بقلم :د. أحمد نوفل
nofal_assabeel@yahoo.com
كلما تماشت الأمة وتماهت مع عدوها، كان ذلك
أدل على وهنها وانحطاطها، وكلما تحاشت وتناهت عن مثل هذا، كان عنوان ارتقائها
ونهوضها.
فان ارتقت الى المجابهة والمقاومة لمخططاته
كان أعرق في الدلالة على الحياة والحيوية والفعالية.
نقول هذا، والأمة على شديد علتها، وقديم
وهنها، تستعد لاستقبال شهر رمضان، شهر الانعتاق والحرية والقوة والوحدة والتجديد.
هذا الشهر العظيم المليء بالمعاني المشحون
بالايحاءات والايماءات يحتاج منا الى وعي على أهدافه وروحه، قبل الانهماك في
تفاصيل المطالب اليومية له، وقبل ان تهجم علينا التفاهات برامج معلبة معدة لهذا
الموسم لاستلاب روحنا فيه، واستلاب روحه منا، وغمسنا في حمأة من الفن الهابط لا
تسمن ولا تغني ولا تزرع ولا تبني.
فأولاً هو شهر الله، يعلمنا ان نعظم ما عظم
الله، من تعظيمنا لله، ونطيع بكل طاقتنا باندفاع وحب، لا عن ارغام واكراه، أو مجرد
تعوّد وإلف.
ويعلمنا الشهر الكريم وهذا الموسم العظيم ان
نراقب الله، في سرنا وعلانيتنا، فان الصوم عمل سلبي امتناعي لا يطلع عليه أحد الا
الله، فالصوم يعلم المسلم تعظيم الله ومراقبة الله وتقوى الله وابتغاء مرضاة الله،
وتعظيم شعائر الله، وذلك يعني بالضرورة والتلازم ان ننعتق من ربقة استعمار الشيطان
والاهواء والاعداء. وهذه بذور التحرر في اجنتها الاولى وبدء تخلقها الاول. فما
التحرر السياسي الا نتاج وثمرة التحرر العقدي والفكري والشعوري.
وشهر رمضان، والصوم فيه، الذي هو ركن من
الاركان، يعمق الايمان، ويسقيه ويجذره في قلب المؤمن، وذلك من خلال الممارسة، وأي
فكر او اعتقاد يغذوه عمل وتضحية وبذل يتجذر في نفس صاحبه اكثر. وفي زمن استعلاء
القوة وغطرسة المادة، وفشو قيم حق القوة، ما أشد حاجة الامة الى ايمان يرفرف بها
فوق هذا الطغيان ويقرر قيمة قوة الحق، ويرقى بها الى ذرى من العزة واليقين، مهما
أظلمت الدروب، وادلهمت الخطوب، وتراكمت الكروب، وتتالت الحروب، فالايمان عاصم يوم
لا عاصم من أمر الله الا من رحم، والايمان ملاذ ومعاذ، يوم لا ملجأ من هذا الخطر
ولا مفر، ولا مأوى ولا مستقر، وحتى لا تنهار الروح وتندثر البقية الباقية من قوة
لدى الامة، لابد من الاعتصام بالايمان. ويظن الماديون عندنا وعند عدونا على سواء
أن هذا تعلق بالوهم، وخابوا وخسروا، وما هو والله الا رجاء في الله الذي هو الحق،
والناصر الذي لا يتخلى عن احبابه وأوليائه، ولكنه يبتليهم ليزيد ايمانهم، ويرقى
بيقينهم، ويعلم الصادق الذي ينصره ورسله بالغيب، من الكاذب الذي ينهار وينضم الى
معسكر الاعداء لان ظاهر القوة معهم، وما درى هؤلاء ان القوة لله جميعاً.
فشهر رمضان شهر ترميم وصيانة وتقوية لليقين
وتعزيز للايمان وتثبيت للقلب في وجه الرياح العاتية، والعواصف الشديدة التي تقصد
كسر اشرعتنا لتظل سفننا رواكد على البحر، فأما ان تغرقنا ريحهم، واما ان نكون
تبعاً لهم، وبالايمان يتحقق التوازن، بل والتفوق، وينتهي اختلال الميزان.
