بقلم : محمد كريشان
مظاهرات عارمة ضد الحرب في العراق تجتاح هذه
الأيام شوارع واشنطن وعواصم أوروبية عديدة فيما تسود شوارعنا العربية حالة سكون
غريبة من الصعب أن نجد لها تفسيرا بسيطا جاهزا وإن كانت تنم في العمق عن نوع من
الاستسلام لضرب العراق كـ قدر محتوم فضلا عن نوع من الإيمان المتأصل في أن نزول
الناس إلي الشارع لن يقدم شيئا أو يؤخر علي عكس قناعة المواطن في الدول الغربية
بأن الرأي العام هو الذي يشكل في النهاية القرار السياسي أو في حد أدني كفيل
بالتأثير فيه... وبين هذين المشهدين المتنافرين تكمن القصة الطويلة في شروط وظروف
شعور الفرد في المجتمع بقيمة المواطنة وبالتالي بقيمته الإنسانية الحقيقية.
هناك بلا شك شعور أكيد بالخجل ينتاب كل بيت
عربي وهو يشاهد هذه المظاهرات في الولايات المتحدة نفسها وفي كل من فرنسا وألمانيا
وهولندا وإيطاليا والدانمارك والسويد واليابان وغيرها وهو أمر مفهوم تماما لكن
أغلبنا ينسي أن الشارع هناك تحركه جمعيات ثقافية واجتماعية وبيئية وشبابية وطلابية
وأحزاب فاعلة ونقابات استطاعت عبر سنوات طويلة من الصقل الديمقراطي أن تخلق ما
يسمي عن جدارة بـ المجتمع المدني الحي والخلاق القادر بجد أن يكون قوة مضادة ـ ليس
بمعني العداء ـ للسلطة السياسية الحاكمة والذي يستطيع تعبئة الشارع سواء تعلق
الأمر بمسائل حياتية يومية من ضرائب وقوانين الرعاية الصحية والاجتماعية أو
بقرارات كبري كتوسيع الاتحاد الأوروبي أو الموافقة علي معاهدة ما وصولا في وضعنا
الحالي إلي قرارات الحرب أو السلم في العالم حتي وإن كانت هذه الحرب المحتملة
ستدور في مكان بعيد وبغض النظر عما إذا كان ذاك البلد معنيا بدخول تلك الحرب أم
لا.
الوضع عندنا مختلف كثيرا فمظاهراتنا عموما لا
تخرج عن إحدي حالات ثلاث لا دخل فيها لـ المجتمع المدني علي الأقل بصيغته الشاملة
والمستقلة السائدة في الغرب:
مظاهرات طلابية معزولة بالمعنيين السياسي
والمكاني أي أنها تجري في الغالب دون تنسيق مع فعاليات وقوي أخري في المجتمع وهي
فوق ذلك لا يسمح لها بتجاوز سور الحرم الجامعي بل إنها تقمع أحيانا داخله فما بالك
إذا قررت الخروج منه والتلاحم مع شرائح أخري مهنية وعُمرية.
مظاهرات تقودها تيارات إسلامية وبشعارات
إسلامية بحيث أنها قد لا تستقطب غيرهم وفوق ذلك تسارع السلطة إلي قمعها لأنها
تختزل المشهد برمته في أن قوة معارضة متطرفة تريد استعراض قوتها في الشارع وأنه لا
مجال لمنحها هذه الفرصة لأن القادر اليوم علي قيادة الناس ضد ضرب العراق أو ضد ما
يجري في فلسطين سيكون قادرا غدا علي قيادتهم في مسائل داخلية أخري، وما أكثرها.
مظاهرات تنظمها السلطة نفسها فيسودها، في
الغالب، ما يمكن وصفه بـ النضال المنافق بتصدر مسؤولين بارزين الصفوف الأولي فيكثر
من خلفهم من لا يزعجه المشاركة في مظاهرة مرض عنها ولن تفرقها عصي فرق مكافحة
الشغب ولن تخرج عن إطار إبراء ذمة الحاكم وجزء من المحكومين.
ومع ذلك فإن هذه الحالات الثلاث علي
محدوديتها تراجعت هذه الأيام في الموضوع العراقي بعد أن كانت شهدت انتعاشا مع
انطلاق الانتفاضة الثانية قبل أكثر من عامين الشيء الذي حدا ببعض الكتاب والمفكرين
الأمريكيين في ندوة عقدت مؤخرا في الدوحة إلي الإعراب عن تساؤلات عديدة عما إذا
كان هناك تضخم في الحديث الحالي عن الشعب العربي الغاضب لأنهم يرونه جامدا بعد ما
بلع أو فوت كلا من عنجهية القمع الإسرائيلي المتواصل وضربة أفغانستان فما الذي
يمنع أن يفعل الشيء نفسه مع الضربة المحتملة ضد العراق أو أن تحركه الحمية قليلا
قبل أن يخمد ثانية؟!!.
يبدو التساؤل في محله ولكن من يضمن جازما أن
هذا السكوت الحالي أو ما قد يبدو عجزا أو شللا لن يكون في الغالب سكوت المغلوب علي
أمره الذي لم يجد حوله من يؤطر غضبه أو يقود تحركاته ، لم يجد لا المؤسسات
المنتخبة والجمعيات الممثلة ولا الأحزاب المقنعة ولا القيادات المخلصة فجنح إلي
نوع من الاعتكاف المزمجر الذي لا فيه رضي عن النفس ولا رضي علي الآخرين، اعتكاف
يراوح بين الخمود النهائي والانفجار غير المحسوب.
الأمر حاليا هو أشبه بنار تحت الرماد، بينها
وبين الانطفاء النهائي نفس المسافة التي بينها وبين الاشتعال ثانية وقد يأتي هذا
الاشتعال علي حين غفلة بلا قيادة ولا قيود ولا نواميس فيجمع مرة واحدة كل إحباطات
القمع الداخلي ومرارة الظلم من سنوات طويلة من الإذلال الإسرائيلي وعنجهية القوة
الأمريكية ... وساعتها سيكون الانفجار مدمرا لا يبقي ولا يذر.