لماذا يتطوع بعضنا للقيام بدور محامي الشيطان؟

 

 

بقلم : سعد هجرس

 

انتبهوا أيها السادة: أبواق اسرائيل يقفزون علي أسوار منارات وطنية

محاضر مصري يوزع خريطة حرب استقلال اسرائيل علي الصحافيين الافارقة!

لماذا هدد الدبلوماسيون العرب بالانسحاب من دورة تدريبية بالقاهرة؟

صدق او لا تصدق: الهيئة المصرية العامة للكتاب تنشر دفاعا مجانيا عن الصهيونية!

نفهم أن يدافع البعض عن سياسة الصلح مع إسرائيل، وان يعددوا الظروف الدولية والإقليمية والمحلية التي أجبرت عدداً من الدول العربية علي تجرع المر اعتقادا بأن ذلك شر لابد منه قد يحول دون الامر منه.

ونفهم ان يبرر البعض سياسة التسوية السلمية للصراع العربي - الإسرائيلي، من باب أن السياسة هي فن الممكن وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان ، أو من باب اختلال موازين القوي لصالح الدولة اليهودية، أو من أي باب أو شباك آخر.. معقول أو لا معقول.

كل هذا يمكن ان نفهمه رغم عدم موافقتنا عليه أو علي المنطق الذي يبرره.

لكن ما لا نفهمه، ومالا نستطيع أن نتفهمه، ان لا يكتفي بعضنا باجترار المبررات الاضطرارية للصلح، او الهدنة، بين الذئب الإسرائيلي و الحملان العربية، او حتي للتطبيع بينهم بدعوي ألا يموت الذئب ولا تفني الغنم كما يظن فلاسفة الواقعية السياسية ،...، بل ان يمضي هؤلاء أبعد من ذلك وينتقلوا الي الضفة الأخري المحرمة، الا وهي تبني وجهة نظر العدو وتبريرها وتسويقها لنا.

أي أن يتطوع نفر منا، دون داع، للقيام بدور محامي الشيطان ووكيل أعماله والمتحدث باسمه ولسان حاله!! ولا نفهم بالذات ان يتم ذلك في جهات نكن لها الاحترام ونعول عليها وعلي دورها في الذود عن المصالح الوطنية العليا، وعن الثوابت الوطنية والقومية.

ولكي لا يكون الكلام مرسلا، ومطلقا علي عواهنه، نسوق الوقائع الثلاث المحددة التالية.

 

ضمير القارة السمراء

 

الواقعة الاولي حدثت في اتحاد الصحافيين الأفارقة. وهذا الاتحاد - كما هو معروف للقاصي والداني - صرح إعلامي ونقابي مهم يقوده واحد من أنظف وانقي الصحافيين المصريين هو الاستاذ محفوظ الانصاري.

ومن حقنا مع اتحاد قاري كهذا، يقع مقره في القاهرة، ويوجد علي رأسه نقيب بمؤهلات ومواصفات محفوظ الانصاري النبيلة والوطنية، ان نفترض ونتوقع ان تكون وظيفته الأساسية هي تعزيز الروابط بين الصحافيين في سائر انحاء القارة السمراء، وتنمية مهاراتهم المهنية، فضلا عن تقوية علاقاتهم بمصر وتنويرهم بدورها ومكانتها ورسالتها الحضارية.

ولا شك ان اتحاد الصحافيين الأفارقة، قد لعب هذا الدور، او بعضا منه، في ظل قيادة محفوظ الانصاري له.

لكن الحلو لا يكتمل.. فقد شهدت الدورة الأخيرة التي نظمها الاتحاد لتدريب عدد من الصحافيين الأفارقة واقعة شاذة وبالغة الغرابة ننقلها الي علم نقيب الصحافيين الأفارقة، خاصة واننا علمنا انها حدثت اثناء سفره في مهمة عمل خارج البلاد.

الواقعة باختصار هي ان احد المحاضرين، وهو صحافي مصري وباحث بصحيفة قومية مرموقة، تطوع بتحويل محاضرته في هذه الدورة التثقيفية الي دفاع حار عن إسرائيل، وتبني كامل وجهة النظر الإسرائيلية والصهيونية، ليس فقط بالنسبة للدولة اليهودية وانما أيضا للتاريخ اليهودي. حتي ان الباحث لم يجد خريطة يوزعها علي الصحافيين الأفارقة سوي واحدة مطبوعة في إسرائيل ومكتوب عليها حرب الاستقلال ، والمقصود بالطبع استقلال إسرائيل!!