وشهر رمضان شهر المنهج الذي تلتقي فيه وعليه
الامة، فهو اي رمضان الزمان الذي اصطفاه الرحمن لينزل فيه القرآن، لينزله من ام
الكتاب في ليلة تعدل الزمان كله، فما الزمان كله، اذا خلا من منهج الله.. من
القرآن؟ ما الانسان اذا لم يستنر قلبه وعقله وروحه بنور الايمان؟ في هذا الشهر
تتعمق صلة الامة بكتاب ربها، تلاوة، وسماعاً في العبادات والتراويح. وهذا المنهج
هو الحبل الذي يوحد الامة ويجمع الشتات، ويلم المتفرق، ويرمم المتكسر والمتمزق.
وفي زمن التيه، وازدحام الدروب بكل الملل
والنحل والمذاهب وضعية وسماوية محرفة، وخرافية وملفقة، ما أحوجها في زمن التيه هذا
الى الاستنارة بنور المنهج، وفي زمن التشتيت والتفتيت ما أحوجها الى التوحد على
المنهج. فشهر رمضان شهر الهدى والوحدة والجماعة، لانه شهر الكتاب العظيم شهر
القرآن: «شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن، هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان»،
«ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين»، «واعتصموا بحبل الله جميعاً
ولا تفرقوا».
الوحدة هي حياة الامة وقوتها وسر بقائها،
واكسير عزتها، ويوم تتفتت الى وحدات صغيرة تبتلع قطعة بعد قطعة بيسر وسهولة، ويكون
التقسيم اكبر عون نقدمه للعدو ليبتلع الامة. ورمضان والصيام وحدة للامة من خلال
اعلاء الروح ووحدة الرؤية والتوجه، ووحدة الفكر والممارسة ووحدة العبادة، والوحدة
وعي وممارسة وما هي شعارات وأماني.
وشهر رمضان شهر «القدْر»، والقيمة العظيمة
للأمة بمنهجها، وما أحوجنا الى هذا المعنى في زمان خف فيه الوزن، وتبخر القدْر،
واضمحلت الثقة بالنفس، وتراجعت القيمة، ورمضان للامة عودة الروح وعودة الوعي وعودة
الوزن وعودة القدْر والقيمة.
ولو تمسكت الامة بالكتاب اعتقاداً وفكراً
وثقافة وسلوكاً وانتماء وولاء، وعادت فيه وأحبت فيه، وحاكمت اليه، ووالت فيه،
والتقت عليه، لعاد لها وزنها الاول وقدرها وهابتها الأمم من بعد استخفاف، وخاف
منها من لا يرهب منها ولا يرقب فيها إلاً ولا ذمة، ولا يرعى لها عهداً ولا
ميثاقاً.
وشهر رمضان شهر التواصل والاحسان والعون
والعطف. ومجتمعنا في أمس احتياج الى مثل هذه اللمسات من الانسانية والتقريب
والتهذيب. والمسلم في هذا الشهر يتحرر من ربقة الشح والامساك، وينعتق من اسار
التعلق بالدنيا والانانيات، ويخف الى الخير، كيف لا ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو
القدوة والمثل والاسوة كان يكون في رمضان أجود بالخير من الريح المرسلة. ومجتمعنا
الذي نزل ثلثه تحت خط الفقر، من ذا يواسيه اذا لم يواس بعضه؟ ومن ذا يرحمه اذا لم
ترحم الاجزاء بعضها؟
فهذا الشهر هو شهر صيانة النسيج الاجتماعي،
وترميم شبكة العلاقات الاجتماعية وكم وكم هي القوى التي تعمل في هذه الشبكة
توهيناً وتمزيقاً واضعافاً وخلخلة تحت دعاوى كثيرة وممارسات سيئة.
