صراع الأدمغة جزء من الحرب المرتقبة

ملاحقة الكفاءات والأدمغة ستكون جزءاً من حرب أمريكية محتملة ضد العراق

 

واشنطن - خدمة قدس برس

 

تقول الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها بريطانيا إنّ العراق يمثل خطراً ماحقاً لأنه يملك "أسلحة دمار شامل". ولكن يبدو أنّ هذه الحجة التي لم يوافق المجتمع الدولي بعد على اعتمادها لا تبدو كافية، فالمستهدف ليس الأسلحة العراقية، بل قائمة أخرى يبدو من بينها الأدمغة والكفاءات البشرية العاملة في العراق.

 

فقد حذر مارك كلايتون، المحرر في صحيفة "كريستشن ساينس مونيتور"، من "العقول المفكرة (التي تقف) وراء المخزون العراقي من الأسلحة"، مشيراً في مقال كتبه في الصحيفة يوم الأربعاء الماضي إلى أنّ "علماء متدربين في الولايات المتحدة ربما كانوا بالنسبة لخطر العراق بأهمية أسلحته الحربية".

 

وكتب كلايتون في تقريره موضحاً "إذا عاد مفتشو الأمم المتحدة قريبا إلى العراق، فلن تكون أسلحة الدمار الشامل فقط هي التي سيبحثون عنها. ربما كانت مهمة في مثل ذلك أهمية محاولة إيجاد الأشخاص الذين يعرفون كيف يصنعونها".

 

ويضيف الكاتب "بينما تتجادل الولايات المتحدة والأمم المتحدة حول نظام جديد للتفتيش، يحذر مفتشون سابقون عن الأسلحة من أن يصبح المفتشون منهمكين في البحث عن صواريخ، وقنابل ومختبرات، وينبهون إلى ضرورة أن يركزوا أكثر على إيجاد كبار خبراء الأسلحة العراقيين".

 

وينقل الكاتب عن ديفيد كاي، كبير مفتشي الأمم المتحدة السابقين عن الأسلحة النووية في العراق، قوله؛ إنه بخلاف المعدات الحربية، سيكون من الصعب على (الرئيس العراقي) صدام حسين أن يعوض عن "الرأسمال البشري." وهو يقول، "إن بإمكانك أن تدمر المنشآت، غير أن الرئيس العراقي صدام (حسين) لديه المال الكافي لشراء أفضل المعدات. الشيء الوحيد الذي لا يتوفر لديهم بكثرة هو الرأسمال البشري الأساسي."

 

ويضيف كلايتون "من السخرية أنه إذا عثر المفتشون على أي من صانعي القنابل، فقد لا يكون من الضروري الاستعانة بمترجم. ذلك لأن الكثيرين من خبراء تطوير الأسلحة العاملين في خدمة صدام حسين تلقوا تدريبهم كما يبدو في جامعات في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وأوروبا".

 

وفي معرض تناوله لمعالم ما أطلق عليه "خطة تعليمية كبرى" أوضح الكاتب أنه "عند حلول عقد الثمانينات، بدأ علماء متدربون في بريطانيا، وروسيا، وأوروبا يشغلون المناصب الكبيرة. وعند نهاية العقد كان نصف الثلاثين أو حوالي ذلك العدد من كبار الخبراء النوويين العراقيين، قد تدربوا في الولايات المتحدة، كما قال. وكان التنوع جزءا من خطة صدام حسين التعليمية الكبرى".

 

 

 

 

 

وأضاف يقول "حتى بعد حرب الخليج، بقي كثير من الطلاب العراقيين ملتحقين بجامعات أميركية لدراسة الفيزياء والهندسة النوويتين. وقد اكتشف هذا الدكتور كاي، كبير مفتشي الأسلحة السابق، أثناء زيارة قام بها إلى جامعة مشيغان في آن آربور عام 1993. فأثناء إلقائه محاضرة أمام عدد من طلاب صف التخرج في الهندسة النووية كانوا يملأون الغرفة، دهش إذ وجد هناك حوالي اثني عشر طالباً عراقياً".

 

وأوضح كلايتون "أنّ دراسة جرت مؤخرا لشهادات الدكتوراه المحصّلة في الولايات المتحدة أيدت تلك الملاحظة الشخصية. فقد وجد باحثون في جامعة جورجيا الولائية في أتلانتا أنه خلال الفترة من 1990 إلى 1999، منحت 1,215 شهادة دكتوراه في العلوم والهندسة لطلاب من خمس من الدول السبع المصنفة من قبل وزارة الخارجية الأميركية على أنها دول ترعى الإرهاب. ومع ذلك يشكل هذا العدد 2 بالمائة فقط من الشهادات التي منحت لطلاب من مواليد دول أجنبية، ونال العراقيون 112 شهادة دكتوراه في العلوم والهندسة. ومن هؤلاء، كان 14 طالباً فقط يدرسون مواضيع حساسة كالهندسة النووية، أو الكيميائية، أو البيولوجيا المجهرية. وليس هناك دليل واضح على عدد الذين عادوا إلى العراق".

 

ويمضي الكاتب إلى القول "غير أنّ الأعداد الصغيرة قد تكون مضللة. فالخبراء يقولون إن الأمر يحتاج إلى طالب أو طالبين موهوبين فقط لإدارة برنامج كامل للأسلحة"، وفق تقديره.

 

ويضيف قوله "اتخذت حكومة الرئيس بوش خطوات للتدقيق في طلبات الطلاب للحصول على تأشيرة دخول. وسيجري تدقيق إضافي في طلبات طلاب من عدة عشرات من الدول لدراسة مواضيع حساسة كالفيزياء النووية. وتم وضع نظام تعقب جديد للتأكد من أن الطلاب الذين يأتون إلى الولايات المتحدة يلتحقون فعلاً بالجامعات. ويقول كاي، إن الأنظمة الجديدة مع ذلك قد لا تكتشف الطلاب الذين يقدمون طلبات للالتحاق بجامعات أميركية لدراسة التاريخ مثلا، وبعد ذلك بسنة يتحولون إلى الهندسة النووية.

 

وقال (كاي)، إن ما ينبغي عليهم أن يتنبهوا له هو جيل جديد من الخبراء الشبان الذين سيخلفون علماء أمثال عبد الناصر هنداوي، الذي حصل على شهادة الدكتوراه في البيولوجيا المجهرية من جامعة مسيسيبي الولائية في ستاركفيل عام 1969، وأصبح في الثمانينات المخطط والمنفذ لبرنامج صدام حسين الخاص بالأسلحة البيولوجية. وقد حاول الفرار واعتقل عام 1998"، حسب ما جاء في التقرير.

 

وإذا كانت ملاحقة الكفاءات هي جزء من الحرب المحتملة ضد العراق، فإنّ تعبيراً جديداً قد يدخل القاموس السياسي في العالم العربي على الأرجح؛ هو "حرب الأدمغة"، ويبدو أنه وثيق الصلة بأزمة "نزيف الأدمغة" من العالم العربي إلى الغرب، التي كثرت منها الشكوى في العقود الماضية.