قضية جون بيلجر مثلا: لوبيات اعلامية غربية تفتك بكل
من يؤيدنا
يجمع كل ذي لب علي ان المنظمات والاشخاص
المؤيدين لاسرائيل يتقنون جيدا طريقة الدفاع عن اسرائيل وخدمة مصالحها وتلميع
صورتها علي الصعيد العالمي ككل وخصوصا في واشنطن ولندن عاصمتا القرار في العالم..
قلت انهم يوقنون ذلك لان مهمتهم هي من اصعب ما يكون علي اعتبار ان الدولة التي
يدافعون عنها دولة مجرمة وخارجة عن القانون بل تكاد تكون الدولة الوحيدة في العالم
التي لا يطبق عليها اي قانون دولي.
الامثلة علي ذلك لا تعد ولا تحصي، لكنني
ساتطرق في هذا الحيز لمثال وليس اكثر.
مؤخرا شاهد البريطانيون علي القناة الثالثة
البريطانية فيلما وثائقيا بعنوان فلسطين ما تزال هي القضية اعده واحد من اهم واشهر
الصحافيين والكتاب العالميين وهو جون بيلجر الاسترالي الاصل والحائز مرتين علي
جائزة احسن صحافي في بريطانيا علي مجمل اعماله التلفزيونية والكتابية. الفيلم لاقي
نسبة مشاهدة عالية علي غرار كل الافلام التي انجزها بيلجر، كما اصبح حديث الساعة
بطريقة لا بأس بها في اوساط الشارع البريطاني.
لكن فجأة، بدأ الجميع يلاحظ علي صفحات
الجرائد والانترنت بوادر حرب اعلامية شعواء علي هذا الصحافي وعلي فيلمه علي الرغم
من ان اعماله ومواقفه كانت دائما تعتبر حرفية ومحايدة بل ومثالية. ولم يمض وقت
كثير حتي تكشفت حقيقة المروجين لتلك الحملة وعرف الجميع ان المؤسسات الصهيونية في
بريطانيا وامريكا كانت ساخطة علي محتوي الفيلم معتبرة اياه متحيزا بشكل سافر الي
الجانب الفلسطيني ومنظنا لمغالطات واكاذيب تضلل المشاهد.
جون بيلجر المعتاد شيئا ما علي ذلك: ابدي
اشمئزازه هذه المرة من الحملة المضادة له، واكد انه كان محايدا لاقصي ما يمكن
تماشيا مع اخلاقه المهنية ولا ادل علي ذلك من انه خصص حيزا لا بأس له من الفيلم
للناطق باسم الحكومة الاسرائيلية دوري غولد للتعبير عن رأيه دون قيد او شرط. كما عبر
بيلجر عن استغرابه من رسائل الاحتجاج التي وصلته من المحتجين علي الفيلم من
الامريكيين الذين لم يشاهدوه اصلا، باعتبار انه لم يعرض الا في بريطانيا فقط،
والذين دفعوا دفعا للقيام بذلك من قبل جماعات الضغط الصهيونية التي تقف وراء
الحملة.
ولم يكن بيلجر الوحيد في دفاعه عن فيلمه، حيث
ان مؤرخا صهيونيا معروفا اسمه ايلان يابي انبري ايضا للرد علي تلك الاتهامات
معتبرا انها تحاول ان تجرم كل من اراد ان ينتقد اسرائيل كائنا من كان.
نتيجة كل ذلك كانت وكالعادة لصالح تلك
اللوبيات: فقد ندد مايكل غرين ، مدير شركة كارلتون المالك الرئيسي للقناة الثالثة
التي عرضت الفيلم، بمحتواه وبمعده واصفا اياه بالمنحاز وغير الواقعي. ولتطييب خاطر
المؤسسات الصهيونية اكد غرين انه استبق الاحداث وقرر عرض الفيلم في الساعة الحادية
عشرة ليلا بدلا من الوقت الذي كان محددا له وهو السابعة مساء مما ادي الي تناقص
عدد المشاهدين بشكل كبير، ليس ذلك فقط بل ان غرين تعهد باعطاء الاوامر لصحافي اخر
محايد لاعداد فيلم جديد يكون اكثر موضوعية وحرفية من الاول.
وبين عشية وضحاها اصبح الصحافي الكبير الذي
يضرب باعماله المثل صحافيا فاشلا لا يستطيع الالتزام بأهم عمود من اعمدة الصحافي
وهو الحياد ، ولم يكن من المستغرب ان اصبح من ضحايا تهمة العصر معاداة السامية ،
وسبحان مغير الاحوال الحالة الثانية تتمثل في حملات واشنطن علي المملكة العربية
السعودية خلال الاشهر الماضية وقضية اعفاء الدكتور غازي القصيبي من مهامه كسفير
للمملكة في لندن وتعيينه وزيرا للمياه.
فقد عزا بعض الباحثين ذلك الي اطلاع صانعي
القرار الموالين لاسرائيل في واشنطن علي مقالات وكتابات كتبها اشخاص سعوديون
استخلصوا منها مباشرة مدي الكراهية التي يكنها العرب والسعوديون بالتحديد لاسرائيل
وامريكا.