وقالت لي السيدة ميرفت رجب رئيسة التلفزيون السابقة، والإعلامية المعروفة، انها كانت حاضرة هذه الدورة، حيث كانت تقوم بالترجمة الفورية. وانها عندما روعت من هذا الذي يحدث ويقال توجهت الي الصحافي الباحث لتنبهه الي انه يرتكب اخطاء فظيعة، وخطايا لا تغتفر في حق الشعب المصري، وفي حق التاريخ الذي أوسعه تشويها، وفي حق الصحافيين الأفارقة الشبان الذين تلقوا من سيادته معلومات وآراء صهيونية خاطئة مع سبق الاصرار والترصد.. فما كان منه الا ان اتهمها بالجهل بالتاريخ والجغرافيا معا!

وهكذا... وبدلا من ان نستفيد من مثل هذه الدورات التدريبية لتنوير الاعلاميين الشبان الأفارقة بحقائق الصراع العربي الإسرائيلي، حولها الصحافي الباحث إياه الي منبر للدفاع عن وجهة النظر الصهيونية!

هل هذا معقول؟!

 

مدرسة الدبلوماسية المصرية

 

اللامعقول أكثر من ذلك.. وقد حدث في الواقعة الثانية في المعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية المصرية عندما كان الدكتور مصطفي الفقي مديرا له.

في آخر يوم في الدورة التي نظمها المعهد للدبلوماسيين الشبان العرب، استضاف المعهد الكاتب الصحافي المعروف محمود عوض ليقدم رؤيته لإسرائيل والصراع العربي الإسرائيلي.

فوجئ محمود عوض في نهاية محاضرته بتصفيق حاد من الحاضرين.

صحيح ان محمود عوض من افضل المتحدثين في هذه القضية، وحطم كتابه وعليكم السلام الأرقام القياسية في التوزيع، لكنه لم يقدم اكتشافات في محاضرته تستدعي الانبهار، او علي الاقل هذا ما يعتقده هو نفسه.

المهم انه سرعان ما اكتشف سر هذا التصفيق الحاد، عندما وقف أحد هؤلاء الدبلوماسيين الشبان ليقول انه يتكلم باسم زملائه، وانهم كانوا يفكرون في الانسحاب من الدورة.

لماذا؟

لان معظم المحاضرين المصريين الذين سبقوا محمود عوض، اما دافعوا عن سياسة الصلح مع إسرائيل، او أغلقوا باب الأمل بالضبة والمفتاح في إمكانية التغلب علي الغطرسة الصهيونية.

وقال الدبلوماسي العربي الشاب: لقـد اتينا الي مصر لنستمد منها الأمل والارادة، ففوجئنا بأن عددا من المحاضرين تكفلوا بالعكس تماما، ولهذا كانت سعادتنا بمحاضرة محمود عوض مضاعفة، فقد عوضتنا عن خيبة الامل التي اصابتنا بها كلمات هؤلاء الفلاسفة المفعمة بالتهوين من القدرات الذاتية العربية و التهويل من القدرات الاسرائيلية، والتي تذكرنا بالكلام الفارغ الذي دأب الكثيرون علي ترويجه قبيل حرب 6 أكتوبر، وتصوير العبور واقتحام خط بارليف علي انه من رابع المستحيلات، وانه هو والانتحار ســواء بسـواء!!

هل هذا معقول؟!

 

مكتبة الاسرة والمجتمع

 

اللا معقول لا يقف عند حد.. بدليل هذه الواقعة الثالثة

مكتبة الاسرة.. هي أهم مشروع قامت به الهيئة المصرية العامة للكتاب، وبفضل هذا المشروع أمكن نشر عدد هائل من العناوين المهمة، بعدد هائل من النسخ، وبأسعار زهيدة في متناول يد القارئ العادي من ذوي الدخل المحدود.

وبفضل هذا المشروع العملاق تمكن ملايين المصريين من مطالعة مؤلفات بالغة الأهمية، سواء تلك التي أسهمت في تشكيل الوعي الوطني، أو في نشر ثقافة التنوير والعقلانية.

لكن المفاجأة المذهلة ان تنشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، في سلسلة مكتبة الاسرة كتابا بعنوان من روائع الادب القضائي .

وكما هو واضح من العنوان فان الكتاب عبارة عن مقالات متنوعة عن قضاة مصريين مرموقين، وعن آرائهم ووجهات نظرهم في قضايا شتي.

ومن بين هذه المقالات نجد مقالا بعنوان مقتل اللورد موين يكشف أكاذيب اليهود ، بينما متن المقال يتناقض تماما مع العنوان، اذ انه من أوله إلي آخره دفاع مستميت ليس عن اليهود فقط، بل عن فكرة شعب الله المختار ، و حقهم في العودة الي ارض الميعاد . اي ان المقال تكريس للصهيونية وترديد فج لأفكارها ومغالطاتها.

