دائرة المقاومة سوف تتسع وتضم العراق إلي جانب فلسطين

 

 

 

بقلم :محمد عبد الحكم دياب

 

من ألغاز الحرب الأمريكية ضد العرب أنها بلا منطق ولا مبرر أو سياق، وسوف نكتشف ذلك من خلال الرد علي سؤال، ماذا تريد أمــريكا مـن العرب؟ وإذا قسمنا هؤلاء العرب إلي قسمين هما الحاكم والمحكوم، لاستطعنا فك بعض رموز هذه الألغاز.. فالحكام، علي مستوي الـوطن العـربي، وإن كانوا لا يمثلون شعــوبهم، فهم لا يمـثلون ـ كذلك ـ أي مشكلة للادارة الأمريكية، فمن لم يكن منهم متواطئا فهو مطيع، ومن لم يستسلم بعد فهو مذعن، وغير المتردد نجده عاجزا، وكلهم، في النتيجة، لا يشكلون خطرا علي مصالح الولايات المتحدة، ولا مصالح غيرها، خاصة ربيبتها الدولة الصهيونية.

أما المحكوم وإذا استعرنا له صفة المواطن، بعدما ابتعد مفهوم المواطنة عن الوطن العربي أميالا وفراسخ. نجد أن جمع مواطن هو مواطنون، وهؤلاء موزعون بين يائس، ومستسلم، ومحبط، وعاطل، ومريض، ومهمل، وهلم جرا، هذا المواطن العربي، هو الآخر، ما زال لا يشكل خطرا علي المصالح الأمريكية أو الصهيونية بالشكل الحقيقي، ومع ذلك فإن الادارة الأمريكية لا تنظر إلي أي من طرفي هذه المعادلة بهذه العيون، فالحاكم ان لم يكن خطرا في ذاته، فخطره في عدم قدرته علي تلبية كل مطالب الادارة الأمريكية، ليس رفضا، إنما تحسبا للنتيجة، أو قلقا علي المصير، وهذا يستوجب تغييره، مع ما يحمله من الصفات التي أوردناها.

والمواطن بصفاته التي ذكرناها ـ أيضا ـ قد يتحول إلي قنبلة موقوتة، أو مشروع انتحاري، تقليدا واقتداء بما يجري علي الأرض الفلسطينية، بعد أن سدت أمامه كل المنافذ، مما يدفعه للعمل الانتحاري، ولأن هذا العمل، بسبب ظروف إنسانية ودينية واجتماعية، تحول إلي فعل استشهادي إيجابي يسري اعتناقه بين كثير من شباب العرب، فلا بد من المصادرة علي مستقبل هذا الشباب، وقتل هذا التوجه فيه مهما كان الثمن، وهذا هو بيت القصيد.

لكن المعضلة ليست في بيت القصيد هذا، إنما في عامل الاستفزاز والتحرش الدائم من الآلة العسكرية، التي يعتمد عليها آخر الأشكال الاستيطانية القائمة علي التطهير العـرقي، والتمـييز العنصري، المزروعة في المنطقة العربية، وهذا خلق حالة نازية جديدة فاقت نازية ألمانيا الهتلرية تستوجب المقاومة والمنازلة من أجل سلام العرب وأمن العالم، وهنا تتعقد المشكلة، بسبب محدودية ثقة الادارة الأمريكية في المستقبل، ولأنها ان لم تكن تعرف فغيرها يعرف أن النازية بلا مستقبل، وهي مثلها مثل كل المعتدين علي التاريخ والطبيعة، تعمل علي ايقاف عقارب الساعة، وضبطها علي الحالة الراهنة، وكأنها تجهل أن الحركة هي قانون الحياة، والسكون لا يعني غير الموت، ومن المستحيل وقف حركة الأشياء، ودفع الواقع إلي السكون، مهما كانت قوة وجبروت من يعملون لتحقيق هذا المستحيل.

هذه هي غرابة هذه الحرب. حرب مجنونة وعبثية وغبية واجرامية، وحتي لو أعدنا طرح سؤال ماذا تريد الادارة الأمريكية من العرب؟ نجد أن السؤال ليس في حاجة إلي رد، فالوطن العربي هو من مناطق النفوذ والهيمنة والسيطرة الأمريكية دون منازع، وليس هناك بين الحكام العرب من هو راغب أو قادر علي التصدي لها. السيطرة مباشرة علي الثروات، وخاصة النفط، وعلي القرار السياسي والاقتصادي، وعلي التوجه العام، ولا ينافس العرب في هذا إلا بلد مثل الباكستان وجمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية.

