دراما في موسكو

 

 

 

بقلم : باتر محمد علي وردم

 

خمسون مقاتلا ومقاتلة شيشانيين أعادوا القضية الشيشانية مرة أخرى إلى دائرة الضوء، وأثبتوا للقيادة العسكرية الروسية أن طموحاتهم في القضاء على المقاومة الشيشانية عن طريق القتل والتدمير ليست إلا أضغاث أحلام.

ربما يكون هناك الكثير مما يمكن النقاش حوله حول البعد الأخلاقي في احتجاز رهائن مدنيين في دار للسينما، والتفاوض على أرواحهم خاصة أنهم جميعا ليسوا صانعي قرار في روسيا الاتحادية، ولكن المشكلة أن الحديث عن الأخلاقيات لم يظهر أبدا عندما بقيت القوات الروسية تجتاح الأراضي الشيشانية وترتكب الجريمة تلو الأخرى تحت موافقة المجتمع الدولي الذي حول قضية الشعب الشيشاني التي يبلغ عمرها أكثر من 200 عام إلى قضية مقاومة للإرهاب لا أكثر ولا أقل.

في هذا الصدد أيضا نستغرب كثيرا بعض التعليقات والكتابات في الإعلام العربي والتي اتهمت الشيشان بتنفيذ مخططات أميركية للضغط على روسيا بسبب موقفها المضاد للحرب في العراق. هذا الرأي ينطلق من ثلاث فرضيات كلها خاطئة. الفرضية الأولى هي عقلية المؤامرة والتي تقول أن كل حدث في هذا العالم لا بد أن يكون خلفه دور أميركي. والفرضية الخاطئة الثانية هي مركزية القضايا العربية مثل القضية الفلسطينية والعراقية على العالم وهذا غير صحيح لأن الثورة الشيشانية على المحتل الروسي انطلقت قبل 200 سنة وهي منفصلة تماما عن المعادلات السياسية للقضية العراقية ولا يجوز أن يعتقد بعض المفكرين والسياسيين العرب أن المنطقة العربية هي مركز العالم. أما الفرضية الثالثة الخاطئة فهي حول التوقيت ويجب أن يعلم الجميع أن للشيشان الحق في المواجهة مع روسيا في أي مكان وزمان يريدونه ويختارونه طالما أنهم لا يزالون يتعرضون للقمع والاحتلال وليسوا ملزمين بدراسة التبعات السياسية لتحركاتهم على قضايا أخرى في العالم وإلا لما قام أي شعب يعاني من الاحتلال بمقاومة القوى المحتلة له.

من الناحية الأخلاقية فإن الجميع يأمل بحل سلمي للمسألة يجنب المدنيين دفع الثمن، ولكن المعادلة صعبة ومطالب المقاتلين الشيشان صعبة التحقيق من الناحية السياسية، ومن ناحية أخرى فإن الشيشان أثبتوا دائما عنادا وصلابة تجعل من تنفيذهم للتهديد بنسف المبنى أكثر من مجرد مناورة تفاوضية بل خيار أقرب جدا إلى التحقق.

الدرس الذي ترفض كل القوى الطاغية في العالم أن تفهمه، ومنها روسيا بالإضافة إلى إسرائيل والولايات المتحدة أن التعامل العسكري والعنيف مع تيارات المقاومة والنضال والتحرر لا يمكن أن يحقق نصرا نهائيا. وإذا كان العالم قد صفق لدولة تيمور الشرقية ذات الأغلبية المسيحية التي انسلخت عن إندونيسيا نتيجة لضغوط سياسية غربية وبدون أن يكون هناك تاريخ من الاحتلال لهذه المنطقة، فإن العالم هذا يتجاهل كل حركات التحرر للمناطق الإسلامية ذات الخصائص التاريخية في المقاومة وخاصة في فلسطين والشيشان حيث لا يمكن تزوير التاريخ. وكل هذا الظلم الذي يتعرض له أي شعب تحت الاحتلال الأجنبي لا بد وأن ينتج أساليب في المقاومة تهدف إلى التأكيد على بقاء روح الرفض متقدة، وحتى وأن كان الضحايا في كثير من الحالات مدنيين عاديين ليسوا معنيين مباشرة بسياسات حكوماتهم الاحتلالية.

خمسون مقاتلا ومقاتلة شيشانيين نفذوا هذه العملية وهم شبه متأكدين أنهم لن يخرجوا منها أحياء، مستمدين صمودهم من مئات الآلاف من الضحايا الشيشانيين الذين سقطوا على ايدي الجيش الروسي القيصري والشيوعي والرأسمالي ومن تاريخ لشعب رفض دائما الخنوع للمحتل. وفي الوقت نفسه فإن مئات الرهائن والآلاف من أفراد أسرهم ومنهم الأطفال والنساء يواجهون أصعب أوقات حياتهم والمتسبب الرئيسي في ذلك هو الرغبة الروسية في استمرار احتلالها لجمهورية الشيشان.

من الصعب أن تنتهي هذه الدراما بشكل سلمي بكل أسف، ولكن الجهة التي يجب أن تدفع الثمن حقيقية هي المؤسسة الروسية الحاكمة سواء كانت المدنية أو العسكرية كما أن المجتمع الدولي كله بدءا من مجلس الأمن يتحمل اللوم الأكبر نتيجة لحالة اللامبالاة تجاه معاناة وحقوق الشعب الشيشاني.