بقلم : احمد شاهين
اعلنت حركة الجهاد الاسلامي مسؤوليتها عن
عملية مستوطنة كريات شمونة. وقد شجبت السلطة الوطنية الفلسطينية العملية، وهو موقف
تقليدي لها من كل عملية تستهدف المدنيين من كلا الجانبين. وفي تعليق لقناة الجزيرة
علي العملية، قال عبد العزيز الرنتيسي، احد قادة حماس، ان حركة حماس لن تفرط بشبر
واحد من اراضي فلسطين، بما في ذلك يافا وحيفا وجميع مدن فلسطين. ولهؤلاء الذين
يسارعون في ادانة وشجب العملية، عليهم الا ينسوا دماء الاطفال الفلسطينيين،
العمليات التفجيرية لا تمس بأي مبادرة سياسية لانه لا توجد اي مبادرة من هذا النوع
من شأنها ان تفيد الفلسطينيين (arabynet).
وتسجل طريقة تنفيذ العملية ونتائجها ضربة لنظام الامن الاسرائيلي الذي يستبعد
السياسة لصالح استخدام القوة، لكن رئيس هيئة اركان الجيش الاسرائيلي، الجنرال موشي
يعلون، قال امام لجنة الخارجية والامن، في محاولة للتقليل من قيمة العملية ان
اجهزة الامن احبطت سبع عمليات تفجير في الايام العشرة الاخيرة.. وان تخفيف الطوق
العسكري الذي كان مفروضا علي جنين سهل الطريق لمنفذ عملية كركور .
من جهة اخري، حاولت قوات من الجيش الاسرائيلي
يوم 19/10/2002 تفكيك مستوطنة حفات جلعاد في الضفة الغربية، وهي من المستوطنات
التي يطلق عليها الاسرائيليون وصف مستوطنات عشوائية ، اي تلك التي تقام دون اذن
رسمي من الحكومة، لكنها في الوقت نفسه استجابة للنداء الذي اطلقه، من قبل، شارون،
ودعا فيه المستوطنين الي احتلال جميع التلال في الضفة الغربية. ويطلق الكاتب الاسرائيلي،
اليكس فيشمان، علي مستوطني التلال وصف بلطجيو التلال . وادت محاولة الجيش تفكيك
المستوطنة الي اصابة نحو 50 شخصا من المستوطنين والجيش بجروح، مع ان الاشتباك
اقتصر علي الايدي والحجارة، لكن الاهم ان العملية ادت الي الشتائم بين اجنحة
اليمين الصهيوني ويساره المشارك في الحكومة، فقد وصف الوزير ايفي ايتام وزير
الدفاع بن اليعازر بانه كذاب وغبي ورد بن اليعازر ان اتهامات ايتام تحريض ارعن مثل
الذي سبق اغتيال رابين.. وهذا الرجل غير جدير بان يكون وزيرا . وقد اعتبر
المستوطنون عمل الجيش انتهاكا لحرمة السبت الذي صادف عملية التفكيك، في محاولة
للتحريض الديني ضد وزير الدفاع العلماني، وعلق علي ذلك وزير الخارجية الاسرائيلية،
شمعون بيريس بان استباحة قدسية يوم السبت بشكل جماعي وسافر قام بها الحضور الكبير
للمستوطنين الذين يتجاوزون القانون، والحاخامات الذين شجعوهم علي ذلك، وليس جنود
الجيش الاسرائيلي .
هذا ويتجول في المنطقة العربية نائب وزير
الخارجية الامريكية المكلف بملف الشرق الاوسط وليم بيرنز، حاملا معه مسودة مشروع
لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي يحمل اسم خارطة الطرق ، ويتضمن ثلاث مراحل:
الاولي، وقف العنف وانهاء الانتفاضة واجراء الاصلاحات في السلطنة الوطنية
الفلسطينية، وانسحاب قوات اسرائيل الي الوضع الذي كانت عليه قبل الانتفاضة، واجراء
الانتخابات الفلسطينية، وتنتهي هذه المرحلة في ايار (مايو) 2003، والثانية التفاوض
لاقامة الدولة الفلسطينية في حدود مؤقتة، وتنتهي هذه المرحلة في نهاية العام 2003،
اما المرحلة الرابعة فتبحث في الحل الدائم واقامة دولة فلسطينية، بما في ذلك
الاتفاق علي قضايا القدس واللاجئين، وتنتهي هذه المرحلة في العام 2005. وقد ابدت
كل من السلطة الوطنية الفلسطينية وحكومة اسرائيل تحفظاتهما علي المشروع الامريكي،
كل لاسبابه.
