لقد أُكلتم يوم أُكل الثور الأبيض:

احتلال منابع النفط سياسة امريكية طويلة المدي

 

 

 

بقلم :عبد الحي يحيي زلوم

 

يجهل الكثيرون أن احتلال منابع النفط العربي ليست وليدة هذه الساعة، وإنما كانت تنتظر اليوم المناسب. فأثناء الحرب العالمية الثانية كتب مساعد وزير الحربية الأمريكي مذكرة موجهة إلي الرئيس الأمريكي روزفيلت يقترح بموجبها أن تستولي الحكومة الأمريكية علي إنتاج المملكة العربية السعودية من النفط بعد أن تم تأسيس شركة آرامكو بقليل وذلك بعد أن تبيّن ضخامة المخزون النفطي في السعودية. ولقد كان من أسباب التبرير لمثل تلك الخطوة أن هذا الاحتياط الاستراتيجي الهائل هو من ضروريات الأمن القومي الأمريكي، تماما كما قامت الحكومة البريطانية بالاستيلاء الكامل علي شركة النفط الأنغلو إيرانية، والتي أسمتها لاحقا بـ بريتيش بتروليوم . وفي الثلاثين من حزيران (يونيو) عام 1943 صادق الرئيس روزفيلت علي تأسيس شركة الاحتياطي النفطي التي عهد إليها مهمة الاستيلاء علي امتياز شركة آرامكو بواقع 100% وتمت تسمية وزير الداخلية الأمريكي هارولد إيكيس رئيسا للشركة. كما تم تعيين إيب فورتاس، وهو يهودي صهيوني، سكرتيرا للشركة الجديدة. ولقد التأم الاجتماع الأول في التاسع من آب (أغسطس) عام 1943 بحضور وزير الحرب الأمريكي بالنيابة جون ماك كلوي. وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، ولاعتبارات جيوبوليتيكية، وكذلك تدخل الشركات المالكة لآرامكو، تقرر أن تقوم شركة آرامكو بمهمة شركة الاحتياطي الفيدرالي المذكورة وبدعم حكومي كامل وبتواجد قاعدة امريكية كبري في الظهران. وأصبحت آرامكو كما قال الرئيس الأمريكي هاري ترومان هي يدُ وزارة الخارجية الامريكية في المنطقة.

كانت المرة الثانية التي اعتزمت فيها الولايات المتحدة الاستيلاء الكامل علي منابع النفط في المملكة العربية السعودية في بداية السبعينات. آنذاك أصبحت الولايات المتحدة للمرّة الأولي في تاريخها مستوردة للنفط، وكذلك أصبحت للمرّة الأولي بعد الحرب العالمية الثانية تحقق عجزا في ميزانها التجاري وذلك نتيجة لاستيرادها للنفط. كان الخيار المطروح كما ورد في مادة التدريس للحالة رقم (9-383-096) في جامعة هارفارد ـ كلية الدراسات العليا لإدارة الأعمال - هو الاستيلاء علي منابع النفط الشرق أوسطي وإنشاء شركة النفط والغاز الفيدرالية ـ أعدّ تلك الدراسة البروفيسور جورج سي. لودج فمنذ ذلك التاريخ تم الإعداد بدقة للاستيلاء علي منابع النفط العربي بانتظار اللحظة المناسبة.