السؤال هنا هو كيف وقعت تلك الكتابات في ايدي
المسؤولين الامريكيين، وهل ينم ذلك عن اهتمامهم بكل صغيرة وكبيرة وحتي بالمقالات
التي يكتبها كتاب عرب من السعودية.
والجواب يكمن في مؤسسة تتخذ من واشنطن مقرا
لها وهي مؤسسة بحوث الاعلام في الشرق الاوسط المعروفة اختصارا بـ MEMRI. هذه المؤسسة تعرف
نفسها انها مؤسسة خاصة غير ربحية تعني بدراسة وسائل الاعلام في منطقة الشرق الاوسط
وترجمة بعضها الي اللغة الانكليزية بهدف تعريف الغرب بثقافة تلك المنطقة وتقريب
ثقافتي الغرب والشرق عن طريق كسر حاجز اللغة.
من خلال هذا التعريف لا يسع المرء سوي تقدير
جهود تلك المؤسسة والقائمين عليها.
لكن مجموعة من الصحافيين البريطانيين تابعوا
عمل هذه المؤسسة واهدافها والاشخاص المسؤولين عنه واكتشفوا في نهاية الامر انها
مؤسسة يملكها ثلة من الصهاينة المتغلغلين في مراكز القرار الامريكي وان عملها
يتمثل فقط في البحث عن اي مقالة في الصحف العربية بالتحديد (وليس الشرق الاوسطية
عموما) تتضمن مواقف معادية لاسرائيل وامريكا وبشكل يعمق العداء بين الشرق والغرب
ويمكن استغلاله في تصوير العرب علي انهم جماعة من الحاقدين الناقمين، ثم تقوم
بترجمتها الي الانكليزية وتعمل جاهدة علي ايصالها الي اعلي المسؤولين في الادارة
الامريكية الذين يبنون سياساتهم وتوجهاتهم عليها.
ليس ذلك فقط بل ان المؤسسة باعتبار انها غير
ربحية تقوم بتوزيع تلك الترجمات عبر البريد الالكتروني علي كل رؤساء تحرير ومدراء
وسائل الاعلام العالمية وعلي اي شخص يرغب في الحصول عليها.
وقد لخص احد المسؤولين في مجلس العلاقات
الامريكية الاسلامية لصحيفة واشنطن تايمز مهمة المؤسسة بالقول: هدف مؤسسة MEMRI هو العثور علي اسوء
المقتطفات من الصحافة العربية علي الاطلاق ثم نشرها علي اوسع نطاق.
وكمثال علي ما قامت المؤسسة بترجمته وتوزيعه
المقال الذي كتبه احد الصحافيين السعوديين في صحيفة الرياض الرسمية حسب ادعائها،
متهما اليهود بانهم يستخدمون دماء الاطفال المسيحيين او المسلمين في طبخ اكلات بعض
اعيادهم الدينية.
بالاضافة الي ترجمة وتوزيع القصيدة التي
كتبها الدكتور القصيبي مجددا فيها الاستشهادية آيات الاخر والتي وصفتها المؤسسة
بانها دعوة من مسؤول رسمي سعودي للقيام بعمليات ارهابية.
مرة اخري حصدت المؤسسة الصهيونية نصرا بينا،
فرئيس تحرير صحيفة الرياض اعتذر عن نشر المقال وفصل كاتبه من العمل، كما ان
الدكتور القصيبي وجد نفسه علي متن طائرة تقله من لندن الي الرياض ليصبح وزيرا
للمياه في دولة ليس فيها مياه. لكن النصر المظفر تمثل في استخدام اليمين المتطرف
في ادارة بوش ذلك في شن حملة شعواء علي السعودية حليفة واشنطن التقليدية بتهمة
انها دولة تحرض علي الارهاب والتطرف الديني، ليس ذلك فقط بل وبلغ الامر الي حد
اعتبار السعودية مصدر تهديد المصالح الامريكية ووضعها في صف الاعداء والتهديد
بالهجوم عليها وتقسيمها بهدف السيطرة علي منابع النفط فيها والحد من المد الارهابي
حسب ما جاء في التقرير الذي قدمته مؤسسة راند كوربوريشن لوزير الدفاع الامريكي.
هكذا اذن يحقق الد اعدائنا النصر علينا،
الواحد تلو الاخر، وما زلنا لا نقدر مدي اهمية بذل كل الجهود، مادية كانت او
معنوية، حتي نساهم ولو بالنزر القليل في ابلاغ صناع القرار في البيت الابيض
والكونغرس وجهات نظرنا ليس لجرهم الي صفنا، فذلك سراب لن نبلغه، بل فقط لدرء خطر
اعدائنا الاذكياء. كما اننا لا زلنا نعتمد علي بعض الاصوات الغربية مثل صوت
الصحافي الامريكي الشهير ديفيد ديوك الذي يعمل ليل نهار علي توعية الشارع الامريكي
بالكوارث التي حلت وتحل به من وراء اسرائيل التي تستنزف من امواله بالبلايين كل
سنة دون ان يري لذلك اي مبرر.