لقد قدمت منظمة التحرير الفلسطينية، بما
تمثل، خلال مسارها السياسي رؤيتين لحل الصراع الاسرائيلي الفلسطيني: الاولي، عرضها
ياسر عرفات امام الجمعية العامة للامم المتحدة في العام 1974، وتفيد باقامة دولة
ديمقراطية علي كامل ارض فلسطين يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود. وابدت
منظمة التحرير الفلسطينية منذ العام 1975 استعدادها لاقامة دولة فلسطينية علي اي
قطعة ارض من فلسطين يتم تحريرها، هذا المشروع يتضمن ضمنا عدم الاعتراف بدولة
اسرائيل كدولة، بينما يقبل اليهود كسكان في فلسطين.
الثانية، جاءت في اطار مفهوم اتفاق اوسلو
الذي عني اقامة دولة فلسطينية سقفها الجغرافي حدود العام 1967 (منطوق الاعتراف
بالقرار 242)، وهو ما عني الاعتراف بحق دولة اسرائيل في الوجود كدولة.
داخل الوسط الفلسطيني، كمظمات سياسية وشخصيات
وطنية، من استمر في معارضة الاعتراف باسرائيل كدولة، ويرفض اتفاق اوسلو، ويمثل
التيار الاسلامي صورة هذا الاتجاه. حتي فيما بين من قبلوا اوسلو هناك من يري فيه
مرحلة من مراحل الصراع. لكن جميع الاتجاهات الفلسطينية وظفت ما نجم عن اتفاق اوسلو
من ايجابيات، كل علي طريقته، وكل لاهدافه. ووظف معارضو الاتفاق سلبياته في اطار
التنافس علي زعامة الشعب الفلسطيني.
اما في الجانب الاسرائيلي، فقد نشطت الحركة
الصهيونية لاقامة دولة اليهود والمصطلح لهرتسل، علي اساس شعار شعب بلا ارض الي ارض
بلا شعب وهو ما عني عدم الاعتراف بالوجود الفلسطيني علي ارض فلسطين. لكن الحركة
الصهيونية قبلت قرار التقسيم واقامت دولة اسرائيل كمرحلة اولي علي طريق اقامتها
علي ارض اسرائيل التاريخية التي تختلف علي حدودها التيارات السياسية والدينية،
فبعضهم يعتبر نهر الاردن حدودها، والاخر يعتبرها مجموع ضفتي الاردن، واخرون يرونها
بين النيل والفرات.
وفي الواقع، قامت دولة اسرائيل في حدود نتائج
حرب العام 1948 علي 78% من ارض فلسطين، واحتلت في العام 1967 ما تبقي منها،
واعتبرها بعض الاسرائيليين استمرارا لحرب الاستقلال الاسرائيلية، بينما اعتبرها
البعض الاخر ورقة للتفاوض من اجل انتزاع اعتراف عربي بحق اسرائيل في الوجود، ولم
تكن فكرة الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني مقبولة لدي اي من الاتجاهات الصهيونية،
جسد اسرائيل السياسي. وينقسم الاسرائيليون الان بين من يقبل بدولة اسرائيل في حدود
العام 1948 (انصار السلام) والقبول بقيام دولة فلسطينية الي جوارها تفتح الطريق
لها الي السوق العربية وثروات النفط، وبين من لا يزال يري كامل ارض فلسطين ارضا
للدولة الاسرائيلية، والاخيرون ينقسمون بين وجوب افراغ فلسطين من سكانها
الفلسطينيين، وبين من يقبل منحهم حكما ذاتيا في اطار دولة اسرائيل. وكان بيريس قد
قدم في اطار تصوره لشرق اوسط جديد رؤية لكونفدرالية تضم اسرائيل والاردن ودولة
فلسطين.
والاحداث الجارية في فلسطين تجعل الاحتمالات
مفتوحة، لكن استمرار استعمال القوة يغلب الاتجاهات الاخطر انسانيا، وعلي ذلك يري
الكثير من المراقبين في الجانبين وجوب فرض حل علي الطرفين، بينما يري اخرون
امكانية ان يتساعد الطرفان علي ايجاد مثل هذا الحل، وفي كل الحالات تبقي الولايات
المتحدة الامريكية القادر، سواء علي فرض الحل، او مساعدة الطرفين علي ايجاده، لكن
الامر يقتضي من الولايات المتحدة ان تقف علي مسافة متساوية من الطرفين، وهو ما
تمارس عكسه، فاقترابها الفائض عن اللازم من اسرئيل يضع عروضها، اذا وجدت، في دائرة
الشك من قبل الطرف الاخر، وفي استمرار هذا الحال، يبقي العنف سيد المشهد السياسي
علي ارض فلسطين، فالثأر يستحضر الثأر في غياب السياسة.