يزيد بن معاوية.. وحكام عصرنا

 

بقلم: هاني السباعي المحامي

 

كتب الأخ محمد الشنقيطي مدير المركز الإسلامي في تكساس بأمريكا تعليقاً على تعقيب شاب جزائري كتب بتاريخ 18 أكتوبر 2002 يعاتب الأستاذ الدكتور محمد عباس على تشبيهه الحكام المعاصرين بيزيد بن معاوية.. ثم في العدد التالي مباشرة لجريدة الشعب بتاريخ 25/10/2002م  كتب الأستاذ محمد الشنقيطي رداً على هذا الشاب حيث افتتح مقالته بقول الله تعالى (رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين) ثم طفق يستعرض بعض أقوال علماء السنة في يزيد بن معاوية وخاصة استشهاده بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية. و ليت الأستاذ الشنقيطي نقل كلام علماء أعلام السنة كاملاً..

ثم يقول أيضاً: (وهذه ظاهرة للأسف بين بعض الشباب المتدين الذين تصاغ أفكارهم من وراء ستار على أيدي الحكام الظلمة، الباحثين عن شرعية لظلمهم في التاريخ الإسلامي والشرع الإسلامي)!!

أقول: هؤلاء الشباب هم أكثر الناس فهما لطريقة السلف الصالح وهم أكثر الناس ولاء لدينهم وأكثرهم براءة من الحكام الظالمين الباحثين عن شرعية لظلمهم.. هؤلاء الشباب هم الذين قاموا بالواجب الشرعي يوم أن قعد الناس.. هؤلاء الشاب هم الذي كشفوا زيع أدعياء السلفية الذين هم ركن ركين لهذه الأنظمة الخارجة عن شرع الله.. هؤلاء الشباب تجدهم بين طريد وسجين وقتيل.. سل قوافل الشهداء وهي تخرج من فم التنين!! من الذي جاء بها إلى هذ السلخانات حيث الهول والتعذيب .. صدق القائل: رمتني بدائها وانسلت!!

بعد هذه التقدمة: أود أن ألخص ردي عبر النقاط التالية:

أولاً: النصوص التي اعتمد عليها الأستاذ الشنقيطي.

ثانياً: ردي عليه من خلال نقل أقوال علماء السنة وخاصة ابن تيمية من نفس المراجع التي اعتمد عليها.

ثالثا: أقوال بعض علماء السنة السنة في قضية يزيد بن معاوية.

رابعاً: صفوة القول.

************************

 

أولاً: النصوص التي اعتمد عليها الأستاذ الشنقيطي

 

قال الأستاذ الشنقيطي:

(وفيما يلي بعض الإيضاحات لفظائع يزيد ومكانته، لدى من لا يُتهمون بالتشيع أو التطاول على أهل الصدر الأول، عسى أن تكون فيها عبرة..

# "قال صالح بن أحمد [بن حنبل] : قلت لأبي : إن قوما يقولون إنهم يحبون يزيد، فقال : يا بني، وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟"(ابن تيمية: مجموع الفتاوى 4/483 ومنهاج السنة 4/573)

# وقد رفض الإمام أحمد رواية الحديث عن يزيد لظلمه وجوره. قال الحافظ ابن الجوزي: "أسند يزيد بن معاوية الحديث، فروى عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسنادنا إليه متصل. غير أن الإمام أحمد سئل: أيُروى عن يزيد الحديث؟ فقال: لا ولا كرامة. فلذلك امتنعنا أن نسند إليه" (ابن الجوزي : المنتظم 5/322 وقارن مع ابن تيمية : مجموع الفتاوى 4/483) . وزاد ابن تيمية: <<قال: لا، ولا كرامة أوليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل؟>> (منهاج السنة 4/575)

# وقال الحافظ الذهبي: "كان [يزيد] قويا شجاعا، ذا رأي وحزم، وفطنة وفصاحة، وله شعر جيد .وكان ناصبيا فظا غليظا جلفا، يتناول المسكر، ويفعل المنكر. افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرة. فمقته الناس ولم يبارَك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسين، كأهل المدينة قاموا له، وكمرداس بن أدية الحنظلي البصري، ونافع بن الأزرق، وطواف بن معلى السدوسي، وابن الزبير بمكة"(سير أعلام النبلاء 4/37-38)

# ورغم امتناع أغلب علماء السنة من لعن المعين، تنزيها للسان عن فحشاء القول، فقد رأى بعض أهل العلم أن لا بأس بلعن يزيد بن معاوية "وهو رواية عن أحمد بن حنبل اختارها الخلال وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وابنه القاضي أبو الحسن. وانتصر لذلك أبو الفرج بن الجوزي في مصنف مفرد وجوز لعنته" (ابن كثير : البداية والنهاية 8/223 وقارن مع منهاج السنة 4/574). وممن نحوا هذا النحو أيضا "الكيا الهرَّاس" (مجموع الفتاوى 4/485)

