حدث الوزاني وإحالاته إلي فلسطين والعراق لدي النظام العربي الراهن

 

 

 

بقلم : معن البياري

 

أكثر من سبب للغبطة والبهجة يبعثهما حدث إنجاز لبنان جر كمية من مياهه من نبع الوزاني، في نفوسنا، نحن المعفرين بالهزائم وبالإحساس الشنيع لدي كثيرين منا بأن هذه الهزائم التي لا يراد لها أن تتوقف هي من حقائق القضاء والقدر. ومن الأسباب أنه صار في وسع أهالي قري في الجنوب اللبناني أن يفيدوا من بعض حقوقهم في هذه المياه، بعد سنوات طوال من النهب الإسرائيلي لها. كما يؤكد هذا الحدث الاستثنائي في الفضاء العربي الكئيب مضي لبنان، بشعبه وحكومته وقوي المقاومة فيه، في استكمال تحرير أرضه وانتزاع حقوقه والدفاع عن سيادته، من دون استسلام للتخويف الذي ترمي إليه التهديدات الإسرائيلية المتواصلة وضغوط الابتزاز الأمريكية إياها. وإلي الدروس غير القليلة في هذا المنجز، والتي من الميسور الحديث عنها، يجد المتأمل في تضاعيفه حذاقة سياسية ودبلوماسية، وترميزية بالغة الأهمية، وفي البال أن بيروت في غضون هذا كله كفت، إلي حد ما، عن تصدير الأنباء بشأن مكايدات السياسيين فيها، في الحكم نفسه، وفي المعارضة، وبين الطرفين طبعا.

أما وأن قيادة حزب الله، ممثلة بالشيخ حسن نصر الله، استبقت حدث تدشين ضخ مياه الوزاني بإعلانها عن تعيين مواقع العدو الإسرائيلي قيد الاستهداف إذا ضرب هذا الإنجاز، فإنها في ذلك أنعشت الروح العربية بعض الشيء، والتي يشتد فيها العطن منذ سنتين علي الأقل. ودللت علي أن في مقدور طرف عربي أن يتوعد إسرائيل، فلا تطمئن هذه دائما إلي انفرادها واستئثارها بإطلاق الوعيد تلو الآخر طالما أن حال الإرادة الرسمية العربية علي عجزه وهوانه الشهيرين. ويجدر عدم التقليل من هذا الأمر علي الصعيد النفسي العربي العام، تماما كما في وضع السلطات اللبنانية عند منصة الاحتفال بتدشين ضخ المياه في السادس عشر من الشهر الحالي ما تبقي من آلات ومعدات استخدمت في محاولة لبنان الأولي قبل اثنين وثلاثين عاما تنفيذ المشروع، حولها جيش إسرائيل إلي ركام حين استهدفها في عدوان شهير، ما جعل السلطات اللبنانية حينئذ تستنكف عن المضي في نيل حق شعبها من مياهه. ومبعث الإعجاب هنا في تظهير المعدات والآليات الخربة أن الحكم والمقاومة في لبنان لا يتناسيان التهديد الإسرائيلي الجديد، ويبعثان رسالة، ربما إلي العرب قبل إسرائيل، أن الخوف لا مطرح له الآن في لبنان، كما كان في 1965.

ليس ثمة اكتفاء بالشعاراتية، ولا استسلاما لمقولة الواقعية في حدث الوزاني ، ذلك أن في الحدث تجل جديد، في لبنان، لإمكانية التعاطي مع الدبلوماسية والسياسة بمهارة، فقد سلمت الحكومة اللبنانية تقارير إلي دول عدة في العالم في شأن مياه الوزاني تضمنت ما نصت عليه الوثائق والاتفاقات الدولية والإقليمية، وما في ضخ هذه المياه من استناد إلي الشرعية الدولية ومواثيق الأمم المتحدة. ومن هذا المدخل، جاء الرفض اللبناني لمطلب واشنطن تأجيل ضخ المياه إلي حين التفاهم مع تل أبيب، وعدم الاحتفال به، مبعثا للتثنية والإشادة والاعتزاز، لا سيما وأنه يأتي في وقت تعد مرضاة الولايات المتحدة من أهم ثوابت العمل السياسي الرسمي العربي.

