زواج الفِكر والمال

 

 

 

 بقلم : خيري منصور

 

من حق اي مشارك في المؤتمر الاول لمؤسسة الفكر العربي التي تنعقد في القاهرة ان يتساءل عن المعيار او الرؤية التي تم من خلالها اختيار المئات من المدعوين، بدءا من رجال سياسة في اعلى المناصب الرسمية، ورجال مال ومثقفين مختلفي المفاهيم، فمنذ الافتتاح البروتوكولي للمؤتمر، كانت تلوح للمراقب تباشير هذا الزواج بين المال والفكر، وهذا الزواج بحد ذاته قد يلبي هواجس عربية مزمنة، عاش فيها الفكر مهجورا من المال، مثلما عاش المال بمعزل عن الفكر.

فاسهام القطاع الخاص العربي في الثقافة لا يقارن باسهامات امثاله في الغرب، والمسألة تتعلق بتكوينات اجتماعية ووطنية، اكثر من تعلقها بالنوايا، اما السؤال عن الثمرة البكر لهذا الزواج الذي يجري عقده الان بصورة رسمية فهو يتراوح بين الاستنكار والسخرية السوداء، وثمة من يرى ان الطلاق البائن بينونة كبرى يتطلب بقاء المأذون في البيت!! فالوطن العربي خبر تجارب مريرة دخل فيها رأس المال الى الصحافة والثقافة، ولم يتنازل عن شروطه في الربح لان مفهوم الرسالة والقضية اصبح مدرجا في المتحف الفولكلوري.

وقد يكون استباق هذا المشروع الذي يقدم قمة فكرية لا تخلو من شوائب القمم السياسية بمثابة المصادرة، لكن العربي الملدوغ حتى فقدان الثقة بأي شيء لن يعود اليه اليقين لمجرد الوعود.

فالمؤتمر الذي تراوحت اوراق المداخلات فيه بين التوصيف وادانة الراهن العربي بكل ابعاده حلق عاليا، وبعيدا عن البؤر الساخنة والمتفجرة، فلم تسمّ الاشياء باسمائها الا لماما، ولم تظفر المناقشات بنصيب يتيح للمشاركين الخروج من العناوين الكبرى والمجردات الى التفاصيل، وثمة سؤال دار باذهان الكثيرين وهو : هل تبقى لمصطلحات من طراز الفكر العربي، والواقع العربي معنى؟ وهل يمكن الحديث اليوم عن صفة عربية مطلقة، خصوصا بعد ان تحول العرب اعرابا، وتعددت الخنادق حتى تقابلت!

حسب النوايا فان مؤتمرا كهذا يمهد الطريق من اجل تعبيدها، للوصول الى اهداف قومية لا يفسد فيها الاختلاف الاجرائي الائتلاف القومي، لكن ترجمة هذه النوايا تتطلب استعادة الصدقية المفقودة، وردم الهوة المتفاقمة بين الكلمة والفعل، وبين السياسي الفاعل والمثقف المنفعل، واخيرا بين هؤلاء وبين المال الذي طالما ضل طريقه، فتحول من نعمة قومية الى نقمة، ومن امتياز الى عبء.

ان عناوين المؤسسات ومراكز الدراسات التي وضعت في أطر فضفاضة، بقيت هناك على مرتفعاتها، لان الناس عديمي الحول والقوة ليسوا شركاء للسياسي كما انهم خارج المدار المعرفي والفكري، ولابد ان نضيف هنا بلا اية مجاملة ان الغياب الفعلي لقضايا مصيرية وساخنة كالانتفاضة، واعلان الحرب على العراق لا يبرره حضور رمزي، فالصراع الذي تدور حوله الافكار هو الان في ذروته على الحلبة، وليس وشيك الحدوث، وهذا يتطلب اعلان مواجهة لا اعلان مبادىء، لان هذا الاخير محفوظ عن ظهر قلب، لكنه محذوف من كل رأس لفرط التكرار! ومن المشاهد التي بدأت تتكرر على نحو يهدد الجدية في مؤتمرات العرب الثقافية، التلفزة بمعناها الاعلاني المحض، فقد يتحلق عشرة مفكرين حول مذيعة جميلة، وهكذا يتحول الفكر في اروقة الفنادق الرخامية الى حفلة تنكرية، يأخذ فيها الكومبارس دور البطولة، والعكس صحيح ايضا!!