بقلم : صفا ناجي
في حديقة الزهور أمام البيت الأبيض، يقف
الرئيس الاميركي بشكل شبه يومي مسوقا <<رؤيته>> لحل ما، سواء ما يتعلق
بالعراق ومستقبله السياسي او مستقبل الحكم وكيفية إدارته، او ما اتفق على تسميته
<<أزمة الشرق الأوسط>>، وشروط تشكيل الدولة الفلسطينية،
ب<<تغيير القيادة الفاسدة>> والإتيان بقيادة جديدة تعمل على <<مكافحة
الارهاب>>؟.
وبمعزل عن توصيفات الرئيس الأميركي سواء
للرئيس العراقي أو للقيادة الفلسطينية، فإن ما يجب التوقف عنده وربما تأمله طويلا
هو هذا النوع من التطور الخطير في العلاقات الدولية ومدى انعكاسه على الدول
والشعوب ومستقبلها السياسي، سواء لجهة مصادرة إرادتها والتدخل في كيفية إنتاج قياداتها
وأنظمتها، بما يشكل سابقة تعد خطير على حق الشعوب في اختيار قادتها خلافا للقانون
الدولي وحقوق الانسان ومبدأ السيادة عندما يتجرأ رئيس دولة بالاعلان من على باب
مكتبه ومنابر اخرى انه سيزيل هذا الرئيس او ذاك، ويحدد لشعب ما كيفية حكم ذاته او
إنتاج قيادته او شكل النظام الذي يجب عليه تبنيه.
ويبدو ان نزعة هيمنة القطب الواحد أصابت
الرئيس الأميركي بالدوار، فأسقط أسس وقواعد العلاقات الدولية وسيادة الدول وحقوق
الشعوب في تقرير مصيرها واختيار قادتها، وقد بلغ به الأمر حد الخلط بين القانون
الدولي والقانون الداخلي الأميركي، بحيث بات يتصرف بالشؤون الدولية وكأنها مسألة
داخلية، وذهب به الأمر الى حد التدخل في التنظيم القضائي الداخلي وتحديد كيفية
إنشاء هذه النظم!، ولم ينقصه سوى إعلان اسم المدعي العام وكيف ومن سيحاكم، وما هي
العقوبة.
انها <<مكارثية>> جديدة تطال
شعوبا بأسرها هذه المرة، ولا تقتصر تعبيراتها على المناخات الداخلية للولايات
المتحدة.
ويبدو ان الرئيس بوش متأثر جدا بالسيناريوهات
الهوليوودية وأفلام الوسترن، ولذا اتخذ لنفسه صفة أستاذ يجري اختبارات الذكاء ال I.Q. لرؤساء الدول لا سيما
<<الشرق أوسطية>> ليمنحهم على أساسها بركة تأييده ورضاه تأمينا
لاستمرار قيادتهم لشعوبهم والا...
لنتأمل سوية سيناريو ال I.Q. وما هي مواده؟. بادئ
الأمر يجب إجراء فحوصات عامة قد تطول او تقصر وفقا للرئيس الممتحن وخصوصية بلده
أهي نفطية أم زراعية، بدائية أو غنية، مؤمنة أم ليبرالية، لاكتشاف مدى قدرته على
الالتزام والتنفيذ.
بعد قراءة نتائج الفحص والتأكد من وجود إرادة
صادقة في مقاومة الارهاب، والتزام مبادئ العولمة، والنيوليبرالية، واقتصاد السوق،
وعدم معاداة السامية، وعدم وجود أي (حساسية) تجاه اسرائيل واللوبي الصهيوني، يبدأ
دور (الاستاذ) بوش فيقرر استقبال الممتحن، يعاونه في هذه المهمة كونسولتيوم من
المساعدين، على رأسهم ديك تشيني، ودونالد رامسفيلد، وكونداليسا رايس، وكولن باول،
واذا اقتضى الأمر جورج تينت.
ويبدأ الامتحان بالاسئلة الآتية:
1 ما مدى استعدادك لموت شعبك في سبيل استمرار
تدفق النفط للولايات المتحدة بأسعار نحددها نحن. وما مدى استعدادك لمقاومة الارهاب
كما تراه الادارة الاميركية؟
2 ما مدى استعدادك لتأمين أمن وسلامة
اسرائيل، وتطبيع العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والسياحية
معها؟.
3 ما مدى تأييدك لاستمرار تفوق اسرائيل
العسكري والاستراتيجي، واستعدادك للتعاون معها ضد الارهاب الفلسطيني؟.
4 ما مدى استعدادك للتنازل عن حقوق
الفلسطينيين وقبول أي حل حتى ولو كان دولة مؤقتة لن تبصر النور؟.
5 ما مدى استعدادك للقبول ببقاء اللاجئين
الفلسطينيين حيث هم حفاظا على أمن اسرائيل، وضمان الحفاظ على الطابع اليهودي
للدولة العبرية؟.
6 ما موقفك في حال اضطرت اسرائيل لتهجير بعض
الفلسطينيين حفاظا على التوازن السكاني، وهل ستدعم بالخيم والبطانيات المخيمات
الجديدة التي قد نضطر لإنشائها؟.
7 ما مدى استعدادك للقتال الى جانب تحالفنا
ضد الرئيس العراقي صدام حسين ولو أدى ذلك الى موت نصف الشعب العراقي جوعا او
باليورانيوم المنضب واذا اقتضى الأمر بالقنابل الذرية الصغيرة؟.
8 ما مدى استعدادك لتقبل تقسيم العراق الى
دويلات، كي لا تشكل مستقبلا أي تهديد لأمن اسرائيل؟.
9 ما مدى استعدادك لشراء السلاح الأميركي
لدعم صناعاتنا الحربية، شرط عدم استعمال هذا السلاح وإن تآكله الصدأ الا ضد
(المتمردين والارهابيين) من شعبكم؟.
10 ما مدى استعدادك لعدم سحب ودائعكم من
المصارف الأميركية تحت أي ظرف، حتى لو دمر العراق او أبيد الفلسطينيون، او جاع
شعبكم، او احتجتموها للتنمية؟.
11 ما هو موقفك اذا ما قسم السودان وتم إنشاء
دولة صغيرة لسكان الجنوب؟.
أسئلة كثيرة غيرها يمكن ان تطرح استنسابيا
حسب موقع الرئيس الممتحن وقدراته وإمكاناته لتلبية المطالب، وربما تطرح أسئلة اخرى
حسب اجتهاد اللجنة الفاحصة اذا ما وجدت ان بعض الأسئلة قد غابت عن ذهن الرئيس،
بعدها يعطى الممتحن فرصة يوم أو يومين لصدور النتيجة يلتقي خلالها بالصحافة او
بأعضاء الكونغرس او أحدهم حسب الأهمية.
أما صدور النتيجة فيعلن عنه بعدد المرات التي
يربت فيها الرئيس الأميركي على ظهر الممتحن، مرة واحدة تعني مقبولا ومرتين تعني
جيدا وثلاث مرات تعني جيدا جدا ومن ثم الوقوف أمام مندوبي التلفزة في حديقة البيت
الأبيض والمشاورة للصحافيين وعدسات المصورين إيذانا بصدور النتيجة وفوز الممتحن
الذي يعود الى ربوع بلاده (سالما غانما) محاطا بجوقة المطبلين والمزمرين من صحافيي
السلطان يشيدون بالنتائج الباهرة للزيارة و<<الانجازات>> التي
تحققت..!