فلقد تم إنشاء مركز القيادة الوسطي في نهاية السبعينات وهدفها الأساسي والمعلن حماية منابع النفط . وتم إعداد الخطط للتدخل العسكري. كانت إحدي ألعاب وخطط الحرب التي تنبأت، بشكل مُحدّد، بغزو عراقي محتمل للكويت وقد وضعت مسودتها في البنتاغون. كما أن مقالات قد نشرت في المجلات الامريكية تتحدث عن احتمالية من هذا القبيل. فقد نشرت مجلة فورتشن في عددها الصادر يوم 7/5/1979، أي قبل 12 سنة من حرب عاصفة الصحراء، سيناريو لعبة حرب تضمنت تفصيلا لكيفية رد الفعل الأمريكي العسكري والخطط التي ستطبقها الولايات المتحدة في حالة غزو عراقي للكويت قائم علي نزاع الحدود أو حول أمور أخري. وقالت المجلة في الصفحة 158 تحت عنوان إذا غزا العراق الكويت : قد تقوم القوات العراقية المسلحة بصورة رئيسية بمعدات روسية باجتياح الكويت بسرعة. وإذا طلب منا تقديم المساعدة فسوف تشتمل ضربات جوية تكتيكية ضد العراق ومعداته الأرضية وإسناده الجوي. وربما تكون هناك تهديدات بتدمير المنشآت النفطية العراقية والتسهيلات التابعة لها. وقد يتطلب الأمر، من أجل طرد القوات العراقية البرية، استعمال قطع بحرية من الأسطولين السادس والسابع وجنود مشاة من الفرقتين الثانية والثمانين، والواحدة بعد المئة. وتصورت الخطة جيشا في الهواء لنقل القوات واستعمال الجسر الجوي الاستراتيجي لقوات الدفاع الجوي الأمريكي، والذي يضم سبعين طائرة عملاقة من طراز سي-5ايه C5-A ومئتين وثلاثين طائرة من نوع C141 المخصصة للنقل فضلا عن سبعمئة طائرة تموين وقود في الجو من طراز KC-135 للتزود بالوقود جوا .

ولربما من المفارقات أن أول تدخل للولايات المتحدة في نفط الشرق الأوسط بدأ بالعراق عندما نادت الولايات المتحدة بسياسة الباب المفتوح عشية الحرب العالمية الأولي وطلبت إلي الشركات النفطية الأمريكية أن تذهب وتأخذ نصيبها. كان ذلك في مطلع العشرينات من القرن العشرين عندما كان لدي البريطانيين والفرنسيين مصادر قليلة جدا لتوفير النفط لاحتياجاتهم، وأرادا أن يكون نفط الشرق الأوسط لهما كما كان نفط ولاية تكساس ملكا للولايات المتحدة. وما أن خمدت نيران الحرب الكونية الأولي حتي أعطيت حصة الألمان في شركة النفط التركية في العراق إلي الفرنسيين وتم استبعاد الولايات المتحدة حيث كان كل من البريطانيين والفرنسيين مصممين علي استبعادها خارج المنطقة. ولم يجد هؤلاء حرجا في ان يبلغوا الأمريكيين انهم عام 1922 سيطروا علي 82% من إنتاج النفط العالمي (في الولايات المتحدة والمكسيك) بينما لم يتجاوز ما كانت تسيطر عليه بريطانيا آنئذ 4.5%. وقد بذل الامريكيون جهودا مضنية ومارسوا ضغوطا كبيرة مكنتهم أخيرا من الحصول علي قطعة من كعكة النفط العراقي حتي قبل أن يتم إنتاجها. أما الشركة التي كانت قد تأسست تحت اسم شركة النفط التركية فقد أعيدت تسميتها بعد سقوط الامبراطورية العثمانية لتصبح شركة النفط العراقية وتشكلت من:

شركة بريتيش بتروليوم 23.75%

شركة شل 23.75%

شركة سي اف بي 23.75%

شركة موبيل 11.875%

شركة ايكسون 11.875

السيد غولبيكيان 5%

وهكذا فقد دخلت الولايات المتحدة حقول نفط الشرق الأوسط لأول مرة من خلال العراق، وقامت بآخر عملياتها للهيمنة علي النفط الشرق أوسطي والعالمي بحربها التي شنتها وستنشها الآن علي العراق أيضا.

دخل العراق عقد الثمانينات من القرن العشرين بفائض واحتياطي مالي كبيرين وبخطط طموحة للتنمية الاقتصادية والعسكرية. فجاءت الحرب العراقية الإيرانية والتي قال عنها هنري كيسنجر في كل الحروب هناك رابح وخاسر، ولكن في هذه الحرب يجب أن يكون هناك خاسرين وهكذا كان. وجاءت بدايات عقد التسعينات وأصبح الاستيلاء علي منابع النفط العربية أولي الأوليات. فلم تكتف الولايات المتحدة بتدوير كافة عائدات البترول العربية إلي الغرب بطريقة أو بأخري، بل أصبح لزاما أن تتمركز القوات الأمريكية فوق المنابع نفسها ليس بشكل خجول كما كان الأمر قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، وإنما جهارا ونهارا بل وأكثر.