وشهر رمضان شهر الارادة، وأعظم به من معنى،
وأعظم بتربية الارادة من هدف وغاية. والصوم كان من اجل معان عظيمة وغايات عالية
وأهداف سامية، في ذروة من أعلى ذراها تربية الارادة. وما أشد حاجة الامة الى مثل
هذا، فما قيمة أماني التحرر واستنقاذ الاوطان، مثلاً، ان لم يكن من وراء الاماني
ارادة عازمة تحولها الى تيار فعلي وواقع عملي؟ فالانسان ارادة والامة ارادة
والجهاد ارادة والبناء والحضارة ارادة. ورمضان والصوم شهر اعلاء هذه الارادة. وذلك
من خلال رياضة النفس على الانتصار على كل عوامل الضعف والانكسار، والارتفاع فوق
الضرورات. ولئن استغنى الانسان عن الضرورات، واستعلى على الحاجات والاساسيات، فانه
عن غيرها وسواها أغنى. وما الارادة الا في مثل هذا الاستغناء والاستعلاء بالايمان.
ومعركة الامعاء والطعام كانت المعركة الاولى التي خاضها الانسان وخسرها، اذ تناول
ابونا آدم من الشجرة التي نهاه الله عنها، فكانت هذه النقطة الضعيفة في بنيان هذا
الانسان محتاجة الى ترميم وتقوية وصيانة سنوية حتى لا ينفذ منها الشيطان كما نفذ
أول مرة.
والارادة القوية لا تسمح لقوة ولا لأحد -سوى
الله بالطبع- ان يستعبدك او يجعلك تفقد الاستقلال والتوجه والمسار.
ومن هنا كان اول انتصار ذاقه المسلمون في أول
مواجهة وقعت مع الكفر، وذلك في رمضان.. في بدر الغزوات.. غزوة بدر.
وما دام هذا الشهر شهر الارادة فهو شهر
الجهاد، فالارادة هي الذخيرة الاولى له، وهي التدريب الاول عليه. وما أتيت الامة
من مدخل اخطر من مدخل ضعف الارادة والتخلي عن الجهاد. فبهذا التخلي بلغت الهجمة على
الامة من التمادي والشراسة ما تبلغ الآن.
والخطورة ان الذين يمارسون علينا ابشع ألوان
الظلم والعدوان، هم الذين يشنون علينا هجمة فكرية ثقافية شرسة تريد اقتلاع فكر
الجهاد من الاذهان، كما اقتلعت الشعوب من الأوطان، وكل من قاوم المستعمر او حمل
فكر مقاومته فهو من الموصومين بالارهاب والمطاردين في كل مكان.
فهذا هو العدوان علينا في أقسى تجلياته وأقصى
انتهاكاته في فلسطين والافغان وكشمير والشيشان، والعراق والسودان، وليبيا ولبنان.
وليس الرد ينعدم وحسب، ولكن التفكير في استجماع الارادة لرفض العدوان مدان. ان
مجرد التفكير في ظل التراخي العربي والاستخذاء العربي بات من المحظورات.. كل ذلك
ليترشح العدوان.
ويأتي رمضان، ليقتلع من الوجدان ومن الاذهان
فكر الضعف ويرفض استقواء الاعداء والرضوخ لهذا الاستقواء، ويوطن الانفس على فكر
المقاومة وثقافة المقاومة.. والصوم بعد ذلك «جنة» من كل عوامل الضعف ومن كل كل
اسباب الانهيار.
ولكن رمضان لا يعمل بطريقة كونية كما تشرق
الشمس كل يوم، ولكنه يعمل ويؤثر بمقدار وعي الناس ونضج الممارسة، واستيعاب الحكم
والدروس الكامنة في هذا الشهر، ومهمة ارباب الكلمة والوعي ان يبصروا الانسان
ويفتحوا الاذهان وينوروا الوجدان، بنور رمضان شهر الارادة والعبادة والجماعة
وشفافية الوجدان. وتقبل الله الطاعات، وكل عام والامة بخير.