العمليات الاستشهادية ودراما الهزيمة والنصر

 

 

بقلم : فرج شلهوب

farajsh_assabeel@yahoo.com

 

قبل ايام، وربما الى شهور قليلة، دأب الاعلام الصهيوني، المعارض لرئيس الحكومة الاسرائيلية او المتعاطف معه، في الحديث عن انتصار اسرائيلي على الانتفاضة، واصبح من المسلم به لدى هذا الاعلام، ان الانتفاضة هزمت، وبالتالي هزم الشعب الفلسطيني، وان جيش الاحتلال جاء على البنية التحتية للارهاب الفلسطيني!! وان بالامكان للمتابع الاسرائيلي، ان يلمس صعود الاصوات الفلسطينية التي تطالب بوقف الانتفاضة، ومحاسبة الذين اوصلوا الواقع الفلسطيني الى هذا المستوى من الانهيار.

 

حتى اولئك الاعلاميين الاسرائيليين، الشانئين لشارون، والمنددين بسياسته العسكرية، لم يسعهم اخيراً، وفي الشهرين الماضيين، الا الاشادة بانجازات الجيش الاسرائيلي، ومدى الصمود الذي عبر عنه المجتمع الاسرائيلي، رغم خسارته ما يتجاوز الستمائة قتيل، وان تصميم وعناد حكومة شارون، استطاع ان يجعل نتائج الانتفاضة، وبالاً على الشعب الفلسطيني، وبالتالي الدعوة لاستثمار الحالة الراهنة، لجر الواقع الفلسطيني، الى عقد تسوية، متدحرجة، تراعي متطلبات «اسرائيل» الأمنية اولاً، ولا تذهب بعيداً، الى حيث اقترحت خطة كلنتون ومقترحات باراك المفرطة.

 

هذه الاجواء سادت وتسيدت، عبر اسابيع، ولم يعد ثمة احد يشكك فيما خلصت اليه من نتائج حتى في الجانب الفلسطيني، ثمة الكثيرين ممن استسلم الى هذا التحليل والتوصيف، ولهذا بدأ يرفع صوته بضرورة الاقرار بالهزيمة والعودة القهقرى لاكتشاف اين الخلل؟! فضلاً عن تزايد اولئك الذين لم تعد المذابح التي ترتكبها حكومة شارون، تثير فيهم أي دافع للقصاص، فاقتصر همهم على عد القتلى، والتنديد بالجريمة والتحسر العاجز الذي لا يذهب الى أي غاية او هدف.

 

كانت هذه قراءة الاسابيع الاخيرة، غير ان بوصلة الاحداث ، بعد عملية خط كريات شمونة -تل ابيب، ثم عملية ارئيل، وقبلهما عملية حماس، قلبت القراءة الاسرائيلية رأساً على عقب، تماماً مثلما قلبت الاحساس الزائف الاسرائيلي بالأمن ايضاً رأساً على عقب، فالفلسطينيون، لم يموتوا، وانتفاضتهم لم تهزم، وقدرتهم على العمل واختراق الحواجز وضرب الاهداف الاسرائيلية، كما يبدو انها نهضت وبصورة تفوقت على كل التوقعات. ومرة اخرى بدأت التحليلات تتكلم ودون مواربة، ان الحديث عن هزيمة للشعب الفلسطيني وانتفاضته لم يكن اكثر من وهم، وان الصراع اكثر تعقيداً من ان تحسمه قدرات الجيش الاسرائيلي، وان دورة الدم مرشحة للاستمرار شهوراً بل وسنوات، وانه لا امكانية للخروج منها الا باجتراح حلول سياسية، تتفوق على كل ما سبق طرحه من اقتراحات بعدما فشل وبامتياز خيار الحل العسكري.

 

ثلاث عمليات فقط، استطاعت، وفي فاصل زمني قصير، ان تعيد التوازن النفسي والمادي لساحة الصراع، وان تضع الحالة الاسرائيلية، برمتها في مربع الحيرة والتوجس والارتباك والحاجة الى اعادة قراءة الامور. وهو ما يعني باختصار، اولاً: ان الوضع الاسرائيلي من الهشاشة بحيث يمكن التأثير فيه، عبر المقاومة ومن خلال مستوى عملياتي منخفض ضمن قياسات القوة الاسرائيلية. وثانياً: ان الارادة الفلسطينية قادرة على التفوق على امكاناتها وامكانات العدو، وانها تحت اقسى الظروف قادرة على الابداع.

 

وثالثا: وهو الاهم، ان خيار المقاومة لم يندحر ولم يهزم، بل هو دون غيره من يضع القضية والشعب على الدرب وفي الموقع الصحيح. وان غياب الاجماع على هذا الخيار، وتكريس الجهد لتنظيمه وتصعيده وتصويبه، هو المشكلة وليس أي شيء آخر.

 

لقد عكس مشهد الشهور والاسابيع الاخيرة، وفي صورة مكثفة، كيف يمكن ان تهبط او تصعد مكانة الشعب والقضية وكيف يمكن ان تبدو صورة الشعب الفلسطيني في عين الاحتلال وطريقة ادائه وتعاطيه؟!

 

الشعب نجح وبامتياز في اجتياح الوعي الجمعي الاسرائيلي وفي كسر كل ما ذهبت اليه القراءات المبشرة بنصر الاحتلال واستسلام الانتفاضة واعاد، في وقت قصير، وباداء متواضع، تشكيل الصورة على الارض، لا امان للاحتلال، وآلته العسكرية لا تحسم الصراع في مواجهة شعب عقد العزم على الاستقلال!!.