# ومستند هؤلاء أن يزيد داخل في أحاديث كثيرة وردت بلعن من آذى أهل المدينة. ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدل"(رواه أحمد 4/55 وابن حبان 9/55 وابن أبي شيبة 6/406 وعبد الرزاق 9/264 وإسناده صحيح . انظر : سير أعلام النبلاء 3/ 324) <<اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفْه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرف ولا عدل" (الهيثمي : مجمع الزوائد 3/306 وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح) <<من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبيَّ" (الهيثمي : مجمع الزوائد 3/306 وقال : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح) "اللهم اكفهم من دهمهم ببأس – يعني أهل المدينة – ولا يريدها أحد إلا أذابه الله كما يذوب الملح في الماء" (الهيثمي : مجمع الزوائد 3/307 وقال : في الصحيح طرف من آخره . رواه البزار وإسناده حسن) .

# وقد استباح يزيد مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم <<فصار عسكره في المدينة ثلاثا ، يقتلون وينهبون ، ويفتضون الفروج المحرمة. ثم أرسل جيشا إلى مكة المشرفة ، فحاصروا مكة، وتوفي يزيد وهم محاصرون مكة ، وهذا من العدوان والظلم الذي فُعل بأمره>> (مجموع الفتاوى 3/412).

أقول: كانت هذه أقوال بعض العلماء التي ذكرها الأستاذ محمد الشنقيطي.. ثم أنتقل الآن إلى الرد على هذه الفقرات...

 

ثانياً: ردي على الأستاذ محمد الشنقيطي من خلال نقل أقوال علماء السنة

 وخاصة ابن تيمية من نفس المراجع التي اعتمد عليها

 

(أ): كلام ابن تيمية من مجموع الفتاوى:

" افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثلاث فرق‏: طرفان ووسط:

  فأحد الطرفين قالوا: إنه كان كافرًا منافقًا، وأنه سعى في قتل سبط رسول اللّه، تَشَفِّيًا من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وانتقامًا منه، وأخذًا بثأر جده عتبة، وأخي جده شيبة، وخاله الوليد بن عتبة، وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي بن أبي طالب وغيره يوم بدر وغيرها، وقالوا‏: تلك أحقاد بدرية، وآثار جاهلية، وأنشدوا عنه‏:

لما بدت تلك الحمول وأشـــرفت ** تلك الرؤوس على ربـي جيرون

نعق الغراب، فقلت نح أولا تنح ** فلقــد قضـيت من النــبي ديوني

وقالوا‏: إنه تمثل بشعر ابن الزَّبَعْرى الذي أنشده يوم أحد‏:

ليت أشياخي ببدر شهــــدوا ** جزع الخـــزرج من وقع الأسل

قــد قتلنا الكثير من أشياخهم ** وعدلنــاه ببـــدر فاعتــــــدل

وأشياء من هذا النمط‏. وهذا القول سهل على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر، وعمر، وعثمان، فتكفير يزيد أسهل بكثير‏.

والطرف الثاني: يظنون أنه كان رجلًا صالحًا وإمام عدل، وأنه كان من الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وحمله على يديه وبرَّك عليه، وربما فضله بعضهم على أبي بكر وعمر، وربما جعله بعضهم نبيًا، ويقولون عن الشيخ عدي، أو حسن المقتول ـ كذبًا عليه ـ‏: إن سبعين وليًا صرفت وجوههم عن القبلة لتوقفهم في يزيد‏.

وهذا قول غالية العدوية والأكراد ونحوهم من الضلال، فإن الشيخ عديًا كان من بني أمية، وكان رجلًا صالحًا عابدًا فاضلًا، ولم يحفظ عنه أنه دعاهم إلا إلى السنة التي يقولها غيره كالشيخ أبي الفرج المقدسي، فإن عقيدته موافقة لعقيدته، لكن زادوا في السنة أشياء كذب وضلال، من الأحاديث الموضوعة والتشبيه الباطل، والغلو في الشيخ عدي وفي يزيد، والغلو في ذم الرافضة، بأنه لا تقبل لهم توبة، وأشياء أخر‏.

وكلا القولين ظاهر البطلان عند من له أدنى عقل وعلم بالأمور وسير المتقدمين؛ ولهذا لا ينسب إلى أحد من أهل العلم المعروفين بالسنة، ولا إلى ذي عقل من العقلاء