مجلس الأمن يصوت للجمهوريين

 

بقلم : د. خالد عبدالله

 

من يتابع خطوات الإدارة الأمريكية، ويلاحق إدارتها لمشروع قرارها في مجلس الأمن ضد العراق لا يمكن أن يفوته الإفراط الأمريكي في تعسير القبول بمشروع القرار من لدن البلدان الأخرى، وتعطيل لصدور قرار يحظى بالإجماع. وهذا يبدو واضحا على أصعدة ثلاث. الأول، أن مشروع القرار نفسه يتضمن من المطالب ما يجعل الرضى به صعب على البلدان ذات العضوية الدائمة. فهو إملاء عليهم للقبول بالحرب الأمريكية. الثاني، أنه حينما قادت المفاوضات بين وزراء خارجية الولايات المتحدة وفرنسا إلى نوع من التخفيف من حدة مشروع القرار، فوجئ الفرنسيون والروس بإدخال مشروع القرار الأمريكي في سجلات مجلس الأمن متضمنا ما عبروا عن سخطهم منه، وما أدركوا أنه ردة على ما بدا أنهم قد اتفقوا حوله مع الأمريكان في بعض المسائل. الثالث، تواصل المناورات الأمريكية بالضغط والتهديد العلني من أجل القبول بمشروعها مما يحط من قدر هذه البلدان الدائمة العضوية فيما لو أرادت أن تجاري الولايات المتحدة، ويجعلها تبدو في قبولها أنها لا تملك من أمرها شيئا. وهذا سيؤثر مستقبلا على علاقاتها مع البلدان الأخرى التي ستجد أنه العبث وتضييع المصالح الوثوق بهذه البلدان ، وأنه من الحكمة إجراء المساومات مع الأمريكان حين تتعرض للضغوط الأمريكية بدلا من اللجوء إلى من لا يستطيع أن يقف أمام الضغط الأمريكي. وبهذه الطريقة ستعزل هذه الدول الكبرى عن بقية بلدان العالم، وستكون في موقف يتوالى فيه ضعفها إزاء الولايات المتحدة.

فما الذي تسعى إليه الولايات المتحدة من أساليب الإرهاب الدبلوماسية؟ أول ما يتبادر إلى الذهن هو احتياجها إلى قرار من مجلس الأمن يعطي شرعية دولية لحربها القادمة. وهذا بعيد عن الحجة التي تسنده، بل أن ممارسات الولايات المتحدة خلال السنة الأخيرة تظهر على سبيل التواتر أنها لا تعير اهتماما للنظام الدولي القائم لأنه لم يعد على مقاس حجم قوتها، ولا يبلغ طول طموحاتها. فهي إن عادت إلى العمل الدولي فلتخضعه لما سنته من مبادئ جديدة للنظام الدولي الجديد. ولأشياء أخرى. فالذهاب لمجلس الأمن ليس لأنها جادة كما تزعم في سعيها للتخلص من أسلحة الدمار الشامل، إذ إن ما تقترحه الدول الأخرى كفيل بتحقيق ذلك، أو السماح لها باستخدام القوة إن لم يتعاون العراق مع فرق التفتيش. هذا ما تقوله فرنسا وروسيا والبلدان الأخرى. كما أنه ليس للحصول على قرار من مجلس الأمن يخولها شن الحرب على العراق كائنا ما كان تعاون العراق، وسواء حاز أسلحة الدمار أم خلا منها، وذلك لأنها تعرف أن ذلك يكاد يكون ممتنعا.

فلم إذن تذهب إلى مجلس الأمن؟ لسببين. الأول، أن النقاش العالمي حول حربها ضد العراق وتفردها بالعمل قد انتقل إلى ساحتها. وبدأ الكثير من النخبة الأمريكية يطالب بعقد التحالفات، لأن خوضها الحرب منفردة سيجعل ثمنها السياسي والاقتصادي والعسكري باهظا. فالإدارة الأمريكية الحالية بدأت تقرع طبول الحرب بعيدا عن الأمم المتحدة، ولكنها اضطرت للذهاب إليها من أجل إرضاء جمهورها. فهذه الإدارة مسكونة بالرعب من مشاركة الآخرين في حربها ضد الإرهاب لأن المشاركة قيد على أفعالها، وغل لأهدافها، بل أنها تنغيص لسرورها. وهذا يبدو من غلظتها في التعامل مع مجلس الأمن وفي حدة لغة مشروع قرارها. فهي كأنها تدعو مجلس الأمن ليرفض مطالبها، حتى تذهب لجمهورها لتخبره أنها فعلت واجبها لكن العلة في الأمم المتحدة العاجزة.

