنها تدعو إلي حل النزاعات بالطرق السلمية، وعلي ذلك فإن بلاده لا تقبل ولن تؤيد أي قرار كان يصدر من المنظمة الدولية يخالف تلك الأهداف والمبادئ

بقيت كلمة أخيرة: هل يخرج علينا الزعيم العربي لينادي العالم وحلفاء أمريكا بأن يعطوا النظام السياسي القائم في بغداد فرصة ليثبت حسن نواياه وتوجهاته وخاصة بعد أن جرد من سلاحه، وذلك تماشيا مع ما طالبونا به وهو أن نعطي فرصة لباراك رئيس الحكومة الصهيونية ومن بعده شارون الإرهابي الأكبر.

آخر دعائي: يا رب اهد ولاة أمرنا سبيل الرشاد قبل أن يغرقنا وإياهم الطوفان الرهيب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.