أيقظ لبنان حين مضي في مشروعه المائي هذا، وبعد أكثر من عامين علي تحرير الجنوب، أسئلة في الحال العربي الراهن غير هينة الأثر عما يمكن أن يصير عليه هذا الحال فيما لو أجاب النظام العربي عنها من دون مداورة أو استخدام سخيف للواقعية المقيتة، وهي تتعلق أولا بالممكنات التي لدي العرب إذا ما قرر أي منهم استنهاض إرادتهم باتجاه نفض الخوف والتذلل والتوسل عنها، وغير ذلك مما ليس قدرا مقضيا. وفي هذا الأمر كثير مما قد يتصل بالمناخ النفسي العربي المعلوم التفاصيل.

وإذ يستثر حدث الوزاني الحاجة إلي الوقوف مجددا علي الممكنات العربية المأمول توظيفها، والغائبة عن الاستثمار في مواجهة حقائق الاستعداء الإسرائيلي للعرب والاستضعاف الأمريكي لهم، فإن أقصي الممكنات الراهنة لدي النظام الرسمي العربي، وتحديدا بشأن الاستفراد الإسرائيلي بالفلسطينيين في أراضيهم المحتلة والتهديد الأمريكي للعراق بعدوان واسع، تتبدي ـ مثلا ـ في ما انتهت إليه مباحثات الرئيسين المصري حسني مبارك والسوري بشار الأسد مطلع الشهر الحالي. فقد أفاد البيان الختامي لها أن القاهرة ودمشق تؤكدان علي ضرورة التزام إسرائيل بوجوب احترام تعهداتها، وحملها علي تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي من دون ازدواجية في المعايير، وتطالبان هذا المجلس أن يقوم بالتزاماته في هذا الشأن. وفي الموضوع العراقي يدعو البيان إلي استنفاد كل الوسائل للتعامل مع الموقف بالوسائل السلمية وتجنيب المنطقة الأهوال، ومتابعة الجهود المبذولة للتوصل إلي مخرج من الموقف المتأزم،... والإسراع في عمليات التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، بتفويض من مجلس الأمن. والبادي في هذين المطلبين أن البلدين العربيين، علي ما يفترض لكل منهما من حجم إقليمي، لا يملكان غير خيار التعويل علي مجلس الأمن والرهان علي الدبلوماسية الدولية، لإيقاف الوحشية الإسرائيلية علي الشعب الفلسطيني، ولإبعاد الحرب المتوقعة علي جيش وشعب ونظام العراق.

ولما كان أمر التعامل السوري والمصري مع هذين التحديين علي هذا النحو، يصير دالا علي الراهن العربي كله قول ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسي آل خليفة قبل أيام أن الأطراف العربية لا تملك القدرة حاليا علي منع الحرب أو فرض السلام، ولا بد أن يمتلك العرب شجاعة الاعتراف بحقيقة الموقف، أيا كانت، ليمكن البناء عليها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتقتضي الأمانة، حسب الملك، القول أن الموقف العربي في غاية الصعوبة، و علينا ألا نخدع النفس أو العراق أو الشعب الفلسطيني بالذات، في ما يتعلق بالقدرات العربية المشتركة علي مساندتهما أو دفع الأذي عنهما . وعلي هذه الدرجة من الوضوح، كان من جديد وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني قوله، قبل أيام أيضا، أنه لا يمكن كبح جماح الانهيار الراهن في الأوضاع العربية السيئة والتي تزداد سوءا . وفي البال أن الوزير نفسه كان قد أعلن أن العرب لن يكون لهم حول ولا قوة إذا ما وقع العدوان علي العراق.

هما مصر وسورية صاحبتا الوزن والفاعلية المفترضة، إذن، لا تعلنان غير ما تعلنه قطر والبحرين أيضا، وإن بدا أن صياغة القاهرة ودمشق لموقفيهما تبدو إيحائية، ولا يراد لها أن تكشف المكشوف، علي الرغم من أن المنامة والدوحة تصرحان بمثل ذينك المطلبين اللذين شدد عليهما البيان المصري السوري : تحمل مجلس الأمن مسؤولياته بشأن إسرائيل، واستنفاد كل الوسائل السلمية بشأن العراق. ما يكشف مجددا، عند النظر في بانوراما المشهد الرسمي العربي، أن قصور الفاعلية وعدم التأثير في المعطيات الدولية... والإقليمية العربية والشرق أوسطية لا يقتصر أبدا علي بلد عربي دون آخر. وأن لبنان في تنفيذه مشروعه ضخ كميات من حقوقه في مياه نبع الوزاني، وحده الذي يستخف بالوسائل التي تتوخي التفاهم مع إسرائيل، ووحده الذي يراهن علي قدرته علي تحمل تبعات قراره الذي لم يهادن فيه الولايات المتحدة، ولم يرتهن للهراوة الإسرائيلية. ولم يبد انتحاريا كما قد يكون تبادر إلي ظنون بعضهم.

مهم ألا يصاب المواطن العربي مجددا بما هو مألوف من خيبات أمله، فيروح إلي مؤاخذة هذه الحكومة العربية دون تلك. ذلك أن تغليب المصالح القطرية علي المبادئ القومية والعامة، (وهذا ليس مستنكرا دائما)، وكذلك عمل كل دولة عربية علي تجنيبها أي سوء أو أذي أو غضب أمريكي أو غيره، هما ما يتحرك العمل الرسمي العربي في إطارهما، في ما يتعلق بالموضوعين الفلسطيني والعراقي، المفتوحين علي نذر واحتمالات لا حدود لها، أغلب الظن أن من نواتجها المرتقبة سيكون اكتشافنا مجددا هول العجز العربي المفضوح، حين يكتفي بانتظار شيء من مجلس الأمن فقط لا غير.

وإذا كان حال التعامل العربي مع التحدي الإسرائيلي في الملف الفلسطيني قد انكشف طوال السنتين الماضيين علي الأقل، وإذا كانت السطور السابقة قد مالت إلي مماثلته مع ما يمكن أن يكون عليه حال هذا التعامل مع الملف العراقي حين العدوان الأمريكي غير المستبعد، فذلك أخذا بقاعدة فقهاء الشرع القدامي قياس الغائب علي الشاهد ، لاستكشاف ما قد تقوم به الحكومات العربية فيما لو ارتكبت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، وهو الأكثر خطرا علي أمن العالم، حسب وصف صحيفة فرنسية له، حرب التدمير التي تشتهي شنها علي العراق، وهي الغائب حتي الآن. ولما كان العدوان الإسرائيلي اليومي ضد الشعب الفلسطيني وسلطته ومرافقه مستمرا منذ نحو عامين، فإنه الشاهد الذي صار التعامل العربي معه معلوما، وبذلك يجوز القياس عليه لاستنباط ما قد يكون عليه هذا التعامل، في حال بدأ واشتد ذلك العدوان الآخر.

