حول محاضرة هيكل في الجامعة الأمريكية بشأن (نظام الحكم في مصر):

هل يقدم الرئيس وابنه تنازلاتٍ لشعبٍ لا يطالب بها؟

 

 

 

 

بقلم : هويدا طه

 

افتتحت الجامعة الأمريكية موسمها الثقافي بندوة استضافت فيها الصحافي المخضرم محمد حسنين هيكل، الذي قرأ محاضرة مكتوبة مسبقا بعنوان (المستقبل.. الآن)، واستقبل بعد قراءتها تصفيقا حادا تلته عدة اسئلة للحاضرين رأينا (بعضها) علي شاشة قناة دريم الفضائية!وكالعادة ينتظر الكثيرون ما يقوله هيكل ـ أكثر من غيره ـ عن الأحداث الجارية، وداعي انتظار (كلمة) هيكل يكمن في اسباب تتعلق بشخص الرجل وتاريخه، وهو بدوره يعلق علي ذلك دوما بقوله قل كلمتك وامض .

وربما توقع الكثيرون أن تتعلق محاضرة هيكل بالوضع في الشرق الأوسط أو الحرب المزمعة أمريكيا علي العراق أو دور مصر المثير لكثير من الجدل في القضايا الإقليمية الشائكة، ولم يكن متوقعا أن يتحدث هيكل حول (وضع نظام الحكم في مصر). إذ أنه وعلي مدي ما يقارب ربع قرن من الزمان لم نلمس منه إلا حذرا في الاقتراب من هذه (الدائرة المحرمة)، ولم نلمس منه إلا إشارات مبهمة تجاه مؤسسة الرئاسة وتحديدا تجاه الرئيس مبارك، لكنه فاجئ العديد من المتابعين بتحليله حول (شرعية الحكم) في مصر علي مدي نصف القرن الماضي.وأياً كان مدي الاختلاف مع (الجورنالجي العجوز) أو الاتفاق معه، فقد أعطي في تحليله مساحات متقاربة لما سماه (صور الرجال الأربعة)، بدءاً من محمد نجيب أول رئيس لمصر الجمهورية، وحتي الرئيس مبارك (الذي يتربع علي عرش الجمهورية منذ قرابة ربع قرن!)، وذلك في محاضرته المقروءة التي بدا الترقب علي وجوه المتابعين لها واضحا، سواء المتواجدين بالقاعة وقت الندوة أو هؤلاء المتابعين لها عبر شاشة قناة دريم..إذ ليس من المستغرب أن يحلل أي كاتب أو متابع مهما كانت مكانته (مدي شرعية) حكم الرجال الثلاثة الأوائل الذين حكموا الجمهورية سابقا، فالكتب وشهادات المعاصرين قالت الكثير.لكن (المس) بالرئيس الحالي هو الشيء الذي يخشاه الكثيرون أو علي الأقل يترددون بشأنه، بمن فيهم هيكل الذي عودنا أن يقترب بحذر من (مؤسسة الرئيس) طوال تلك السنين، وعندما قرر هيكل أن يقارب تلك المؤسسة فاجئنا مرة أخري بدلوه حول شرعية حكم الرئيس الحالي وحول ما سماه (شائعة) توريث الحكم في مصر! (البعض يقول أنها لم تعد (شائعة) وانما تجاوزتها الأحداث بوتيرة متسارعة في الأشهر السابقة إلي أن أصبحت ـ مسألة حاضرة ـ في مصر). إلا أن هيكل وفي سياق تحليله للمرحلة، طالب بضرورة أن تحل في مصر (شرعية دائمة) للحكم تتجاوز مرحلة (شرعية الانتقال) التي اتسمت بها مراحل (الرجل الأوحد) في العهود السابقة، والتي لا تناسب المستقبل الآتي، شرعية تقوم علي أساس تغيير الدستور الحالي وضمان انتقال السلطة بطريقة ديمقراطية حقيقية، إلي آخر هذا الطرح الذي ـ يقينا ـ يرحب به الناس، سواء من النخب المهتمة بالشأن العام أو حتي المواطنين العاديين بدرجة أو بأخري.لكن الملاحظ حقيقة والذي قد يتطلب نقاشا حوله هو (آليات ذلك الحل) الذي طرحه هيكل للخروج من أزمة شرعية الحكم في مصر ومحاولة رسم المستقبل الذي قال أنه (يبدأ الآن)، وفي ذلك هناك عدة ملاحظات:

الملاحظة الأولي: في معرض مطالبة هيكل بطرح (مشروع التغيير) فاجئنا الرجل بأن المطالب بأن يتقدم بطرح هذا المشروع للشعب هو (مؤسسة الرئاسة)! قائلا أنه ينبغي أن تتقدم الرئاسة ـ وقبل مرور السنوات الثلاث المتبقية في فترة حكم مبارك ـ بمشروع ديمقراطي لتغيير الدستور وتقنين آليات ديمقراطية دائمة تؤسس لنظام الحكم في مصر مستقبلا، وهو ما دفع أحد الشباب المتواجدين بالقاعة إلي سؤال هيكل هل يتقدم النظام بمشروع تكون نتيجته تنازله عن السلطة طوعا؟واذا ما لم يحدث فما هي البدائل؟ ومرة أخري فاجئنا هيكل بقوله أولا لابد ان تتقدم به الرئاسة لأنها تعرف كل الحقائق التي لا نعرفها نحن! وثانيا لا توجد بدائل لأن عهد الثورات انتهي ولم يعد مقبولا .هذا هو إذن ما يجعل طرح هيكل في هذا الوقت بالذات أقرب إلي الغموض وإثارة التساؤلات أكثر من كونه (كلمة هيكل الأخيرة) كما يحلو للبعض وصفها، وعلي درب هيكل في تحليل الحاضر والمستقبل قد يعّن للبعض نبش تاريخ الأمم للبحث عن قيصر أو سلطان أو ملك أو ديكتاتور جمهوري فاجأ شعبه بيقظة مفاجئة، جعلته يدرك بعد سنوات طوال من الانفراد بالسلطة والنفوذ ومقادير الناس أنه آن الأوان لتقديم (تنازل) للعوام! كي يقرروا من هو الأحق بالولاية عليهم أو ما هو الأسلوب الذي يرضيهم للتأسيس لنظام يرونه عادلا!إلا إذا تعلق الأمر بتنازلٍ لأجل (ولي العهد)! وهذا هو المثال الذي يقدمه التاريخ، عندنا وعند أمم مجاورة! والتساؤل ليس فقط حول طرح هيكل بشأن (جهة) تقديم المشروع، بل حول توقيت المطالبة به، إذ يحق لنا أن نتساءل: أولا لماذا ـ الآن ـ تجرأ هيكل علي تلك الملامسة القريبة للغاية لنظام الرئيس مبارك؟وثانيا لماذا تبنت قناة دريم عرض تلك المحاضرة التي يمكن وصفها بأنها محاضرة (تمهيدية) !وهي القناة التي يشاع في مصر أنها (قناة أحمد بهجت بفلوس علاء!)، هل يتعلق الأمر مثلا بما يمكن وصفه (سيناريو مختلف) للقصة السورية؟!ورابعا قال هيكل في سياق محاضرته أن الرئيس وكذلك ابنه بادرا بنفي (شائعة) محاولة توريث الحكم الجمهوري! ـ رغم ما سمعه (أي هيكل) من ثناء علي الإبن ـ !هل يذكرنا ذلك بقصة جحا حين أراد (بيع حماره المريض) عندما قال (للزبون) أنه سيبيعه كل بضاعته إلا (هذا) لأنه أقوي وأغلي ما لديه!

الملاحظة الثانية: محمد حسنين هيكل الذي قضينا العمر ـ وما زلنا ـ نفتش بلهفة عما يكتبه ويقوله ويشير إليه، ذلك (الجورنالجي) ـ كما يحب وصف نفسه ـ المحنك الذي قضي أغلب سنين عمره قريبا من دوائر السياسة المصرية والدولية، هو شخصية ثرية للغاية يتمتع بأسلوب فريد ـ وجميل ـ في طرح الأفكار والرؤي وربطها بماضيها البعيد ومستقبلها الأبعد، (وهو أيضا الصحافي الثري المتفهم لقيمة السيجار!) قال أكثر من مرة أن (مستقبله وراءه)، وهو ما يفهم منه ألا مصلحة تخصه فيما يطرح، والحقيقة أنه كذلك بالفعل في كثير من أطروحاته، لكن مطالبته الرئاسة ـ دون غيرها ـ من نخب هذا الشعب البائس تجعلنا نتساءل (هل هو تساؤل مشروع بشأن رجل بحجم هيكل؟) عن (علاقته) الشخصية بالنظام، فمعلومات من مثل مصاهرته لشخصيات قريبة جدا بل هي جزء من النظام، وعلاقته بدوائر السياسة المصرية والعالمية ومنها الأمريكية، ومعلومات عن ابنه الاكبر كرئيس لمجلس ادارة شركة هيرمس المثيرة للجدل، كلها تثير التساؤل عن علاقة الرجل بدوائر المال والأعمال (المختلطة الآن بالسياسة علي نحو غير مسبوق) في مصر، وهو الذي لم يقل في أي وقت من الأوقات أنه رجل (ثوري) مثلا أو مناضل أو ما شابه! إضافة إلي حديثه عن (تنازل غير محدد) مطلوب في مؤسسة الرئاسة، كل ذلك يدفع المواطنين العاديين من الشغوفين بالاستماع إليه إلي البحث عن (رأيه) الحقيقي بشأن وطبيعة ذلك التنازل المنتظر بعد السنوات الثلاث المتبقية في الولاية الرابعة من حكم الرئيس!وهي ملاحظة لا تمس قيمة الرجل الصحافية والادبية وغيرها، فهيكل من أكثر الشخصيات في مصر إثارة لجدل ممزوج ـ بلا شك ـ بالإعجاب و..الحيرة!

الملاحظة الثالثة:وهي تخص نخبنا السياسية والثقافية والحزبية وغيرها، والتي وإن كان اليأس منها بلغ بالناس مداه إلا أنه ورغم أن رموزها شاخوا أو دجنوا أو اعتزلو (الأمر) برمته! فإن الأمر يتعلق هنا بسؤال عما يمكن أن يدلوا به إذا لم تتقدم مؤسسة الرئاسة بتنازل للشعب (سواء التنازل الذي قال به هيكل أو التنازل الذي حلمنا به وهو يقرأ محاضرته!)، لم يحدث تاريخيا أن تحرك شعب بأكمله وكامله ضد ظلم واقع عليه، وانما كان هناك دائما (كتلة حرجة) من الناس، إذا تحركت أو (حركت) فإن تغييرا ما يقع، ومن تلك الكتلة الحرجة ـ شباب في أغلبها ـ من هو مثل ذلك الشاب الذي سأل هيكل (وماذا عن البدائل؟)، ماذا إذن عن (مؤتمر وطني) ـ في قلب القاهرة بالطبع وليس في أي عاصمة أخري حتي لو تحت العين الحمرا للبوليس ـ يبحث عن حل (يمنع) النظام من استمراره في هذا الركود الخطر، وليس فقط (يطالب) الرئاسة بتنازل تفرضه ضرورات التغيير العالمي وليس المصري فقط؟ ماذا عن (إئتلاف حزبي ونقابي) وغيرها من المؤسسات المصرية التي تدرك نخبها بالضرورة مأزق مصر الحالي ـ ائتلاف ولو مؤقت ـ ضد ما سماه هيكل (أسلوب الزهو بكلمات ليس وراءها فعل) ؟باختصار ماذا عن (التقاط) الخيط من هيكل لإخراجه من قاعة في الجامعة الأمريكية إلي شوارع القاهرة؟! إن الحل الذي طرحه هيكل ـ مهما اختلف البعض معه أو اتفق ـ كان بلا شك حجرا كبيرا، ألقي في مياه ليست راكدة فقط وانما اشرفت ان تصبح او اصبحت بالفعل مياها آسنة في حاجة إلي تكرير أو تطهير أو ربما استبدال! وقيمة الحل المطروح أنه يضع مصر والمصريين ـ بنخبهم وكتلتهم الحرجة ـ أمام الواجهة الحقيقية للمأزق المصري، وهي تلك القابعة هناك.. في مؤسسة الرئاسة!