moneer_assabeel@yahoo.com
ما يجري في مجلس الأمن من نقاشات حامية حول
المشروع الامريكي الجديد حول عمل المفتشين في العراق، يشكل امتداداً للخلافات التي
ثارت ضد المشروع الامريكي - البريطاني الذي سبقه. فالمشروع الجديد او «المعدل» لم
يحمل في الحقيقة، جديداً ولا تعديلاً، وانما غيّر في بعض عباراته وابقى الجوهر كما
هو ولهذا فان الخلافيات يفترض بها ان تبقى كما هي. وهو ما حصل حتى الآن.
في الواقع، ان المشروع فاضح في توجهه نحو
الحرب والعدوان فكل فقرة فيه يمكن استخدامها عند الممارسة، أي عمل لجان التفتيش،
لتعتبر سبباً لشن الحرب تحت حجة اخفاق العراق بالتزاماته التي ينص عليها القرار.
«اذا ما وافق مجلس الأمن على المشروع الامريكي المعدل وحوّله الى قرار».
اذا كان ثمة بند في المشروع يعطى لجنة
التفتيش «انمرفيك» ووكالة الطاقة الدولية الحق في التحقيق مع اي مسؤول عراقي، او
غير مسؤول، ونقله الى اي مكان خارج العراق تحدده هي، والنيات كما هو معروف معروفة،
الامر الذي يعني ان من الممكن للجنة والوكالة استدعاء القيادة العراقية كلها الى
الخارج للتحقيق معها او استجوابها. وليس فقط من يعتبرون من الباحثين او العلماء او
التقنيين ممن لهم علاقة بانتاج اسلحة الدمار الشامل.
هذا نموذج من فقرة واحدة من فقرات المشروع في
بنوده الاحد عشر وعليها قس كل جملة من اول كلمة الى آخر كلمة فيه. اي اننا امام
مشروع هدفه العدوان تحت غطاء دولي اسمه مجلس الأمن. ولهذا لا تستطيع فرنسا او
روسيا او الصين وبقية الاعضاء من غير دائمي العضوية، الموافقة على المشروع من حيث
المعقولية، او المساعدة على تجنب الحرب. فالذي صاغ هذا المشروع اراد منهم ان
يكونوا شهداء زور لا اكثر ولا أقل. اما من ناحية اخرى فلا تكون امريكا قد قررت
الانفراد في قرار الحرب فحسب وانما ايضاً الانفراد في القرار السياسي كذلك، وهو ما
يفسره اصرارها على عدم البحث عن «حل وسط» بينها وبين فرنسا وروسيا والصين والاعضاء
الآخرين.
فعندما تأتي بمشروع وتقول اما يقبل واما تصبح
هيئة الأمم المتحدة بلا قيمة او أهمية. والمقصود هنا ليست الهيئة بحد ذاتها فقط،
وانما اعضاء مجلس الأمن انفسهم مجتمعين ومنفردين كذلك.
لو كان هذا النهج يتعلق في العراق وحده لكان
من السهل ابتلاعه، او تمريره ولكنه ابعد من ذلك بكثير. وهو ما عبرت عنه
«استراتيجية الأمن القومي الامريكي» التي اعلنها الرئيس جورج دبليو بوش في
20/9/2002. فقد جاء فيها، صراحة ان امريكا بصدد بناء نظام دولي جديد يقوم على اساس
تفوقها العسكري والتكنولوجي الكاسح وانها ستسخدم «الحرب الوقائية» و«الضربة
الاستباقية» لتمنع اية دولة من الاخلال بميزان القوى العسكري الحالي. بل هذا يعني
ان يفرض على كل دولة كبيرها وصغيرها ما تنفقه على التسلح، وما تحدده من موازنة
عسكرية حتى تظل الهوّة متسعة بين قوة امريكا واية قوة اخرى في العالم.
هذا يعني اقامة دكتاتورية عسكرية امريكية على
العالم وهذه يستتبع اقامة دكتاتورية سياسية واقتصادية وثقافية كذلك. ولكن هذه وتلك
يعنيان ان دون تحقيقهما خرط القتاد، وان امريكا ماضية لتتلقى المعارضة والضربات من
كل اتجاه. ومن هنا فان فرنسا وروسيا والصين امام امتحان عسير في مجلس الأمن، ولعل
اخف الضررين افشال المشروع الامريكي اما التراجع فسيكون تشجيعاً لاستراتيجية الامن
القومي الامريكي الجديدة.