نعم، هناك النصرة العربية الواسعة لشعب فلسطين، تمثلت بالمساعدات والتبرعات ومعونات الإغاثة من مؤسسات أهلية ورسمية عديدة. كما تظاهرت قطاعات عريضة من الشعوب العربية ضد صمت الحكومات وعجزها، وضد الاستكبار الأمريكي والجور الإسرائيلي. وبادر أهل المسؤولية والقرار إلي عقد الاجتماعات الدورية والطارئة علي مستويات عدة، وأصدروا بيانات وقرارات تعصي علي العد. وكانت النيات في هذا كله صادقة في تعاطفها مع الفلسطينيين، وفي الحركة الدبلوماسية والنشاط السياسي باتجاه إيجاد ما من شأنه وقف جرائم جيش الاحتلال. ولئلا يطول استعراض وقائع معلومة... مستمرة، يكون الإيجاز بالقول أن فعلا عربيا حقيقيا لم يحدث فيردع العصابة الحاكمة في تل أبيب، ويخفف من وطأة الإسناد الأمريكي المكشوف لها، فتواصلت الاغتيالات وجرائم القتل واستباحة المدن وإعادة احتلالها، وكذلك تقويض السلطة الوطنية وتدمير مؤسساتها، وعزل قيادتها في خرائب المقاطعة ، وغير ذلك كثير....

التفاصيل في العراق غيرها في فلسطين، وإن تماثل استهداف شعبيهما وقيادتيهما وما في هذين البلدين من أسباب التنوير والتقدم والتحرر ومقاومة الارتهان للاحتلال والارتباط بالأجنبي. أما التماثل الذي تؤشر إليه تلك القاعدة العلمية فيتعلق بما ستكون عليه الحكومات العربية من عجز مبين ساعة تأخذ البي 52 الأمريكية في تمشيط العراق، وينشط مشروع صنع نظام للحكم هناك، ويصير نهب النفط العربي وإطلاق الذراع الإسرائيلية علي أشدهما. إنه العجز نفسه، الذي رأي في المؤتمرات واستجداء الأمريكيين الصيغة القصوي للحركة لإنقاذ الفلسطينيين مما يكابدوه من أهوال. كان الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسي قد حذر من جهنم لو صار الاعتداء الأمريكي علي العراق، وقال وزير الخارجية السوري فاروق الشرع كلاما صادقا عن مخاطر النوايا الأمريكية في المنطقة تجاه أكثر من بلد ونظام بعد العراق وصدام حسين، وتحدث مسؤولون عرب آخرون عن كارثة ستصير لو أقدمت واشنطن علي ما في بالها تجاه العرب من مدخل العراق. لكن أحدا لم يقل شيئا عما سيبادر إليه صناع القرار العربي لتفادي حدوث هذا كله وغيره، ولمواجهة العدوان الأمريكي غير المستبعد.

مدعاة هذا الاستعراض لما سبق من وقائع وإحالات، والموجز طبعا، هي ما يمكن أن نقف عليه من مغايرة بين ما سبقت الإشارة إليه من بيانات وتصريحات رسمية وضخ لبنان مياهه من نبع الوزاني علي الرغم من الوعيد الإسرائيلي، وفي البال أن لبنان دولة عربية ضعيفة، استباحها الإسرائيليون غير مرة، وتركيبتها السكانية ذات خصوصية طائفية مربكة، أدت إلي ما نعرف من حروب واحتقانات أهلية، جعلتنا نظن أن السلم الأهلي في لبنان صعب المنال، وأصعب منه الوحدة علي مناوأة إسرائيل ودرء أطماعها، لكنه درس الوزاني يفيد بغير ذلك، بل يرمي كل تلك الظنون بعيدا، ويحرض علي مقاربة أخري، ربما تغري بالدعوة، من جانب معين، إلي الأخذ بقاعدة قياس الشاهد علي الغائب، ولكن علي غير الوجهة التي سبقت، بل للتملي في الحدث اللبناني الاستثنائي، كما سبق وصفه، ومحاولة الخروج منه إلي القناعة بأن المسألة لا تعدو كونها مسألة إرادة ليس إلا. الأمر الذي لا يتماشي مع التعويل علي دعوة مجلس الأمن مثلا إلي تحمل مسؤولياته بشأن إسرائيل، ومطالبة العراق بالتنفيذ الكامل لقرارات الأمم المتحدة ذات الشأن به.