 ولقد بدأت تهيأ الأجواء لذلك، فهي تقول لجمهورها أن المخاطر على أمنها خطيرة، وأن مسئوليتها لأنها الدولة الأعظم جليلة، فلا يمكنها أن تنتظر المخاطر حتى تأتي إليها. وبطبيعة الحال يغيب على الرأي العام الأمريكي في ظل تجربة الحادي عشر من سبتمبر، وفي ظل الرعب المتواصل الذي تحيطه به حكومته أن يطرح الأسئلة الحقيقية. ولا يقتصر ذلك فقط على تلك الأسئلة المتصلة بأسباب تعرضها دون غيرها لهذه المخاطر، وما هي مسئوليتها في ذلك، ولكن أيضا تلك الأسئلة الخاصة بصدق بعض المخاطر التي تزعمها كما في حالة العراق. 

لكن السبب الثاني الذي يبدو أكثر أهمية، أن طريقة عرضها لمشروعها في مجلس الأمن، وأسلوب مناورتها الذي اتسم بالعجلة ثم لينحو منحى التريث، أن الولايات المتحدة قد زجت بمجلس الأمن في معركة الانتخابات التشريعية الجارية في الولايات المتحدة. فقد زاوجت الإدارة الأمريكية بين حدة لغة القرار وتشدد مطالبها من مجلس الأمن مع اللغة اليومية المتشددة للرئيس الأمريكي المطالبة للأمم المتحدة حتى تقوم بمسئوليتها، فإن عجزت فإن الولايات المتحدة ستقوم بما لم تستطع القيام به الأمم المتحدة. وهكذا فرضت الإدارة معركتها في الأمم المتحدة ولغتها على الحملة الانتخابية. فالإعلام الأمريكي لا يمكن أن يتجاهل ما يشغل الرئيس الأمريكي، لأن ما يزعمه هذا الرئيس أصبح من كثرة ما ردد ولفرط ما هول به يشغل الجمهور الأمريكي نفسه. فلغة الأمن والاستقرار لها الأولوية على لغة الاقتصاد.

ولا يمكن للمرء إلا أن يعجب بقدرة الجمهوريين على استغفال الديمقراطيين. فلقد برر قادة الديمقراطيين تصويتهم لصالح مشروع يخول الرئيس بالحرب ضد العراق بكونهم أرادوا أن يخلوا الساحة الانتخابية للقضايا التي تضر بالرئيس الأمريكي مثل فساد الشركات الكبرى، والكساد الاقتصادي والبطالة والفقر وغيرها من الأمور التي يقف فيها برنامج الحزب الجمهوري بشكل واضح إلى جانب الأغنياء. لكن الجمهوريين استطاعوا من خلال مناورة الإدارة في مجلس الأمن أن يخلوا الساحة من تلك القضايا، وأن يملئوها بلغة الأمن والحرب.

ولكن قد يتساءل المرء ماذا لو أن الديمقراطيين لم يصوتوا لصالح تفويض الرئيس الأمريكي بإعلان الحرب ضد العراق، أليس معنى ذلك أن النقاش في الحملة الانتخابية سيتركز أيضا على الحرب؟ هذا صحيح إلى حد كبير، لكن قدرة الرئيس الأمريكي على خوض الحرب ستكون أضعف. فهو لن يستطيع الذهاب إلى مجلس الأمن ثم اتهامه بالعجز لأنه لم يحصل منه على ما يريد، وذلك لأنه لم يحصل في بلده أصلا على ما يريد. ثم إن النقاش حول الحرب وضرورتها في مناخ يقف الديمقراطيون ضدها كشف لأهدافها الحقيقية وإيهان للحجج الأمريكية. لكن الديمقراطيون وقفوا إلى جانب الحرب ليسوا لأنهم يخشون من المواطنين العاديين، بقدر فزعهم من المصوتين الحقيقيين، الذي يصوتون بأموالهم، وبإعلامهم.