الادارة الأمريكية تريد سيطرة من نوع خاص، وتكذب عندما تدعي وجود أسلحة دمار شامل، فلو أنها موجودة لعملت للعرب ألف حساب، وهذا ما تفعله مع من يمتلك هذا النوع من السلاح الرادع. إنها الحرب النفسية والاعلامية للقضاء علي الارادة، والروح المعنوية، وهي حرب تحترف الكذب وتمارس التخويف والابتزاز، وتعكس بها صورة وحشية وغير آدمية للعرب اعتقادا منها أنها بهذا تكسب العالم إلي صف التطهير العرقي والاستيطان والاحتلال، ولولا الضعف العربي العام الذي حدث بفعل الدور الرسمي، ما جرؤت الادارة الأمريكية علي اختيار بلد عربي ليكون مسرحا لجنونها وعبثها، وهو لم يكن ضدها يوما ما، واختياره هو لتستعرض عليه قوتها، وتلقن العالم درسا، من خلاله، علي قاعدة اقتل الضعيف يخاف القوي ولأن العرب ضعفاء جعلتهم الادارة الأمريكية ملطشة ، ومادة رسالة موجهة إلي العالم، بأنها الأقوي وانها الأعظم. لأنها لا تستطيع أن تفعل ذلك من خلال الصين، أو الهند أو حتي كوبا.

وعلينا ألا نتجاهل البعد التاريخي لهذه الحرب، فهناك حساب تاريخي مؤجل، منذ الحروب الصليبية، تأجل حسمه بفعل حروب التحرير العربية، بعد أن ظن الجنرال غورو عندما وطأت قدمه أرض الشام، ووقف علي قبر صلاح الدين قائلا: ها قد عدنا يا صلاح الدين ، أنه حسم هذا البعد. ويبدو اليمين المسيحي الصهيوني يتصور أنه قادر علي أداء هذه المهمة، مراهنا علي عاملي الزمن والضعف، ومهما كانت القوة الأمريكية فهي، من وجهة نظري علي الأقل، ليست كافية وحدها لانجاز هذه المهمة، فالقوة المادية قد تحقق الغلبة، لكنها لا تصنع النصر، والنصر يتحقق دائما بالمقاومة، فليست كل غلبة نصرا، وليس كل نصر نتاج غلبة القوة المادية، ولهذا فالدور الرئيسي الآن هو للحرب النفسية. للقضاء علي روح المقاومة، وترسيخ مبررات الضعف، علي أمل أن تتحلل هذه الأمة ذاتيا، وتصفي وجودها بنفسها، وهنا مكمن الخطر.

هذه الجولة من الحرب الأمريكية ضد العرب تري من جانب أطراف عديدة علي أنها جولة حاسمة. تمثل بداية ونهاية لأي من الطرفين، فإما أن تكون حربا لاسترجاع عصر آخر من الاحتلال والاستيطان المباشر لكل الأمة، أو ينتهي بها عصر الهيمنة الأمريكية بكل توابعها، وقد تكون حرب تحرير عربية، تشعل المنطقة بأكملها. لا تتوقف عند حدود العراق أو لبنان أو فلسطين، أو بداية حقبة تعيد الوطن العربي إلي سباته وانسحابه من التاريخ ومن العصر، ولكن هل من الممكن لأي طرف من الطرفين أن يضمن حسم هذه الحرب لصالحه؟.

صحيح أن هناك رهانا أمريكيا صهيونيا يري في الوحشية الزائدة، والنهج النازي الجديد للادارة الأمريكية، مع الاستيطان الصهيوني والتطهير العرقي، وتغيير خرائط المنطقة، وسائل لصناعة واقع جديد، يحول العرب إلي مجرد جماعة بشرية، أدني من الأمة، يتم التعامل معها علي أساس لغوي، وهذا يعيدني إلي ما قيل، منذ سنوات، في فترة الدعوة المكثفة للشرق أوسطية، كنظام اقليمي بديل للنظام العربي، في ذلك الوقت حذرنا من اعتماد ذلك النظام الاقليمي المقترح علي التعامل مع العرب كجماعة لغوية، بتصنيع أمة صهيونية بديلة، تكون لها السيادة علي كل الجماعات اللغوية الأخري في المنطقة، وتصبح العبرية لغة هذه الأمة الاقليمية الأعظم، ويكون حال العرب هو الأسوأ بين الجماعات الناطقة بالتركية والفارسية والأمازيغية والنوبية، بعد أن يتم انضاج لهجات العرب المحلية، وتحويلها إلي لغات، وقد بدأ ذلك بالفعل في الجزائر، فيقال ان بها أربع لغات هي العربية (الفصحي) والجزائرية، وهي التي كانت لهجة محلية والأمازيغية والفرنسية، وبذلك تتراجع اللغة العربية في واحد من أهم بلاد الشمال العربي في افريقيا. وتبعا لذلك تتراجع الثقافة العربية والاسلامية الغالبة، وتتحول مكونات الأمة إلي فسيفساء وأجزاء لا رابط بينها، علي أمل أن تتحلل وتنتهي.