صحيح ان الكلام الوارد في المقال ليس علي لسان المؤلف، وانما هو علي لسان حسن الجداوي المحامي في مرافعته عن المتهمين اليهوديين، بيد ان نشره بهذا الشكل وتحت عنوان روائع الأدب القضائي يعني تحبيذا لها رغم ادعاء العنوان ان المقال يكشف أكاذيب اليهود .

أنظروا الي بعض ما جاء في هذا المقال العجيب:

السنا بمحضر من شابين من فلسطين لم يكادا يتخطيا سن الطفولة.. ولذا عقب تصريح بلفور باكثر من خمس أو سبع سنوات، ورضعا لبن أميهما، في ذلك الجو الغريب الذي خلقه تصريح بلفور، جو الوطن اليهودي الذي عاشت فكرته في افئدة شعب موسي، أربعة آلاف من الأعوام، لا يحيد عنه ولا يريم .

أليس هذا ترديدا للفكرة الصهيونية بالكمال والتمام؟!

المحامي الهمام لا يكتفي بذلك بل يستطرد قائلا لست اقف هنا لادافع عن الصهيونية. انها قضية ككل القضايا، قد يكون لها ما يسندها وما يدحضها. ولا انتم هنا لتحكموا علي الصهيونية، فالحكم عليها من اختصاص غيركم، وهذه القاعة أعدت لتبقي بمعزل عن السياسة .

هكذا!! الصهيونية مجرد قضية ككل القضايا قد يكون لها ما يسندها !!

تصوروا!!

محامي الصهيونية الذي يطالب القضاة بالابتعاد عن السياسة يقفز بعد ذلك مباشرة ليقول الذي يجب ان نذكره ولا نستطيع ان ننساه هو ان هناك شعبا هو الشعب اليهودي، شعب الله المختار، كتبت عليه الذلة والمسكنة، عاش آلاف السنين مضطهدا مـشردا،..، وما حكاية اليهود الا حكاية الرجل الذي يأبي ان يموت. الرجل الذي ظل ثلاثين قرنا او تزيد مشـردا في الأرض محتضرا مرذولا يطرده هـؤلاء ويضطهده اولئك، وهو مع ذلك سائر في طريقه لا يحيد عنه. لقد شاهد هذا الشعب الممـالك ترتج حوائطها وتتهدم، ورأي شعوبا عظيمة تنمحي من فوق سطح البسيطة: رأي الفراعنة، ورأي الكنعانيين، ورأي الفينيقيين، والآشوريين، والكلدانيين، والفرس. لقد انمحي هؤلاء ولم يعد لهم وجود. وهو مع ذلك باق بقاءه الأول، ممتلئا حيوية، أفني اليونان وافني الرومان وهو باق. ومروا عليه فخورين مزهوين ليسقطوا بعد ذلك في الهاوية ويبقي هو، يبقي ليحارب الزمن. ان الزمن والناس قد تحالفا عليه، وهما يحاربانه ولكنه يعيش عيشته ويسير في طريقه محتفظا بعاداته ووسائله، وهو ينتظر وينتظر وينتظر.. مملكة الله في الارض التي بها يوعدون .

أرأيتم الشفقة الممزوجة بالاعجاب؟!

والاهم من العواطف.. هل رأيتم الترديد الساذج والغبي للمزاعم الصهيونية دون تدقيق او تمحيص، ودون إدراك لأننا وليس أحد اخر الضحايا الحتميين لاقامة المملكة اليهودية المنسوبة الي الله زورا وبهتانا؟!

وبصرف النظر عن هذا كله.. اذا كان مؤلف الكتاب يري في مرافعة حسن الجداوي رائعة من روائع الأدب القضائي ، فهذا حقه، ويمكنه ان ينشره علي نفقته الخاصة، او لدي اي ناشر خاص يشاطره هذا الرأي. لكن ماذا يجبر الهيئة العامة للكتاب، الناشر الحكومي المملوك للدولة والممول من دافع الضرائب، علي إعادة نشر هذه الدعاية الصهيونية.

ما الذي يجبر منابرنا الوطنية علي إفساح المجال لهذه الأفكار المعادية لنا؟!

ولماذا نفعل ذلك بأنفسنا، وبيد نفر منا، وفي ساحات كانت ولا تزال منارات للوطنية المصرية وللذود عن الأمن القومي المصري؟!

لماذا يتطوع نفر منا، دون داع، للقيام بدور محامي الشيطان ووكيل أعماله؟!