قدّمت روسيا 118 قتيلاً من أجل أن تستعيد
هيبتها كقوة عظمى، لكنها استعادت صورتها كقوة بوليسية عظيمة، لا يمكن اختبارها،
ولا يمكن الرهان على تساهلها أو ترددها مع عملية إرهابية مدوية.
ولعل روسيا التي اختارت أن تنهي بشكل مسرحي
خاطف وقاسٍ، عملية المسرح المخطوف، أرادت قبل كل شيء أن تعدّل نظرة العالم إليها
باعتبارها إمبراطورية متهالكة، تعيش على ذكرياتها الغابرة، من دون أن تجد مجالاً
للمصالحة معها.
لا شك في أن العملية استهدفت ترك الانطباع
والأثر لدى الروس أنفسهم بأنهم في دولة قوية، تختلف عن تلك التي شاعت أخبار مافياتها
وفضائحها في الآونة الأخيرة، وباتت معدلات الجريمة فيها تضاهي تلك المسجلة في
الولايات المتحدة نفسها.
والمؤكد أن الدولة الروسية باتت اليوم بعد
عملية المسرح المخطوف أكثر مهابة من أي وقت مضى منذ العهد السوفياتي، في أعين
الروس أولاً ثم في أعين العالم كله، بغض النظر عمّا إذا كانت تلك الهيبة يمكن أن
تعيد إنتاج أمجاد الماضي.. التي صنعتها القبضة القوية، لكن سبقتها الفكرة القوية،
بل المثالية أيضاً.
النصر على خاطفي المسرح، سيزيد على الأرجح من
شعبية الرئيس فلاديمير بوتين ومشروعه وفريقه العسكري الذي يطمح إلى إقامة حكم
حديدي جديد في روسيا، يخلف حقبة الفوضى والضياع، ويبدد المرحلة الضبابية التي
سادتها منذ مطلع التسعينيات وحتى اليوم.
الثمن باهض، على المستويين الروسي والشيشاني:
في العلن، لن يقدم أحد في العالم كله على انتقاد سلوك بوتين وأجهزته الأمنية، برغم
فضيحة استخدام سلاح كيميائي محرّم، مثل أي من أسلحة الدمار الشامل.. مثلما لن
يكترث أحد لكون المأساة الشيشانية المستمرة منذ سنوات لم تقترب من نهايتها السعيدة
المفترضة.
لكن في الحالتين، لن يكون من السهل استيعاب
الدراما التي شهدها المسرح الروسي نهاية الأسبوع الماضي، لأن فكرة الدولة
البوليسية الناجحة، ليست نموذجاً صالحاً يمكن البناء عليه، لاستعادة روسيا مكانتها
على المسرح الدولي، أو على الأقل للتخلص من وصمة العار الشيشانية، التي لم يعد
الروس أنفسهم يحتملون وقائعها المشينة لهم ولتاريخهم العريق!
ما استردته روسيا من سمعتها وصورتها يوم
السبت الماضي، يمكن أن يضيع في أي لحظة، ومع أول عملية إرهابية شيشانية جديدة، إذا
لم تتصرف روسيا ازاء قضية الشيشان، كدولة كبرى تتمتع بعقل سياسي راجح، يفوق جنوح
أجهزتها الأمنية إلى الاستعراضات المسرحية المثيرة.