هذا يكشف بعدا آخر في الحرب.. هو البعد الثقافي والمعنوي، فالعمل يجري علي قدم وساق لسحق المبادئ والأفكار، وقتل الأمال والطموح، والغاء التاريخ، وشطب آلاف السنين من تاريخ العرب، وسرقتها تغذية لعشرات معدودة من السنين اليهودية في المنطقة، وهو ما يفصح عن النوايا الحقيقية لهذا النوع من الحرب، ويسقط كل شعارات ودعاوي حرية الفكر والعقيدة والرأي واحترام الثقافات والأديان. العرب يواجهون بحالة من الارهاب الثقافي والمعنوي والفكري غير مسبوقة، بالتدخل في صياغة العقول والأفكار والثقافات، والمناهج التعليمية والبرامج الدينية، ومن المتوقع إذا استمر هذا الحال فلن يسمح الأمريكان، ومعهم الصهاينة بأي مساحة للتعبير عن الرأي أو المخالفة مستقبلا، ستتكسر الأقلام، وتخرس الأصوات، وتقطع الألسنة، ويلاحق كل من ينادي بالعدل والحرية والمساواة.

العرب أمام مفترق طرق.. عليهم أن يعوا أن العدوان علي العراق مقدمة لما هو قادم، والقوة الأعظم، وهي تمارس الحرب النفسية وتعبئ قواها للجولة العسكرية، تكشف أنها الأحقر والأقل مرتبة، عندما تمارس المروق والخروج علي ارادة المجتمع الدولي الرافض للحرب، وتتجاوز الشرعية الدولية وتستهتر بإرادة الشعوب وتحتقر مشاعر البشر. والدولة العظمي التي لم تكن مهددة في يوم ما عربيا، تملك من لامكانيات الضخمة التي لو وظفت واستغلت، بشكل صحيح، لأرست دعائم نظام عالمي جديد، يحقق السلام والعدل بين الأمم والشعوب، لكنها بدلا من ذلك اتجهت نحو الحرب والغزو.

وكشف الحساب النهائي يقول بعدم استفادة أحد في قارات الدنيا الخمس من هذه الحرب، والمستفيد الوحيد هو الدولة الصهيونية، ولهذا فهي حرب اسرائيلية أولا وأخيرا، ومن المتوقع أن يتأكد بها دور الدولة الصهيونية كقوة اقليمية عظمي. مع ذلك فكثيرا ما تختلف حسابات الغرف المغلقة، والمكاتب المكيفة، وتقديرات مراكز الاستشعار من بعد، عن حسابات الواقع، فالواقع المحكوم بالظلم والمآسي التي تصنعها السياسة الأمريكية غالبا ما يفرز نقيضه، كرد فعل تلقائي علي هذا النوع من الممارسات.

ومع كل ما في المنطقة من المظاهر السلبية، فإن ما جري علي الأرض اللبنانية يؤكد القانون الذي يثبت حضوره ووجوده علي مر العصور، وهو أن العبرة ليست بالقوة المادية فقط، فالارادة القوية والعزيمة الصلبة، والروح المعنوية العالية، تجعل من سلاح المقاومة سلاحا فاعلا يحقق النصر، واتساع دائرة المقاومة خارج نطاق الدائرة اللبنانية والفلسطينية هو الحل الذي لا حل غيره لمواجهة العدوان الأمريكي، وقد يكون شعبنا في العراق قد اكتوي أكثر من غيره بنيران الاستبداد والتحكم، وهذا يحتاج إلي الوقوف معه في حقه في الاستمتاع بالحقوق والمزايا التي توفرها الديمقراطية، في نفس الوقت نثق أن وعيه لطبيعة الغزو القادم، الذي يستهدف وجوده ذاته، كشعب ودولة، يفرض عليه أن يهب مدافعا عن هذا الوجود، فالشعوب لا تقبل الموت بارادتها، ولا تستسلم لمن يريدون سلبهم حق الحياة، وإذا ما اندلعت الحرب وحدث أن اتسعت رقعة المقاومة، لتشمل العراق بعد لبنان وفلسطين، فسوف يقترب فجر الانعتاق والتحرر لكل المنطقة، ويبدأ النجم الأمريكي في الأفول. وعندما نستعيد التاريخ، نجد أنه، رغم الانتكاسات، كانت الأمة العربية تستعصي علي الموت، وكانت هذه المنطقة، وسوف تبقي مقبرة للغزاة.