امريكا تتراجع: هل وصلنا الي النقطة التي ستغير العالم؟

 

 

 

بقلم : كمال مجيد

 

امتاز الشهر العاشر (اكتوبر) من هذه السنة بظاهرتين بارزتين هما:

1 ـ ظاهرة توسع الحملة العالمية ضد العدوان الامريكي علي العالم عامة والعراق بصورة خاصة. لقد انتشرت هذه الحملة لتشمل مئات الالوف من الشعب الامريكي نفسه واشترك فيها ابرز مثقفي امريكا من امثال نعوم جومسكي وادوارد سعيد ورامزي كلارك ورجال الدين مثل جسي جاكسون بل وحتي كنيسة الميثوديست برمتها، تلك التي يصلي فيها الرئيس بوش. (التفاصيل راجع جريدة الاوبزيرفر اللندنية ليوم 20/10/2002). ومن الجهة الاخري ادركت الحكومات، بما في ذلك كندا بل ثلاثة اعضاء دائمين في مجلس الأمن، بأنها لا تستطيع التنازل عن مصالحها وتخضع للاوامر الامريكية.

لقد توسعت الجبهة المعادية للعدوان خلال تعمق الأزمة الاقتصادية، التي جلبتها الشركات التي ساندت بوش في الانتخابات الرئاسية المشبوهة، وحين اكد تقرير صندوق النقد الدولي في 12/9/2002 علي ان الحملة العسكرية علي العراق ستعمق الازمة الاقتصادية في العالم . ثم ان الانتفاضة الفلسطينية استمرت بل اظهرت للعالم اجمع بأن الحكومة الامريكية، التي وقفت الي جانب العدوان الاسرائيلي باستمرار، تلح علي غض النظر عن القرارات العديدة التي اصدرتها هيئة الامم المتحدة ضد اسرائيل من جهة وتعمل علي تشديد القرارات القائمة حول التفتيش عن الاسلحة العراقية من الجهة الاخر.

2 ـ وكنتيجة حتمية لهذه الحملة الواسعة اخذت المؤسسة الامريكية الحاكمة تتراجع بصورة ملحوظة (راجع مثلا الصفحة الامامية لـ القدس العربي ليوم 19/10/2002) بل تقهقرت جبهة الحرب وتقلص محور الشر الي شلة تشمل بعض اجنحة الحكومة الامريكية واسرائيل ونفر معروف من المعارضة العراقية المأجورة.

فالمعروف ان بوش قد بدأ حملته حين اعلن الحرب العالمية علي الارهاب بحجة ان المدنية والحرية والديمقراطية في خطر والح علي ضرورة الوقوف اما معه او ضده، تبعت تلك التصريحات العنترية لنائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد حول ضرورة احتلال العراق عسكريا لتغيير النظام فيه. وفجأة ظهر الانشقاق في جبهة الشر حين اعلن وزير الخارجية كولن باول علي التلفزيون البريطاني صباح 8/9/2002: ان الحكومة الامريكية منقسمة علي نفسها بشأن نوع العمل الذي يجب القيام به ضد العراق.. وان مرشدي الرئيس بوش لهم آراء عديدة وهم يجادلون بشدة، ولكنهم يتجنبون التصادم . ثم جاءت احداث بالي ومقتل الجندي الامريكي في الكويت والهجوم علي الناقلة الفرنسية في سواحل اليمن لتنذر القيادة الامريكية المتغطرسة بالعواقب الوخيمة التي تنتظرها اذا قررت الاستمرار في سياستها الحمقاء. هكذا بدأت الانتكاسة المشينة للقطب العالمي الأعظم الذي فشل في اجبار الشعوب علي خفض جناح الذل له.

من الضروري ان تستمر حملة الشعوب ضد الدولة الامريكية المارقة. فالحرب التي فرضتها علينا لا تنتهي مع بدء المناوشات المذكورة اعلاه. بل علي العكس علينا ان نتحضر لرد فعلها بعد دراسة النتائج المتوقعة التالية:

1 ـ قيام المؤسسة الاستعمارية بالتغطية علي الفشل عن طريق فتح جبهة جديدة للهجوم، عالميا قد تركز علي شعب آخر، مثل اندونيسيا، او علي الشعوب الثائرة كالفيليبين وكولومبيا ونيبال، عربيا عن طريق دفع اسرائيل لضرب الفلسطينيين بشراستها المعروفة او عن طريق تضييق الخناق الاقتصادي علي السعودية، وعراقيا عن طريق التشديد علي الحصار الاقتصادي والتركيز علي القصف الجوي المكثف الذي استمر منذ حرب الكويت.

2 ـ انهيار المعارضة العراقية التي افلست سياسيا الي درجة انها اخذت ترحب بالحكم العسكري الامريكي المباشر للعراق (راجع تصريحات الدكتور احمد الجلبي في الغارديان اللندنية في 12/10/2002). لقد فقدت هذه المعارضة، مصداقيتها حتي بين اجنحتها المتخاصمة ونالت نقمة الشعب بل نقمة المخدوعين بها بصورة كلية.

3 ـ ادراك الشعب العراقي، بتجاربه الدموية المريرة، بأنه هو الهدف الحقيقي للعدوان الامريكي الذي يعمل علي السيطرة علي النفط العراقي لبيعه باسعار تجلب مليارات الدولارات من الارباح. يعلم الشعب العراقي الابي بعربه واكراده وتركمانه، بمسلميه ومسيحييه وصابئته ويزدييه، بأن ازالة النظام حق خاص به، كما اعترف بذلك جورج روبرتسون، وزير الدفاع البريطاني في كانون الاول 1998، اثناء عملية ثعلب الصحراء، في جلسة البرلمان البريطاني حينذاك. سيقرر الشعب العراقي مصيره دون ربط امله بالمستعمرين القتلة واذنابهم الذين فشلوا في كل مرة. فالقافلة تسير والكلاب تنبح.

4 ـ ادراك الشعوب في العالم بان هناك الامكانية الاكيدة لفرض الانتكاسة علي الاستعمار الارهابي المدجج بأسلحة الدمار الشامل، فتباشر بالعمل علي تكوين حركة عالمية منسقة للاستمرار في ملاحقة العدو المصاب بالتراجع. تتذكر الشعوب هزيمة المستعمرين الامريكان في فيتنام وايران والصومال بل في لبنان الصغير حين فجر فدائي واحد سيارته ليقتل 142 عسكريا امريكيا دفعة واحدة.

لسنا في مرحلة التفكير باكاليل الغار لان العدو المارق مشهور بنشر القتل والدمار، بل وصلنا النقطة الحرجة التي غيرت العالم بصورة كلية لصالحنا. لقد شاهدت الشعوب في 11/9/2001 انهيار المؤسسات الرأسمالية وتتوحد الآن للعمل الجماهيري المثمر لايقاف التوسع الاستعماري عند حده، وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون.