ليبيا والجامعة

 

 

بقلم : عريب الرنتاوي

  

عاد العقيد معمر القذافي الى واجهة الاحداث مجددا، ولكن من بوابة الخروج على »العربية«، جامعة ولسانا، بعد ان اودع لدى امين الجامعة طلبا رسميا بالانسحاب منها، وهدد كما تقول بعض الانباء بوقف استخدام اللغة العربية في بلاده.

قبل اعوام، سيطرت على العقيد »هواجس التعريب«، وبدأ الزائرون الى ليبيا بسرد طرائف ونوادر عن الترجمات المتعسفة لكل شيء، بعضها صحيح، وبعضها مبالغ فيه، فجورج حبش مثلا، صار اسمه »خشر حبش« .. والسفن اب، اصبح »سبعة فوق«.. وتل ابيب صارت »تل الربيع« وغير ذلك كثير مما كان يثير الضحك والطرافة الى الجلسات«.

وذات صيف في قبرص، فوجئت بطابور من الليبيين القادمين الى جزيرة الشمس، تحتجزهم قوى الهجرة والامن الداخلي، وقد اثار المشهد فضولي، فسألت عن سبب احتجازهم فقيل لي: ان جوازات سفرهم خالية من اية لغة لاتينية، وان كافة التفاصيل المتعلقة بهوية الزائرين مدونة بالعربية فقط، وهي لغة يجهلها الامن القبرصي، الذي تساءل احد رجالاته مستنكرا: هل يتعين على موظفينا اتقان العربية؟.

وذات يوم في الجزائر، كنا قد فرغنا من المشاركة في مؤتمر صحفي للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في اعقاب مؤتمر القمة العربية، قمة الانتفاضة الاولى، وفوجئنا بالحرس الليبي يحتجزنا في قاعة المؤتمرات الصحفية في فندق الاوراسي للاستماع لوقائع المؤتمر الصحفي الذي سيعقده العقيد، وسرعان ما دخل زعيم ليبيا مرتديا قفازه الشهير الذي وضعه في يمينه لكي يتفادى مصافحة الملك الحسن الثاني، ليشرع في الحديث بلسان عربي مبين، بعد ان منع احد مرافقيه من الترجمة الى الانجليزية، برغم ان نصف الحضور على الاقل، كانوا من غير الناطقين بلسان الضاد.

انتهى المؤتمر الصحفي الى زوايا »الطرائف« و»الاخبار المسلية« في صحافة اليوم التالي، تماما كما انتهت مبادرة العقيد في قمة عمان بضم اسرائيل -المشروط- الى الجامعة العربية، تلك المبادرة التي لم تحظ إلا بتأييد كاتب واحد، في العاصمة المضيفة للقمة.

قرار العقيد القذافي الانسحاب من الجامعة، هو النتاج المنطقي لقراره »افرقة« ليبيا، والمتابع لشاشة التلفزيون الليبي، يلحظ اصطباغها بألوان وأعلام القارة السوداء، وهو قرار احسب انه لا يؤخر ولن يقدم شيئا في مسيرة العمل العربي المشترك، فليبيا كانت دوما، لاعبا اشكاليا في الاطار العربي، واسهامها في قضايا العرب القومية والتنموية والثقافية، اسهام تعرض للتدمير المنهجي المنظم طوال ثلث قرن.

مؤسف هذا الذي يجري في ليبيا، فالبلد الغني بنفطه وثرواته، المتواضع في تعداد سكانه، يحتل مكانة بائسة في سلم التنمية على مختلف الصعد وشتى المسارات، فالأموال الليبية أنفقت في غير مواضعها، تارة لتمويل الترويج للكتاب الاخضر، واخرى لدعم حركات اشكالية تسمى اليوم ارهابية، واليوم تنفق هذه الاموال، اما لشراء »رهائن« ابو سياف، او لدفع تعويضات فلكية عن »لوكربي« والطائرة الفرنسية التي تقول ليبيا ان لا ناقة لها ولا جمل في اي منهما.

واخيرا، اذا كانت الجامعة العربية، المشلولة اصلا، لم تربح الكثير من وجود ليبيا في عضويتها، فالارجح انها لن تخسر بخروجها، ومن يستحق العزاء والرثاء من قبل ومن بعد، هو الشعب الليبي المسكين.