بقلم :عصام سعد
تعاني الديموقراطية، كعملية متصلة ومضنية
ومتعرجة على كل المستويات، من انتكاسه جديدة، في الحرب على الارهاب واستهداف
العراق، على قاعدة التفاوت والتخلف في النهل منها وتبنيها الكلي. وهذه فرنسا قد
جاءت متأخرة، في إلغاء عقوبة الاعدام سنة 1981 عن الدول الاسكندنافية، وها هي
اليوم قد ثبتت ومتنّت وضعها الديموقراطي في إسقاط التيار العنصري (الجبهة الوطنية
بقيادة لوبن). وهي تؤيد تسوية عادلة لقضية الشرق الأوسط، وتعاند الحرب على العراق
ودمجها في سياق الحرب على الارهاب، وتؤكد على دور الأمم المتحدة كمرجعية للشرعية
الدولية، وتنتقد ليس فقط الانفرادية الاميركية، بل تعارض جملة التصنيفات المختلفة
والترسيمات المستحدثة، الآيلة الى صوغ منظومة مختلفة من القيم، قوامها صلاحية
استعلائية لتغيير النظم وانتهاك القوانين، والتعرض للسيادة في ظروف الانحياز
الأميركي وأهدافه غير السوية، والاسقاطات التجاوزية على معاهدات التعاقد الانساني
وشرعة حقوق الانسان وميثاق الأمم المتحدة.
إن الطفرة السلبية في العقلية الأميركية تعود
لهاجس الأمن، وهي ردات فعل طبيعية اذا ما أقرنت بالقيم الديموقراطية، في حال عدم
استصدار قوانين تحد منها وتعيد العمل بقوانين الطوارئ والأحكام العرفية والتمييز
العنصري.
ان العناد الأميركي تجاه اوروبا يمثل خروجا
على الديموقراطية باعتماد أساليب الترهيب والترغيب، وهي في مسيرتها نحو الوحدة
النهائية. هل يعود ذلك الى الفارق بين التجربتين الأميركية والأوروبية، حيث الأولى
لا تملك تاريخا للاستعمار القديم، (من دون نسيان قيامها (الولايات المتحدة) على
جثة الهنود الحمر السكان الأصليين للقارة الأميركية)، ولم تدخل الحروب الى اراضيها
بعد الحرب الأهلية وحرب الاسبان، ولم تشهد تجربة الانقلابات، دون اغفال دورها
الدموي في الانقلابات في الخارج... الخ.
أما اوروبا، وبعد الحربين العالميتين الاولى
والثانية، فقد استقرت على نوع من الرفض للحروب او المشاركة فيها، مع التنبه لدور
الاستعمار الاوروبي في افريقيا والعديد من التدخلات حاليا في سياق محاولات السيطرة
على القارة البكر بين فرنسا وأميركا.
لا يمكن طمس المعضلات الكثيرة التي تعانيها
الدول المتخلفة والنامية، لكن في هذه الحرب العالمية الثالثة، تبدو الفروقات
الهامة في مواقف اوروبا وأميركا من الحرب على الارهاب والديموقراطية الغربية.
فأوروبا تغلب القيم على حالة السعار التي تمارسها الادارة الأميركية بقيادة بوش
لتحالف الكنيسة المعمدانية واللوبي الصهيوني وكارتيل النفط والسلاح، من اجل إحكام
السيطرة على العالم.
فما زال الأمن الضامن للمصالح هو المحرك
الأساس للسياسة الأميركية. وليست اوروبا خارج هذه المعادلة، إلا أنها وتبعا
لمصالحها المعبر عنها في نوع من التبادلية المقبولة، وسعيها لتقديم المساعدات
والإعانات، تحاول تقديم المصالح وربطها بالقيم، معتبرة أنها قاعدة تأمين الأمن
والهدوء.
إن التوحد الاوروبي في القيم والمصالح، برغم
التباين في السياسة الخارجية، يشير الى عمق التجربة الانسانية المشتركة، في التوق
الى التطور وتوسيع الخصوصية (الدولة الأمة) الى عمومية أكبر في انجاز هوية ما فوق
قومية (دولة الولايات الأمم)، مما أضاف الى الموقف الاوروبي ميلا الى الحذر من
تبني الحروب طلبا للمصالح، والتخوف من العودة الى سياسة الامبراطوريات، وهول
الحروب الكونية، وذلك بخلاف اميركا التي تنحدر الى مهاوي التوجه الامبراطوري
للدولة السلطوية. لكن قد يكون في وسع التجربة الاوروبية، ان تساعد تشذيب هذا
التوجه الأميركي. وها هي جماهير اوروبا، ونسبيا اميركا، المعادية للحرب، تطالب بحل
عادل للقضية الفلسطينية. وهذه المظاهرات الحاشدة المرتكزة الى معارضات سياسية
ونيابية، والممهورة بتأييد العديد من الكتاب والأدباء والاعلاميين، سوف تلعب دورها
في إعادة الرشد الى السياسة الأميركية المتطرفة، وإلا فإن العالم سيدفع الثمن.
???
إن مهمة تغيير الأنظمة لم تبدأ في افغانستان
ولاحقا في فلسطين والعراق وغيرهما، بل بدأت في اميركا اللاتينية لاعتبارها المجال
الحيوي الجيوستراتيجي للولايات المتحدة وأمنها القومي، كما أن القضاء على اية
معارضة، والهيمنة على النفط وتسعيره وعلى أماكن الاحتياط، ومحاولة استئصال كل
المرجعيات والمؤسسات الاصولية، والسلفية في مهمة الغاء الخصوصيات من ثقافات محلية
وشعبية وحتى قومية، تمثل المنحى الأخطر في سياسة الانفرادية الامبراطورية. وتطويع
القانون الدولي الذي يمثل قمة الهيمنة الامبراطورية والمرتكز الى فلسفة المبادرات
الآحادية، يشير الى أن مرحلة النظام العالمي الجديد الأمركة، لا تني تتسع على حساب
العولمة المتجاوزة للمركزية والدولة السلطوية.