جاءت سنة 1990 والولايات المتحدة قد تبوأت وضعا فريدا:

ہ فهي تريد إيجاد نظام عالمي جديد هو إمبراطورية أمريكية بكل معاني هذه الكلمة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية.

ہ لكنها وبالرغم من كونها قد أصبحت القوة العظمي الوحيدة في العالم، إلاّ أنها استوردت عام 1989 ما يعادل 45% من نفطها من الخارج فيما أشارت الدراسات آنذاك إلي أنها قد تضطر إلي استيراد ما نسبته 65% من نفطها بحلول نهاية التسعينات.

ہ والأدهي من ذلك أن حوالي 40% من العجز التجاري الامريكي لعام 1989 نجم عن الواردات النفطية. وهكذا باتت الهيمنة الأمريكية علي النفط العالمي لا تقف عند كونها خيارا مفضلا للولايات المتحدة بل أضحي ضرورة من مستلزمات الأمن القومي الأمريكي وأصبحت ذا أهمية استراتيجية كبري. وكانت سنة 1990 هي الأكثر مناسبة لعمليات الاستيلاء تلك، اللهم إلا ضرورة ترتيب المشاهد المسرحية لعمليات السيطرة هذه علي النفط والباسها ثوبا ظاهره الرحمة وباطنه العذاب. ولكن الولايات المتحدة لم تُعدم الخيال الخصب والسيناريوهات لكي تخلق الظروف المناسبة لكي تسوِّق عمليات السيطرة، وتبيعها أولا للشعب الأمريكي ثم ثانيا إلي شعوب العالم الأخري. وحشدت القوي الحاكمة الخفية للولايات المتحدة طاقما في الإدارة الأمريكية الجديدة عالي الكفاءة متمرسا ليس فقط بالسياسة وإنما بأمور النفط و الأمن القومي. كان أبرز ذلك الطاقم:

ـ جورج بوش الأب والذي لم يكن ملما فقط في شؤون الاستخبارات حيث عمل مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) سابقا، إلاّ أن أصوله تأتي من وول ستريت، وكذلك فهو ابن النفط، بدأ حياته بتأسيس شركة نفط مع أيوجين مائير وهو مصرفي و ابن وول ستريت أيضا وكان هو الناشر لجريدة الواشنطن بوست آنذاك.

ـ وكان رئيس الأركان المشتركة كولن باول قبل ذلك أيضا مستشارا للأمن القومي في البيت الأبيض.

ـ أما وزير الدفاع ديك تشيني فقد كان من أعتي المحافظين في إدارة بوش الأب، وما لبث أن أصبح رئيسا لأكبر شركة خدمات بترولية في العالم هي شركة هاليبيرتون بعد تركه البيت الأبيض إلي حين رجوعه كنائب لبوش الصغير.

ـ وأما قائد القيادة المركزية نورمان شوارتزكوف، والذي قاد العمليات العسكرية ضد العراق، فلقد عاش في عالم النفط في إيران عندما كان أبوه جنرالا أيضا ساهم في الانقلاب علي رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق الذي أمّم شركة البترول البريطانية في إيران، ونتج عن ذلك أن امتلكت الشركات الامريكية حصة طيبة من تلك الشركة بعد ذلك، علما بأنها كانت مملوكة بالكامل لشركة البترول البريطانية.

وهكذا، وتحت غطاء من الأمم المتحدة، اندفعت الولايات المتحدة في حرب ضد إحدي دول العالم الثالث يقطنها آنذاك 17 مليون نسمة وتم تسويق الانتصار علي هذه الدولة الصغيرة وكأنها معجزة القرن العشرين.

وبعد أن وضعت حرب الخليج تلك أوزارها، كان الخصوم والأصدقاء الإقليميون للولايات المتحدة هم الخاسرون، وبدت الأيام تبين لهم أنهم أُكلوا يوم أُكل الثور الأبيض.