القوة.. خارج الشرعية الدولية

 

 

بقلم :د. مصطفى محمد الفار

 

لا يشك عاقل ولا جاهل في قوة الولايات المتحدة الاميركية وقدرتها على ضرب اي بلد مهما ابتعد جغرافيا عنها، لكن الذي يثير الشك ويدعو للاستغراب، هو ان تصر الولايات المتحدة على استخدام هذه القوة الرهيبة التي تمتلكها خارج الشرعية الدولية، ضد بلد صغير كالعراق، في حال رفض مشروع قرارها المقدم لمجلس الامن الدولي، وهو قرار اقرب في واقعه الى اعلان حرب منه الى نص يعالج ازمة بين بلدين عضوين في الامم المتحدة، ولعل الذي يزيد من الدهشة والاستغراب، هو ان تصيب هذه القوة الجبارة الاضخم على هذه الارض مصالح وامن الشعوب الاخرى، لقاء الحصول على ثروات العراق النفطية، وتسيطر على مفاتيح منطقة الشرق الاوسط! فهل سألت الادارة الاميركية نفسها الى اين تقودهم هذه المعركة الوهمية المفتعلة ضد العراق؟ أهي حقا امتداد للمعركة ضد الارهاب وملاحقة الارهابيين التي اعلنت عنها بعد احداث الحادي عشر من ايلول المروعة؟ ام هي حملة ضد امتلاك مفترض لاسلحة دمار شامل دون امتلاك اي دليل على ذلك؟ هل فكر حكماء الادارة الاميركية بعواقب الكراهية التي يزرعونها بسبب هذا المنطق المتعنت في العالم اجمع، جراء التعالي ومنطق فرض الارادة الاميركية على المجتمع الدولي وعلى المنظمة الدولية دون مراعاة للقيم والاعراف والقوانين ودون اكتراث لاختلال الموازين؟

ففي الوقت الذي ترفع فيه الادارة الاميركية شعارات ضرورة التطبيق الدقيق للقرارات الدولية الصادرة بشأن دول مثل العراق او ليبيا او يوغوسلافيا، تشجع واشنطن حكومة شارون على التمرد وانتهاك القرارات الدولية، ومنها تلك التي ساهمت واشنطن في اصدارها مثل مطالبة مجلس الامن بالتحقيق في مجازر مخيم جنين والرفض الاسرائيلي المعروف لقرار مجلس الامن الخاص بذلك، دون قدرة المجلس على التحرك وفرض اية عقوبة على اسرائيل بسبب الدعم الاميركي لسياسة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية، والمسألة هنا لا تتعلق بدوافع وآلية العقوبات، وانما بنتائجها العملية والتي اظهرت بان الاطفال والنساء والشيوخ هم اول الضحايا، وهم بدون حماية او ضمانات، وتقف الولايات المتحدة ضد مساءلة اسرائيل خشية ان يؤثر ذلك على تحكمها بأنشطة المنظمة الدولية، وهذا ما ادى الى افشال كل المشاريع الخاصة بالعقوبات.. وهكذا، تضع الادارة الاميركية العالم وعلاقاته في مأزق حقيقي لا خيار فيه، اما ان تكون مع واشنطن او ضدها.

والواقع ان الولايات المتحدة تمارس الان ضغوطا مشددة على الامم المتحدة لتأييدها بشأن توجيه ضربة عسكرية ضد العراق، ومع ذلك، فقد تنامت الاعتراضات على هذه الحرب غير المبررة التي تهدد الادارة الاميركية بها، ومن الواضح ان الاعتراضات الدولية المتزايدة على مشروع ضرب العراق تنطلق من وعي دولي واسع بمدى خطورة مثل هذا القرار على السلم العالمي ومدى تأثيره في التحكم بتوجهات العلاقات الدولية وسياسات الدول، وهذا يقود الى حقيقة لا يمكن تجاهلها، هي ان القوة اذا احتلت مرتبة الدماغ والعقل في قيادة السلوك الانساني، فان احتمالات الدمار تكون اكبر، لان العمى يكون قد تسلل الى العيون والبصائر، فلا ترى او تدرك الا وفق ما تمليه مشاعر الاعتداد ونشوة القوة، وامتلاك ادوات التدمير.

من هنا، فان ما اعلنه الرئيس الاميركي جورج بوش مؤخرا: ان الولايات المتحدة عازمة على قيادة تحالف لنزع اسلحة العراق في حال لم تتحرك الامم المتحدة، وفي حال تهاونت في تحمل مسؤولياتها، هو اعلان خطير، لا يخاطب به الرئيس الاميركي العراق وحسب، بل سائر دول المنطقة العربية وبالتالي العالم اجمع، خارج الشرعية الدولية وبعيدا عن مظلة الامم المتحدة التي باتت مهددة بالتجاهل والتهميش وهذا يناقض ما طرحه الرئيس بوش الاب بعد نهاية الحرب الباردة في تصوره للنظام العالمي الجديد، والذي قال عنه بان الامم المتحدة ستكون في قلبه بحيث تصون الامن والسلام وتحقق العدالة الاجتماعية والاقتصادية الدولية. ان الدورة الحالية السابعة والخمسين للامم المتحدة سيكون لديها الاجابة على سؤال محدد واحد: هل تستمر بحمل مسؤولياتها الدولية ام لا تستمر؟!