درس من صندوق الانتخابات

 

 

 

بقلم : شعبان عبد الرحمن

 

وقائع الانتخابات البرلمانية التي تشهدها المنطقة الإسلامية منذ أواخر الشهر الماضي وتمتد إلى بدايات الشهر القادم تحدث دوياً غير مسبوق في الساحة السياسية الدولية، فقد جاءت «رياح» نتائجها بغير ما تشتهي الدوائر الغربية وسماسرتها.. ولا نبالغ إذا قلنا بأن نتائجها وضعت على وجوه تلك الدوائر علامات تعجب جعلت أفواههم فاغرة لفترات طويلة.

 

فهذه الانتخابات تجري في أجواء دولية غير طبيعية، بعد أكثر من عام على أحداث الحادي عشر من سبتمبر أي بعد أن بلغت الحملة الدولية على الإسلام والمسلمين مبلغها.

 

وبصرف النظر عن الذين يقفون وراء تفجيرات سبتمبر إلا أن الحقيقة التي لا يماري فيها أحد هي أن تلك الأحداث ولدت حملة دولية شوهت الإسلام ووضعت المسلمين خلف قضبان من الاتهامات بالإرهاب والعنف يصعب عليهم الفكاك منها. ولم يترك المروجون لتلك الحملة ثغرة يمكن تشويه الإسلام من خلالها إلا ولجوها واستنفروا في سبيل ذلك كل أدواتهم وآلاتهم وعملائهم. وليس خافيا أن نذر التخويف والتهديد امتدت إلى أنظمة الحكم في بلاد إسلامية إذا لم تتخذ الإجراءات اللازمة لقهر الإسلاميين وتحجيم الإسلام في الحياة السياسية والاقتصادية والمناهج التعليمية.

 

وهكذا استقرت الأوضاع عند «إسلام» يجري تشويهه ومسلمين مضطهدين وإسلاميين محاصرين خلف قضبان السجون أو خلف قضبان الكبت والمنع والمطاردة.. وشعوب يمارس عليها غسيل العقول والوجدان سعيا لملئها بالوهن والوجل من مجرد الحديث عن الإسلام أو الاقتراب من الإسلاميين.

 

وقد كانت تلك الأجواء فرصة نادرة للأنظمة الدكتاتورية في بلادنا لتشن أعنف حملات الاضطهاد ضد مخالفيها خاصة الإسلاميين متدثرة بالحملة الدولية ضد ما يسمى بالإرهاب.

 

في هذه الأجواء النكدة المفعمة بالأعاصير شهدت باكستان والمغرب والبحرين انتخابات عامة لاختيار أعضاء البرلمان وتشهد تركيا قريبا انتخابات مماثلة، وقد انتظرت الدوائر السياسية الغربية أن تضع نتائج هذه الانتخابات الإسلاميين في مؤخرة القائمة ظنا منها أن الزمن والظرف في غير صالحهم لكن رد الشعوب كان مفاجئا ومفحما في آن واحد.

 

في السابع والعشرين من سبتمبر الماضي انطلقت المفاجأة الأولى من المغرب حيث حقق الإسلاميون (حزب العدالة والتنمية ) فوزا كبيرا في 75% من الدوائر التي ترشحوا فيها. ولم تفلح الحملة الأمنية والإعلامية التي استبقت تلك الانتخابات ورمت فيها الإسلاميين بكل النقائص راسمة لهم صورة مرعبة لدى رجل الشارع وذلك من خلال كم التنظيمات الإرهابية التي سمعنا عن وجودها للمرة الأولى في المغرب.

 

وفي باكستان التي عاشت أجواء مأساوية ودرامية طوال العام الماضي خضعت فيها الدولة للابتزاز والإرهاب الدولي الذي هددها بالزوال والتفكك كما خضعت فيها الحركات الإسلامية للاعتقال والمطاردة ردا على معارضتها إبادة أفغانستان... من هناك جاءت المفاجأة الثانية بتحقيق تحالف الأحزاب الإسلامية المرتبة الثالثة في عدد المقاعد وهي نتائج غير مسبوقة للإسلاميين منذ نشأة باكستان.

 

أما البحرين التي قررت العودة للحياة النيابية بعد غياب دام سبعة وعشرين عاما فقد اثبت الشعب انه مازال محتفظا بحيويته السياسية وأن اكثر من ربع قرن من غياب الممارسة السياسية لم يصبه بالخمول، فشارك بنسبة 53% من الناخبين الذين منحوا ثقتهم للمرشحين الإسلاميين فنجح منهم ستة وبقي عدد آخر في جولة الإعادة وحظوظهم ولو حالفهم النجاح لشكلوا أكثر من ربع المجلس (إجمالي الأعضاء 40 عضوا).

 

مؤشرات تلك النتائج ودلائلها واضحة وهي في التحليل الأخير تمثل رسالة واضحة وقوية مفادها أن الجماهير المسلمة لم تهتز لها شعرة من أجواء الرعب والتخويف والتشويه الدائرة للإسلام والإسلاميين، وان خيار الشعوب المسلمة قد ازداد تشبثا بالإسلام والتفافا حول الإسلاميين، وأن ذكاء تلك الشعوب وقدرتها الفائقة على الفرز والتمييز بين الغث والسمين في الساحة السياسية يؤكد نضجها ووعيها، وكل ذلك يقفز بالمنطقة الإسلامية خطوة مهمة نحو الانعتاق من التبعية والاستعباد.

 

هذه التطورات والمفاجآت الانتخابية أربكت النظام العلماني في تركيا التي تستعد لانتخابات مماثلة في مطلع الشهر القادم، وتؤكد المؤشرات اكتساح الاسلاميين لها، ولذا تسابق المؤسسة العسكرية العلمانية الحاكمة الزمن لإصدار حظر قانوني على مشاركتهم فيها.

 

وبينما تشهد تركيا نسج خيوط هذه المهزلة تخطط أنظمة أخرى لإغلاق الساحة الانتخابية «بالضبة والمفتاح»، بعد أن أعيتها الحيل لفض الجماهير من حول الإسلاميين في بلادها.

 

لكنها لا تدرك أنها تصنع لنفسها مأزقا جديدا يهز شرعيتها ويهدد مستقبلها السياسي.